ثلاثة عصافير بحجر واحد.. ماذا وراء تجنيد روسيا مرتزقة سوريين للقتال في أوكرانيا؟

مصعب المجبل | منذ ٤ أعوام

12

طباعة

مشاركة

في السنوات الأخيرة باتت روسيا تسعى عند كل صدام عسكري خارج الحدود لحشد مرتزقة سوريين، بما يخدم مصالحها، وهذا ما يتكرر حاليا مع قرع طبول الحرب عند حدود جارتها الشرقية أوكرانيا.

وتدور أحاديث إعلامية عن لجوء روسيا إلى عمليات تجنيد جديدة لمرتزقة سوريين، لتدريبهم ونقلهم إلى إقليم دونباس الذي يسيطر عليه انفصاليون أوكرانيون موالون لروسيا.

إذ مركزت روسيا أكثر من مئة ألف عسكري على حدودها مع أوكرانيا تحضيرا لغزو محتمل، بالتوازي مع تحشيد عسكري متبادل من قبل الولايات المتحدة شرق أوروبا لصد أي غزو لحليفتها أوكرانيا.

ورأى مراقبون أن روسيا عبر هذه الخطوة تتخلص من الحواجز الأخلاقية في القتال ضد أبناء العمومة الأوكرانيين، وتمنع استياء شعبها حال سقوط قتلى وجرحى، كما تتخلص من المليشيات غير المؤيدة لبشار الأسد عبر إعطائها الأولوية في السفر.

المرتزقة الجدد

وأكدت شبكة "درعا 24" المحلية أن روسيا جندت عناصر من الفيلق الرابع والخامس اللذين شكلتهما، لإعادة تدريبهم في قاعدة التيفور الجوية العسكرية بريف حمص، ضمن خطة لنقل هذه القوات إلى منطقة دونباس للمشاركة في الحرب في أوكرانيا.

وأفادت الشبكة في تقرير بتاريخ 28 يناير/كانون الثاني 2022، بأن إحدى المجموعات بدأت بالتدريب بشكل فعلي منذ الأسبوع الثالث من الشهر المذكور.

وبينت أنه بعد انتهاء التدريب سيجري إرسال المجموعات عن طريق حميميم إلى مدينة روستوف على نهر الدون جنوبي روسيا، حيث قيادة المنطقة العسكرية الجنوبية في البلاد.

وأوضحت الشبكة، أن روسيا تخطط لنقل هذه القوات إلى منطقة دونباس للمشاركة في الحرب في أوكرانيا.

ويقدر عدد هذه القوات في المرحلة الأولى بـ2500 عنصر وقد يصل إلى 4000 في مرحلة قادمة، وذلك بموجب عقود تتضمن بعض بنودها حصول كل عنصر على راتب شهري قدره 700 دولار أميركي ويرتفع إلى 1200 دولار أثناء المعارك.

ولفتت "درعا 24" إلى أنه جرى تجنيد عدد من العناصر من محافظة درعا، مشيرة إلى أن مصادر مطلعة نقلت عن ضباط روس قولهم: إن "روسيا تعتقد أن إرسال المقاتلين العرب إلى دونباس في أوكرانيا سيزيل عنهم الحواجز الأخلاقية، ولن يظهروا ترددا في المعارك التي يخوضونها كونهم يختلفون عنهم عرقيا ودينيا"، بحسب تعبيرهم.

من جانبه، ذكر فراس طلاس وهو نجل وزير الدفاع السوري الأسبق، مصطفى طلاس أن مرتزقة مجموعة "فاغنر"، المعروفة  بـ"جيش بوتين السري"، تقوم حاليا بعمليات تطويع للسوريين لنقلهم إلى إقليم الدونباس.

وأوضح طلاس في تدوينة على فيسبوك، بتاريخ 2 فبراير/ شباط 2022 أن "فاغنر طوعت عددا كبيرا من السوريين برواتب 300 دولار للسفر إلى إقليم الدونباس في أوكرانيا".

ورأى طلاس أن "مسألة التمويل معقدة جدا، ففي أوكرانيا يكون التمويل عبر مناجم الفحم والحديد في دونباس"، مشيرا إلى أن "التطوع الذي تقوم به فاغنر من مختلف المناطق السورية ومن كل الأديان والقوميات السورية كبير جدا".

