سجال سياسي واسع في العراق إثر دعوة بطريرك للتطبيع.. ومطالبات بمحاكمته

شدوى الصلاح | منذ ٣ أشهر

12

طباعة

مشاركة

حالة من الجدل شهده العراق إثر خطاب ألقاه بطريرك الكلدان لويس روفائيل ساكو، فهم منه أنه يدعو للتطبيع مع الاحتلال الإسرائيلي؛ إذ أكد رئيس الحكومة محمد شياع السوداني أن هذا الأمر غير وارد، فيما ردَّ بقوة زعيم التيار الشيعي مقتدى الصدر، واستنكرته شخصيات وازنة.

وخلال قداس عيد الميلاد في كنيسة مار يوسف ببغداد في 24 ديسمبر/كانون الأول 2025، وبحضور قادة سياسيين ودينيين، خاطب ساكو رئيس الوزراء قائلا: "دولة الرئيس هناك كلام عن التطبيع، وأتمنى من الحكومة الجديدة أن يكون التطبيع في العراق ومع العراق".

وأضاف ساكو، أن ذلك "لأن العراق بلد الأنبياء، والتلمود قد كتب في بابل". مشيرا إلى أن "العالم يجب أن يأتي إلى العراق وليس إلى مكان آخر".

ومن جانبه، رد رئيس الوزراء العراقي، محمد شياع السوداني، في كلمته بالقداس، إن كلمة التطبيع غير موجودة في قاموس العراق؛ لأنها ارتبطت بكيان محتل استباح الأرض والإنسان.

وأضاف: "لا نحتاج إلى تطبيع، إنما إلى الأخوة والمحبة والتعايش، والالتزام الشرعي والقانوني والدستوري هو الذي يحتّم علينا هذه العلاقة".

وشدد السوداني على أن "كلمة التطبيع غير موجودة في قاموس العراق؛ لأنها ارتبطت بكيان محتل استباح الأرض والإنسان، وهو ما ترفضه كل القيم والأديان السماوية".

وعقب حديث بطريرك الكلدان، دعا زعيم التيار الوطني الشيعي مقتدى الصدر، الجهات الرسمية إلى القيام بواجبها "فوراً". مشددا على أن “كل من يحرض أو يطالب بها كائناً من كان فهو ليس بمنأى عن العقوبة”. وأضاف أن "لا مكان للتطبيع ولا لشرعنته في العراق".

كذلك، أكدت وزيرة الهجرة والمهجرين إيفان فائق جابرو، رفضها القاطع "لأي تصريحات أو مواقف تدعو إلى التطبيع مع الكيان الصهيوني أو تبرّره بأي شكل من الأشكال".

وقالت جابرو، وهي مسيحية: إن "مثل هذه الآراء لا تمثّل موقف الشعب العراقي ولا تعبّر عن إرادته الحقيقية، بجميع أطيافه ومكوّناته الدينية والقومية".

وأضافت في صفحتها على فيسبوك أن "العراق، حكومة وشعبا، كان ولا يزال ثابتا على موقفه الداعم للقضية الفلسطينية العادلة، والرافض لكل أشكال الاحتلال والعدوان، انطلاقا من مبادئه الوطنية والإنسانية، ومن التزامه التاريخي بقضايا الحق والعدالة".

وأشادت الوزيرة بموقف "دولة رئيس مجلس الوزراء الوطني محمد شياع السوداني والثابت في رفض دعوات التطبيع".

قانون تجريم التطبيع

يذكر أن مجلس النواب العراقي، أقر في منتصف العام 2022، مقترح قانون لـ"تجريم التطبيع" مع إسرائيل.

ومقترح هذا القانون طرحته في البرلمان كتلة الصدر وحلفاؤها، بحسب ما أعلنه زعيم الكتلة مقتدى الصدر السبت.

وينص القانون الجديد على عقوبات، بينها السجن المؤبد أو المؤقت، ويهدف وفق مادته الأولى إلى "منع إقامة العلاقات الدبلوماسية أو السياسية أو العسكرية أو الاقتصادية أو الثقافية أو أية علاقات من شكل آخر مع الكيان الصهيوني المحتل".

وتنص المادة 201 من قانون العقوبات العراقي، على أنه يُعاقب بالإعدام كل من روَّج لـ"مبادئ الصهيونية، بما في ذلك الماسونية، أو انتسب إلى أي من مؤسساتها، أو ساعدها ماديا أو أدبيا، أو عمل بأي كيفية كانت لتحقيق أغراضها".

ولا يقيم العراق أي علاقات مع إسرائيل، وترفض الحكومة وأغلبية القوى السياسية التطبيع معها.

ومن أصل 22 دولة عربية، تقيم 6 دول هي مصر والأردن والإمارات والبحرين والمغرب والسودان علاقات معلنة مع إسرائيل.

