تدعم الأسد وتدافع عن روسيا.. لماذا حافظت التشيك على علاقتها مع النظام السوري منذ بداية الثورة؟

جمهورية التشيك العضو بالاتحاد الأوروبي التي لم تقطع علاقاتها مع النظام السوري عقب قيام الثورة ضده عام 2011، تسعى لتوسيع دائرة علاقاتها الدبلوماسية مع هذا النظام.
وتتبنى جمهورية التشيك (تشيكيا) موقفا مستقلا من الثورة السورية خلافا للعديد من دول الاتحاد الأوروبي، من خلال إبقاء العمل بسفارتها في دمشق على مستوى السفيرة.
وأكد وزير الخارجية التشيكي يان ليبافسكي حرص بلاده على الحفاظ على العلاقات الدبلوماسية مع نظام دمشق، وإبقاء التمثيل الدبلوماسي التشيكي في دمشق.
"قوة الحماية"
وخلال تصريح له في 26 أكتوبر/تشرين الأول 2023 تعليقا على انتهاء مهمة السفيرة التشيكية في دمشق، إيفا فيليبي، قال وزير الخارجية ليبافسكي إن "تشيكيا ستسعى على الدوام لأن يكون لها تمثيل دبلوماسي في دمشق".
ومنح رئيس النظام بشار الأسد السفيرة فيليبي وسام الاستحقاق السوري من الدرجة الممتازة، في 24 أكتوبر "تكريما لجهودها في تنمية وتطوير العلاقات السورية التشيكية".
وقال وزير خارجية النظام السوري فيصل المقداد الذي قلد السفيرة الوسام في حفل وداع بمقر الوزارة بدمشق: "فيليبي قامت بتشجيع حكومتها ومنظماتها الإنسانية على تزويد سوريا بما أمكن من المساعدات، تنفيذا للرؤية الإنسانية في الجمهورية التشيكية".
ورغم أن العلاقات التشيكية السورية الجيدة تعود إلى عقود مضت، إلا أن القوة الدافعة المفترضة وراء قرار إبقاء السفارة كانت فيليبي، وهي دبلوماسية تشيكية ذات خبرة في الشرق الأوسط أصبحت سفيرة لدى دمشق عام 2010.
وسبق أن قال أستاذ العلوم السياسية والخبير في شؤون الشرق الأوسط بجامعة مندل في برنو، ماريك سيجكا، خلال تصريحات صحفية في 9 يونيو/حزيران 2021، إن "فيليبي نفسها تتمتع بعلاقات جيدة مع النظام السوري".
وأضاف سيجكا: "خلال إراقة الدماء بسوريا، دافعت فيليبي عن النظام، كما أصدرت السفارة التشيكية أيضا تأشيرات دخول لمختلف مناصري النظام".
وجمهورية التشيك قبلت في أغسطس/آب 2012، طلبا من الولايات المتحدة لتكون "قوة الحماية" لها في سوريا.
وتعود فكرة "قوة الحماية" في الدبلوماسية الدولية إلى قرون مضت، وكثيرا ما استخدمت الولايات المتحدة سفارات الدول الأخرى لتقديم خدمة غير رسمية للمواطنين الأميركيين في دولة ثالثة.
ويُعتقد أيضا أن هذا الترتيب يسمح لواشنطن بالدخول في اتصالات عبر القنوات الخلفية مع حكومة أجنبية تندد بها رسميا مثل حكومة النظام السوري.
إذ تحتفظ السفارة التشيكية في سوريا بمسؤول واحد، وهو مواطن تشيكي، كرئيس لـ"قسم المصالح الأميركية".
وبحسب الموقع الإلكتروني للسفارة التشيكية في دمشق، فإن ثمانية مسؤولين على الأقل يتمركزون حاليا في العاصمة السورية، بينهم ملحق اقتصادي وسياسي، بالإضافة إلى ملحق عسكري وجوي وملحق دفاع مساعد.
وفي عام 2017، لعبت السفارة التشيكية أيضا دورا رئيسا في تأمين إطلاق سراح مواطن بولندي كان نظام الأسد قد سجنه بتهم غير محددة.
وفي العام التالي، فعلت الشيء نفسه مع اثنين من العاملين - أحدهما مواطن ألماني - في مجموعة إنسانية ألمانية كانا مسجونين أيضا في سوريا.
دعم الأسد
وخلال اجتماع الرئيس التشيكي السابق ميلوس زيمان والرئيس الروسي فلاديمير بوتين في نوفمبر/ تشرين الثاني 2017، قال زيمان لبوتين: "لقد انتصرتم في سوريا".
ومضى يصف الأسد بأنه "الرئيس المنتخب ديمقراطيا".
وشكل التدخل العسكري الروسي في سوريا نهاية سبتمبر/أيلول 2015 الحدث المفصلي الأول في رجحان كفة النظام السوري على المعارضة وانقلاب الموازين كافة لصالح رأس نظام الأسد.
وزيمان، معروف بتعليقاته المعادية للإسلام، ففي ذروة أزمة المهاجرين في أوروبا عام 2015 قال "أنا مقتنع تماما بأننا نواجه غزوا منظما وليس حركة عفوية للاجئين".