ومضى يقول إن "بوتين لن يدخل إلى أوكرانيا وإنما ستدخل فاغنر إلى الدونباس بتمويل من رجال أعمال روس وبأوامر من سيد الكرملين طبعا".

شبح الحرب

ويملك مجموعة "فاغنر" رجل الأعمال الروسي، يفغيني بريغوزين، المقرب من الرئيس فلاديمير بوتين، وفق ما تؤكده تقارير صحفية.

وتقاتل "فاغنر" وفق مصالح روسيا في كثير من دول العالم، حيث أدرجتها واشنطن في قائمة العقوبات على المؤسسات الروسية في يونيو/ حزيران 2017.

وتعمل فاغنر منذ سنوات على تجنيد المرتزقة السوريين عبر دعم مباشر من فرع الأمن العسكري وشركات محلية أشهرها شركة "الصياد".

كما كان لها دور بارز في مساعدة قوات النظام السوري في استعادة السيطرة على مناطق من المعارضة.

ويخيم شبح الحرب في إقليم دونباس، إذ تبرر روسيا غزوها لأوكرانيا، بحجة "حماية الرعايا الروس" في الإقليم الذي يشهد تبادلا لإطلاق النار بين الجيش الأوكراني ومجموعات أوكرانية موالية لروسيا منذ عدة سنوات.

لكن بالمقابل أكدت وزارة الدفاع الأميركية، في 2 فبراير/شباط2022 وضمن خطة تعزيز واشنطن "الموقف الرادع والدفاعي" على الجناح الشرقي لحلف شمال الأطلسي "ناتو"، موافقة الرئيس جو بايدن على إرسال 3 آلاف جندي إلى شرق أوروبا.

في وقت يتموضع فيه ألف جندي في ألمانيا سيتم نقلهم إلى رومانيا ليضافوا إلى 900 جندي أميركي موجودين هناك بالفعل.

كما أكدت القوات الأميركية أن نحو 2000 جندي سينتقلون من ولاية كارولينا الشمالية إلى بولندا وألمانيا، بهدف "ردع موسكو عن مهاجمة أوكرانيا" وتجنب الحرب في أوروبا الشرقية.

وتطالب موسكو من الولايات المتحدة والغرب، بضمانات أمنية خطية من بينها عدم ضم أوكرانيا إلى الناتو ووقف توسع الحلف شرقا، لا سيما إلى الجمهوريات السوفياتية السابقة التي تعد أوكرانيا إحداها.

التهرب القانوني

وأمام هذه المعطيات التي "لا ناقة ولا جمل للسوريين فيها"، تصر روسيا على زج مجموعات قتالية في هذه الحروب المفتوحة خدمة لأجندتها انطلاقا من استغلال الوضع السياسي والأمني في سوريا.

وكل ذلك يجري تحت عين وإشراف وتسهيل من النظام السوري، الذي يسمح بتنقل هؤلاء من بلداتهم إلى نقطة تجميعهم الأخيرة بقاعدة "حميميم" الجوية الروسية بريف اللاذقية تمهيدا لنقلهم للخارج.

إذ إنه يجب أن يحصل هؤلاء على موافقات أمنية من جهاز المخابرات العسكرية التابع لنظام بشار الأسد للسفر إلى خارج سوريا، تأمنها شركات أمنية مختصة بعمليات التجنيد، ولها مكاتب في المحافظات لجذب الشباب.

وخلال خمس سنوات خلت نجحت روسيا في إرسال مرتزقة سوريين، إلى ليبيا وأذربيجان وأرمينيا وفنزويلا، وحاليا الوجهة الجديدة أوكرانيا.

والزج بهؤلاء المرتزقة في عمليات أمنية في الخارج نيابة عن القوات الحكومية الروسية يرقى لـ"جرائم حرب"، واعتبرها الخبير العسكري السوري العقيد السابق أحمد الحمادي في إطار التهرب من المسؤولية القانونية المترتبة على هذه العمليات.