وغداة السجال السياسي، أصدر إعلام البطريركية الكلدانية، بيانا قالت فيه: "تصريحات غبطة البطريرك ساكو جرى تداولها خارج سياقها الحقيقي؛ إذ أكّد غبطته أنّ الجميع يجب أن يطبّع مع العراق وليس مع أي بلد آخر؛ لأنّ إبراهيم عراقي، ولأنّ العراق بلد الديانات والعديد من الأنبياء".

وأضاف أن البطريرك ساكو أوضح الفكرة نفسها في مقابلته مع قناة الشرقية. مشيرًا إلى أنّ توجّه الدول نحو العراق بوصفه بلد الحضارات وبلد إبراهيم سيسهم في تشجيع السياحة ويُعزّز مكانته الدينية والتاريخية. "ولا علاقة لذلك بأي دعوات للتطبيع مع جهات أخرى خارج هذا الإطار".

وندد ناشطون على منصات التواصل الاجتماعي بما قاله لويس ساكو وعدوه ترويج لمبدأ التطبيع مع الكيان الصهيوني والانضمام إلى الاتفاقية الإبراهيمية، وطرح العراق كنقطة انطلاق لمثل هذا المشروع. مشيدين بالرد الحاسم الصادر عن رئيس وزراء العراق عليه.

وذكروا عبر تغريداتهم وتدويناتهم على منصتي “إكس” و"فيسبوك" ومشاركتهم في وسوم عدة أبرزها  #لويس_ساكو، #قانون_تجريم_التطبيع، #كلا_كلا_للتطبيع، بأن تصريحات بطريرك الكلدان تتعارض صراحة مع قانون نافذ ينص على تجريم التطبيع مع الكيان الصهيوني ويعاقب المروجين له بالإعدام.

وفي المقابل، دافع ناشطون عن ساكو وتبنوا التوضيح الصادر عن إعلام البطريركية الكلدانية بأن ساكو كان يقصد أن يطبع الجميع مع العراق، وهي مبررات لاقت رفضا واسعا وتعالت الأصوات المطالبة بمحاسبة بطريرك الكلدان وفق القانون لتعارض تصريحاته مع الإجماع الشعبي الرافض لأشكال التطبيع كافة.

جريمة وإعدام

وإعرابا عن الغضب والاستياء من دعوة ساكو للتطبيع، تساءل منتظر الزيدي: "شنو التطبيع يبدأ من العراق؟ شنو العراق بلد التطبيع؟"، داعيا بطريرك الكلدان للإفصاح والقول: إنها "زلة لسان وإن التعبير خانه؛ لأن هذه جريمة بها إعدام.

وتوقع الصحفي حسين الصافي، أن تصريحات ساكو لجس نبض الشارع العراقي تجاه التطبيع.

وقالت النائب هيفاء الجابري عضو مجلس النواب العراقي: إن العراق يُجرم التطبيع قانونا وشعبيا، و​لا مكان للمطبعين في أرض العراق!

وأضافت: "​بصوت واحد وموقف لا يتزلزل، نعلن رفضنا لدعوات "التطبيع" التي أطلقها لويس ساكو. إن العراق، بشعبه وقوانينه، خط أحمر أمام أي محاولة للتقارب مع الكيان الغاصب.. ​قانوننا واضح: التطبيع جريمة يعاقب عليها القضاء".

ووصف أحد المغردين، لويس بأنه خائن الإنسانية، قائلا: إنه مدان بتهمة الترويج للتطبيع مع الكيان الإرهابي الصهيوني وعلى القضاء العراقي إجراء اللازم فورا.

وأكد أن الشعب العراقي يغلي، مضيفا: "كلا كلا للتطبيع".

وقدم آخر نسخة من مقطع الفيديو الذي تحدث فيه ساكو عن التطبيع إلى الادعاء العام والقضاء العراقي والإخوة المحامين الشرفاء لملاحقته وفق قانون تجريم التطبيع.

وتساءل محمد الحمداني: “هل الحكومة والدولة العراقية ستثبت نفسها وتقطع الطريق أمام دعوة التطبيع العلنية التي أعلنها وبكل صراحة وجرأة ساكو اليوم من قلب بغداد، وهل سيأخذ القضاء مجراه أمام هذه الجريمة !؟”

زلة لسان

ودفاعا عن ساكو، رأى المستشار السياسي والإعلامي عامر الكبيسي، أنه خانه التعبير، وكان يقصد أن يكون العراق نقطة التقاءٍ للأديان، ومكانًا للزيارة والرمزية بوصفه الأصل التاريخي والأكثر أهمية، إلا أنه استخدم مصطلح «التطبيع»، وهو لفظ ذو دلالة سياسية محددة، يُفهم منه التفاهم مع الكيان، وهو أمر مُجرَّم قانونًا. 

وأضاف: "في تقديري، هو استخدم المصطلح هنا استخدامًا لغويًا بمعنى التواصل مع العراق من باقي الدول والديانات، وليس المعنى السياسي. هذا رأيي، والله أعلم بالنيات".