وذات مرة قال "إن الشيء المنطقي الذي يجب فعله هو دعم الأسد ضد الإرهابيين".
وعندما تدخلت تركيا في شمال سوريا خلال أكتوبر 2019، كانت جمهورية التشيك من أوائل دول الاتحاد الأوروبي التي حثت على "اتخاذ إجراءات ضد التحركات التركية"، وذكرت أن مثل هذا الإجراء "يتعارض مع القانون الدولي". وبعدها ألغت براغ مبيعات الأسلحة إلى أنقرة.
وأظهرت السنوات الأخيرة قيام التشيك بتقديم الدعم للنظام السوري في مجالات عدة، والقفز على العقوبات الاقتصادية التي فرضت عليه لقمعه الثورة، إضافة لتبني براغ رواية النظام المزعومة بأنه "يحارب الإرهاب" على الأراضي السورية.
ففي عام 2016 جرى إنشاء برنامج ثنائي لمساعدات إنسانية وتنموية، ومازال مستمرا حتى اليوم، إضافة إلى تنفيذ 126 مشروعا، وخاصة في مجالي مياه الشرب والرعاية الصحية.
كما تقوم شركات تشيكية بإنجاز وتنفيذ مشروع في الغوطة الشرقية بريف دمشق التي قام قوات الأسد بتهجير مئات الآلاف من سكانها لتوفير المياه الصالحة للشرب لأكثر من 35 ألف نسمة.
وقد وقعت وزارة الموارد المائية التابعة لحكومة الأسد نهاية يوليو/تموز 2023 مع التشيك بروتوكولا تنسيقيا بين سفارة براغ بدمشق والمؤسسة العامة لمياه الشرب والصرف الصحي بدمشق وريفها، يتضمن تقديم تبرع عيني من براغ بشأن تجهيزات لمحطة تحلية مياه شرب.
وعقب ذلك، زعم مدير شركة "آرك هاوس" التشيكية، ميلان مورافيتس، أن "سوريا تمثل الآن فرصة مناسبة للشركات الأجنبية".
ولفت إلى أن "العديد من الشركات الإيطالية والألمانية بدأت تعود للعمل في هذا البلد".
وفي حديث لمجلة "إكسبورت" التي تصدر عن وكالة التجارة التشيكية ووزارة الصناعة في 20 يوليو/تموز 2023، قال مورافيتس إنه يعمل في سوريا منذ عام 2016 في مجال معالجة المياه، مبينا أنه يجرى العمل على عقود للبدء بمشاريع جديدة.
وزادت الروابط التجارية بين نظام الأسد والتشكيك بفضل مشاركة الأخيرة في دورات معرض دمشق الدولي.
وحصل المتحف الوطني في براغ على ترخيص فريد لإجراء الأبحاث الأثرية في سوريا عام 2019.
وخلال السنوات الأخيرة، كثيرا ما زار مسؤولون رفيعو المستوى سوريا، حيث قال نائب وزير الخارجية التشيكي مارتن تلابا في 11 أكتوبر 2016 إن جمهورية التشيك "ستسعى على المستوى الأوروبي للمساهمة في إيجاد حل سياسي وسلمي سريع للأزمة في سورية مستفيدة من احتفاظ التشيك بسفارتها في دمشق".
وحينها زار تلابا محافظة طرطوس بهدف "إيصال مساعدات إنسانية مقدمة من الشعب التشيكي للمتضررين في سوريا من الاعتداءات الإرهابية"، حسب زعمه.
ومنتصف عام 2020، دخل الاتفاق الموقع بين نظام الأسد والتشيك في مجال الضمان الاجتماعي حيز التنفيذ بعد التوقيع والمصادقة على الاتفاق عام 2010، وهذا دليل على دعم براغ لنظام دمشق العاجز اقتصاديا.
وفي خطوة لافتة، أسس مجلس النواب التشيكي مطلع أغسطس/آب 2022 مجموعة برلمانية جديدة للصداقة مع النظام السوري برئاسة عضو اللجنة الخارجية في المجلس ييرجي كوبزا من حزب الحرية والديمقراطية المباشرة.
وضمت اللجنة حينها سبعة نواب من المجلس أربعة منهم من حزب "الحرية والديمقراطية المباشرة" وثلاثة من نواب حركة "انو" التي تعد الكتلة الأكبر في مجلس النواب الحالي.
وحينما ضرب زلزال مدمر سوريا في فبراير/ شباط 2023، قدمت حكومة التشيك مبلغ 10 ملايين كورون أي ما يعادل 417 ألف يورو من أجل مساعدة نظام الأسد في التعامل مع تداعيات الزلزال.
وخلال السنوات الأخيرة كثير ما أعلنت الحكومة التشيكية أنها ستعمل مع حكومة نظام الأسد ليكون لها دور في عملية إعادة الإعمار بسوريا والتي يرفض الغرب البدء فيها قبل تحقيق الانتقال السياسي الذي يرفض الأسد تطبيقه.
