رهن سداد الديون بضرائب مستقبلية.. السيسي على خطى الخديوي إسماعيل في إفلاس مصر

"الخطر الأكبر يكمن في خلق فجوة جديدة في الموارد ويعيد إنتاج الحاجة إلى الاقتراض"
بينما تكافح مصر لخفض كُلفة ديونها المتراكمة، اتجهت حكومتها إلى أداة مالية غير مسبوقة تفتح بابا جديدا لتمويل الحاضر من إيرادات المستقبل، على غرار ما فعله خديوي مصر "إسماعيل"، في ثمانينيات القرن التاسع عشر، وانتهى بالبلاد لاحتلال بريطاني والثورة العرابية (1879-1882).
فقد قرر رئيس النظام المصري عبد الفتاح السيسي، في 10 أغسطس/آب 2026، إصدار "صكوك ضريبية"، تتيح تحصيل ضرائب مستقبلية وخصمها لاحقا، ضمن آليات توفير أموال لخفض فوائد الديون الضخمة.
وهو ما يطرح سؤالا أكبر من مجرد آلية لخفض فوائد الدين، هل بدأت الدولة المصرية ترهن إيرادات السنوات المقبلة لتخفيف أعباء ديون السنوات الحالية؟.
وتعيد هذه الخطوة إلى الواجهة تجربة الخديوي الذي توسع في الاقتراض لتمويل مشروعاته وسياساته، قبل أن تتحول أزمة الديون إلى مدخل لتزايد الوصاية والتدخل الأجنبي في القرار المصري، فهل هل يعيد التاريخ نفسه؟
وهل تتحول أدوات تمويل "ضرائب المستقبل" إلى أزمة وقيد على إيرادات الدولة مستقبلا ولا تجد أموال لإيراداتها، خاصة إذا لم تنجح في كبح أصل المشكلة، أي تضخم الدين وكلفة خدمته؟
ضرائب مستقبلية
بعدما بلغ بند فوائد الديون المصرية فقط، نحو 2.298 تريليون جنيه، بحسب الموازنة المصرية للسنة المالية 2025/2026، وهو يعادل تقريبا 48 مليار دولار سنويا وفق سعر الصرف المستخدم في تقييمات برنامج صندوق النقد لعام 2026 (47.8 جنيه للدولار).
وبعدما وصلت الديون ذاتها إلى 164.8 مليار دولار، ومطلوب من مصر سداد 62.8 مليار دولار (أقساط وفوائد ديون) خلال 12 شهرا في الفترة الممتدة من أبريل/نيسان 2026 إلى مارس/آذار 2027، وفقا للبنك الدولي، ومن ثم الحاجة إلى سيولة دولار عاجلة لسداد هذه الفوائد وأقساط الديون.
بعد هذه التطورات، قرر السيسي، إصدار "صكوك ضريبية"، بحيث "يتم تمويلها من جانب الممولين وتخصم من التزاماتهم الضريبية المستقبلية على أن يكون العائد عليها بسعر جيد ومناسب وبما يسهم في خفض الاحتياجات التمويلية ومن ثم فاتورة خدمة الدين"، بحسب بيان المتحدث باسم رئاسة الجمهورية.
هذه "الصكوك الضريبية" ستكون من الأدوات التمويلية غير التقليدية التي تسعى الحكومة من خلالها إلى الحصول على جزء من الإيرادات الضريبية مقدما، بدلا من الاعتماد بصورة أكبر على الاقتراض التقليدي من البنوك أو إصدار أذون وسندات الخزانة.
ويقول خبراء اقتصاد إن اللجوء إليها يعني أن مصر وصلت لمرحلة صعبة اقتصاديا، ووقت تواجه فيه الموازنة احتياجات تمويلية مرتفعة وأعباء متزايدة لخدمة الدين.
وكشفت نشرة "إنتربرايز" الاقتصادية، في 13 أغسطس 2026، أن وزارة المالية ستُصدر أربع فئات للصكوك السيادية المدعومة بالحصيلة الضريبية في أربع فئات اسمية هي: 10 آلاف جنيه، و100 ألف جنيه، ومليون جنيه، و10 ملايين جنيه، وفق بيانات رسمية.
وستحدد الوزارة الحد الأقصى للقيمة الإجمالية للصكوك المصدرة، رغم أن البيانات لم تحوِ أي تفاصيل حول حجم هذا الحد.
وحسب البيان الرسمي عن صكوك الضرائب، فإن الصكوك الضريبية الجديدة ستمول من جانب ممولي الضرائب، على أن تخصم قيمتها من التزاماتهم الضريبية المستقبلية، والعائد على هذه الصكوك سيكون "جيد ومناسب".
وسيحصل الممولون على عائد معفى من الضرائب، مع إمكانية استخدام هذه الصكوك لتسوية التزاماتهم الضريبية بعد مرور عام واحد من تاريخ الاكتتاب.