وقال محمد جبر محيسن: إن كلام ساكو مجتزأ، وكان يقصد في مستهل كلمته (التطبيع مع العراق) ولم يقل مع "إسرائيل"، أي بمعنى السلام وتقريب وجهات النظر بين مكونات المجتمع العراقي المتناحرة بما فيهم اليهود العراقيون المهجرون وباقي المكونات المهمشة ممن يسمونهم "أقليات" وبعضهم حتى الآن نازح ومهجر لم يعد لبيته ومدينته التي ولد وتربى فيها!

وأشار إلى أن هذا الكلام تناوله مسبقا على قناة الشرقية. مضيفا: “الرجل محترم ووطني أكثر من اللي أثاروا الرأي العام ضده!".

وقال علاء يونان: "حسب ما فهمت من كلام الكاردينال ساكو القصد من التطبيع مع العراق وفي العراق وأن العراق بلد النبي إبراهيم، معناه أنه يريد أن يرجع يهود العراق إلى بلدهم الأصلي العراق وأن يتمتعوا بحقهم كأي عراقي يحمل الجنسية العراقية".

ورأى الباحث في الشأن السياسي حيدر صبي، أن ساكو يريد أن يعيش العراقيون ابتداءً بود ووئام وسلام نافضين عن قلوبهم الضغائن وناشدين الوحدة والتعايش السلمي وهنا يتحقق التطبيع الذي أومأ إليه.

وهاجم رئيس الوزراء قائلا: "السوداني المرتجف المتلعثم الذي بلعت ريقه  مفرداته الجافة وهو يندد ويستنكر دعوات التطبيع التي لا أصل لها في الواقع العراقي الحالي، أراد أن يدير الرحى حوله ليطحن بقية المرشحين لرئاسة الوزراء وبتعمية متعمدة على حديث ساكو".

وأشار محمد نعناع إلى أنه فهم من كلمة ساكو أنه لم يكن يقصد التطبيع مع الكيان الصهيوني، بل يقصد أن العالم يجب أن يطبع مع العراق، من باب أن العراق مهد الرسالات والحضارات، أي أن يصبح العراق مركزا يجمع العالم، ويبدأ ذلك من التفاهم بين مكوناته. مؤكدا أنه "كلام من باب المفاخرة والاعتزاز ببلدنا العظيم".

ورأى أن توضيح السوداني جاء كدفاع مسبق عن النفس، حتى لا يُتهم بأنه لم يرد على كلام الكاردينال ساكو، أو من الممكن أن يكون استغلالاً لهذا الموقف.

مبررات مرفوضة

ورفضا للإيضاحات التي أصدرها إعلام البطريركية الكلدانية واستنكارا للدفاع عن ساكو ودعوة لملاحقته قضائيا وحث الحكومة العراقية على ردعه، أوضح الأكاديمي ليث رمضان، أن التطبيع مصطلح سياسي يختص ببناء العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية وغيرها مع "إسرائيل". مشيرا إلى أن تبني الديانة الإبراهيمية وتطبيقها هو بداية للتطبيع.

وقال: "أما التبرير بأن التطبيع مع العراق فهو يناقض الواقع ويضيف شرعية أخرى للكيان بصفته دولة معترف بها"، مؤكدا أن ما يقوله ليس تحليلا بقدر ما هو واقع.

 

وعرض ماهر الفريجي مقطع فيديو لكلمة ساكو. مشيرا إلى أنه تطرق لإبراهيم، وأن التلمود كتب في بابل.

وقال: "المقطع صريح وواضح يدعو فيه ساكو للتطبيع ولا داعي لتبرير تصريحاته التطبيعية، وعليه لابد من تطبيق قانون التطبيع عليه وبشدة لأن ساكو أخطر من غيره في مسألة التطبيع والديانة الإبراهيمية.

وحث الفريجي، على ضرورة الإشادة بالرد من قبل رئيس الوزراء وعدها أفضل شيء فعله السوداني خلال حكمه.

وتوعد أبو تغريد ساكو قائلا: "سنقطع الأيدي التي تريد التطبيع".

وأضاف: "القانون هو الفيصل بيننا وبين البطريرك ساكو ومحمد شياع السوداني وعمار الحكيم فيجب تفعيل دور القضاء وتطبيق قانون تجريم التطبيع فورا وبدون تبريرات ساذجة يريدون بها إطفاء نار الجماهير العراقية الغاضبة".

وقال أحد المغردين: إن قانون تجريم التطبيع يحسم الموقف بشكل واضح: "لا شرعية للتطبيع ولا للترويج له تحت أي عنوان. ثوابت العراق وسيادته فوق كل التقديرات".

وطالب محمد الكناني، من يروج للكيان الصهيوني في عراق المقاومة ليصمت للأبد، مؤكدا أن التطبيع "حرام شرعاً" و"جريمة قانوناً" و"خيانة للدم".

وقال: "ننتظر من الحكومة موقفا حازما لتطبيق قانون تجريم التطبيع بحق لويس ساكو أو غيره ممن يتجاوزون الثوابت الوطنية".

وحثت بتول العلي القضاء العراقي على التحرك فورا ومحاكمة ساكو على تصريحاته، قائلة: "لا مكان للتطبيع في أرض المقدسات".