جسر بين الأسد وأوروبا
وكثيرا ما ترسل منظمة الصليب الأحمر التشيكي مساعدات طبية وتجهيزات خاصة بذوي الإعاقة لمنظمة "الهلال الأحمر العربي السوري" وهذه الأخيرة منظمة "قذرة" مارست سياسة الابتزاز في توزيع المساعدات الدولية والأممية التي تتلقاها وحرمت المناطق المحاصرة من قبل قوات الأسد أو الخارجة عن سيطرته من إدخال المواد الغذائية لها.
حتى أن منظمة "الهلال الأحمر العربي السوري" استطاعت عقب عام 2011 توجيه المساعدات الدولية إلى قوات النظام في ثكناتها العسكرية وعلى الجبهات وحتى في دفع الرواتب، من خلال لعبها دورا بارزا كواجهة إنسانية، جالبة للأموال المجانية من الجهات المانحة، وغطاء للاستيراد المشبوه للنظام.
كما أن التشيك استطاعت تأمين بعض الأجهزة الطبية التي لا يمكن تأمينها بسبب العقوبات الاقتصادية الغربية المفروضة على نظام الأسد لقمعه الشعب السوري.
وانتقد سياسيو المعارضة وكتاب الأعمدة في الصحف التشيكية أحيانا الوجود التشيكي في سوريا، مؤكدين أنه لا يضفي الشرعية على نظام الأسد فحسب، بل يدافع علنا أيضا عن المصالح الروسية في الشرق الأوسط.
وأثير المزيد من الجدل محليا عام 2019 حول العلاقة بين التشيك ونظام الأسد، وذلك عندما أفادت وسائل الإعلام المحلية بأن السفارة التشيكية تمنح تأشيرات دخول للسوريين الذين لديهم علاقات وثيقة مع الأشخاص المدرجين على قوائم العقوبات الدولية.
ومن بين هؤلاء جواد رضا، نجل مستشارة الأسد الحالية بثينة شعبان، المدرج على قائمة عقوبات الاتحاد الأوروبي.
وأشار التقرير السنوي لعام 2017 الصادر عن جهاز المخابرات التشيكي (BIS) إلى أن البلاد أصبحت طريقا إلى منطقة شنغن الأوروبية "لبعض الممثلين رفيعي المستوى لنظام الأسد أو أحفادهم".
لكن مع ذلك تشير تقارير صحفية، إلى أن البعثة التشيكية في سوريا تقدم في كثير من الأحيان الخدمات القنصلية لمواطني الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة في سوريا وخدمات الوساطة للجهات الفاعلة الخارجية.
وفي حين أن البعثة التشيكية أثارت انتقادات في براغ لإضفاء الشرعية على نظام الأسد من خلال وجودها المستمر في دمشق، إلا أن هناك حجة متزايدة مفادها أن مهمة التشيك في سوريا توفر مصدرا ثمينا للحماية لمواطني الاتحاد الأوروبي والعاملين في مجال المساعدات الإنسانية الأجانب في سوريا.
حتى أن هناك مواقع صحفية تشيكية تروج لإعادة علاقات الدول مع النظام السوري.
فحينما زار الأسد الصين في سبتمبر 2023، علق موقع "قضيتكم" الإلكتروني التشيكي على ذلك بالقول إن "الإعلان عن قيام شراكة إستراتيجية بين سوريا والصين يعد خطوة مهمة جدا، لأنه سيدعم وبشكل كبير السعي القائم لعودة سورية إلى مكانتها الدولية المميزة في مواجهة المحاولات الغربية للضغط عليها ومعاقبة شعبها".
أما موقع "أوائل الأخبار" الإلكتروني التشيكي رأى أن مشاركة الأسد بالقمة العربية في جدة السعودية خلال مايو/ أيار 2023، واللقاءات التي أجراها "تمثل ضربة كبيرة للمخططات الغربية التي غايتها عزل وخنق سوريا".
وتعبر التشيك الحليف الدبلوماسي لسوريا في قلب أوروبا، ولهذا فإن العلاقات التي تجمع بينهما تعود إلى الحرب الباردة، وهي الفترة التي بدأت فيها تشيكوسلوفاكيا السابقة ودولة عربية فتية في إقامة علاقات تجارية.
وتشيكوسلوفاكيا دولة أعلنت تفككها السلمي في 1 يناير/ كانون الثاني 1993 لتنقسم إلى دولتين هما التشيك وسلوفاكيا.
ومنذ عام 1956، تلقت سوريا أول طلب أسلحة تشيكوسلوفاكية، كما ساعدت الأخيرة سوريا منذ منتصف القرن العشرين في بناء مصفاة نفط ومحطة كهرباء ومصنع سكر في حمص.
وفي سبعينيات القرن العشرين عقب تسلم حافظ الأسد السلطة بسوريا إثر انقلاب عسكري عام 1971، جرى إيفاد كثير من الطلاب السوريين لأكاديمية برنو العسكرية لإكمال تعليمهم العسكري.
