وشرح ذلك لـ"الاستقلال" بقوله إن "روسيا جندت عناصر من السويداء لصالح شركة فاغنر وأرسلتهم إلى ليبيا وفنزويلا، ولهذا موسكو تستفيد من القانون الروسي الذي لا يسمح باستخدام القوات الروسية خارج البلاد".

وأردف: "يسهل استخدام العناصر المجندين من غير الجنسية الروسية أو من خارج ملاك القوات المسلحة الروسية، العملية أمام روسيا بحيث تحقق أغراضها ولا تثير استياء الشعب من قتلى وجرحى ضمن القوات النظامية".

وأضاف الحمادي: "لذلك موسكو تدرب حاليا عناصر في سوريا على قوات الدفاع الجوي ستريلا2 وعلى الصواريخ المحمولة، فضلا عن تدريب طيارين ربما تستعين بهم لقيادة طائرات روسية".

ولروسيا باع طويل في عمليات التجنيد العسكرية من جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق، لكن التجنيد في سوريا الذي بدأ مع التدخل العسكري فيها بنهاية سبتمبر/ أيلول 2015 بدا بشكل منظم وعبر برامج جاهزة مشابهة لعمليات استقطاب المرتزقة من روسيا أو أوكرانيا أو بيلاروسيا.

إدارة اللعبة

لكن الحالة السورية بدت أسلس من غيرها، نظرا لرخص تجنيد العناصر، بسبب الظروف الاقتصادية الصعبة في سوريا، مقابل التكاليف العالية في تلك الدول.

وهذا ما أشار إليه المختص بالحرب الكيميائية السورية الرائد السابق طارق حاج بكري بقوله إن "روسيا أخذت درسا في حربها سواء في أذربيجان أو ليبيا، عبر استخدام عناصر أجنبية في حرب لها مصلحة بها كأوكرانيا، لكون هؤلاء العناصر غير محسوبين عليها بحيث تصبح موسكو خارج اللعبة، بل هي من تديرها وهذا ما تسعى إليه".

وأضاف حاج بكري لـ"الاستقلال" أن "روسيا تجد أرضية خصبة في المناطق التي يحكمها النظام السوري التي تعيش حالة من الفقر المزري الذي يدفع الشباب على التجنيد بهدف الحصول على مبالغ مالية لمساعدة عائلاتهم".

فضلا عن "وجود حالة من الرغبة في الخروج من مناطق النظام، للخلاص من الحالة القمعية السياسية والفقر والخوف من إجبارهم على تغيير مذهبهم من قبل الإيرانيين"، وفق الرائد.

وأوضح أن لعمليات التجنيد انعكاسات على الداخل السوري ضمن معادلة صراع النفوذ مع إيران أيضا.

وهذا ما يرمز إليه الباحث في "المؤسسة السورية للدراسات وأبحاث الرأي العام"، رشيد حوراني، بقوله: إن "روسيا تهدف من وراء تجنيد المرتزقة السوريين لتجفيف الخزان البشري التي تستميله المليشيات الإيرانية لصالح صفوفها التي تعتمد على أساليب الإغراء المادي والإيديولوجي، وما يشجع روسيا على ذلك الموقف الدولي الضاغط على إيران والهادف لتقليص نفوذها في سوريا".

ومضى يقول لـ"الاستقلال": "كما أن المرتزقة السوريين لا يترتب عليهم عند الإصابة أو الموت ما يترتب على الدولة لقاء جنودها النظاميين، وهذا جانب توفره روسيا لصالحها".

ولم يستبعد حوراني أن "تقوم روسيا بتجنيد المرتزقة السوريين من الذين ينتمون لمناطق ليست موالية للنظام السوري، مثل درعا والسويداء ودير الزور وحمص، ولا تقوم بتجنيدهم من المناطق الموالية له، لرغبتها بالتخلص من القوة البشرية الفاعلة والمؤثرة ضد الأسد".

وختم بالقول: "لذلك فإن تجنيدهم خارج البلاد يخلصها منهم، وهو أمر ما كان ليصير لولا الضائقة الاقتصادية التي تعاني منها تلك المناطق، بل لجأ النظام إلى عدم تأهيل البنى التحتية لتلك المناطق للضغط على ساكنيها ومعاقبتهم".