وسيكون الاكتتاب متاحا للأفراد والشركات الخاصة وشركات القطاع العام، بينما لن تكون هذه الأدوات قابلة للتداول أو الانتقال.
أي أن الصكوك هي أدوات دين تستحق على الدولة، ويتم تمويلها عن طريق الضرائب التي يتم سداد قيمتها بالخصم من الضرائب التي ستستحق على المشترين لها في المستقبل، مقابل عائد (فائدة) يحصلون عليه نظير حمل هذه الصكوك.
وبمعنى أبسط، يدفع الممول قيمة الصك مقدما، وفي نهاية المدة يستخدم إجمالي قيمة الصك، مضافا إليها العائد، في سداد الضرائب المستحقة عليه.
وبهذه الآلية، تحصل الحكومة على جزء من الأموال التي ستؤول إليها لاحقا في صورة ضرائب مقدما، بدلا من انتظار موعد استحقاق الضرائب، بينما يستفيد الممول من العائد المقرر على الصك، والذي يُستخدم في النهاية لتسوية التزاماته الضريبية.
وبالتالي، تتحول الضريبة في هذه الحالة من مجرد التزام مالي مستقبلي إلى أداة تتيح للدولة الحصول على تمويل مقدم، مقابل منح الممول عائدا يمكن استخدامه في خفض قيمة الضرائب المستحقة عليه.
عقب إعلان هذه الصكوك الضريبية، انقسم النقاش سريعا بين مؤيد يرى فيها ابتكارا ماليا قادرا على تخفيف أزمة الدين، وأنها لا تعد تمويلاً لعجز الموازنة أو سدادا للديون، لكنها أداة مالية تمويلية مبتكرة، بحسب صحيفة “المصري اليوم” في 12 أغسطس 2026.
ومعارض، عدها شكلا جديدا من أشكال ترحيل لمشكلة الديون، وأداة لبيع إيرادات المستقبل سيجعل الحكومات اللاحقة بلا إيرادات لأن الضرائب (التي سيتم دفعها مسبقا) تساهم في 80 بالمئة من إيرادات الدولة.
وحذر هؤلاء الخبراء من هذا التوجه الحكومي الجديد، مؤكدين أنه بمثابة "ترحيل للمشكلة"، وأن هذه الصكوك قد تؤثر سلبا على التصنيف الائتماني للاقتصاد المصري.
وأنه سيترتب عليها انخفاض الإيرادات في العام التالي، ويحمل إشارات سلبية للمؤسسات الدولية، والمستثمرين، والممولين، وتزيد المديونية من خلال العائد الممنوح للممولين.

سياسة الخديوي
أعاد التضخم الكبير للديون الخارجية لمصر، والتي وصلت قيمتها إلى نحو 165 مليار دولار، بحسب بيانات البنك المركزي، إلى الأذهان عهد الخديوي إسماعيل الذي أغرق مصر قبل نحو 155 عاما في الديون.
ثم تم عزله من الحكم ووضعت مصر تحت الرقابة الأوروبية، قبل أن تحتلها بريطانيا عام 1882، ولمدة 74 عاما.
فقبل أكثر من قرن ونصف، عرفت مصر نظاما مختلفا يقوم على فكرة قريبة من الصكوك الضريبية التي طرحها السيسي، وهي دفع مبلغ مقدما مقابل الحصول على ميزة ضريبية مستقبلية.
وفور إعلان قرار السيسي قارنه خبراء اقتصاد وسياسيين بما فعله الخديوي إسماعيل الذي حكم مصر نحو 16 عاماً، في الفترة من 18 يناير/ كانون الثاني 1863 حتى عزله في 26 يونيو 1879، وفرض نظام "المقابلة" عام 1871، على ملاك الأراضي.
وهو دفع ستة أمثال الضريبة مقدما مقابل إعفاء دائم من الضرائب، ثم ألغي القانون وأعاد جمع الضرائب، بعدما فشلت خطته لتخفيف الديون، وفي نهاية الأمر أسهمت الخطة في استدانة مصر ومطالبة البنوك الأجنبية بأموالها ما مهد لاحتلال مصر وثورة عرابي.
وقد استطاع الخديوي جمع مبالغ ضخمة من الأهالي عبر هذا القانون، بلغت ملايين الجنيهات، لكن الأزمة المالية لم تُحل بسبب فوائد القروض الأجنبية الفاحشة.
وفي عهد الخديوي توفيق عام 1880، تم إلغاء قانون المقابلة تحت ضغط اللجنة المالية الأوروبية ورجال الديون الأجانب للسيطرة على إيرادات مصر، مما حرم الملاك من الإعفاءات المقررة وأثار غضبا شعبيا واسعا ساهم لاحقا في اندلاع الثورة العرابية.
وبدأت قصة هذا القانون في أغسطس 1871، حين صدرت لائحة "قانون المقابلة" في عهد الخديوي إسماعيل، وكانت بمثابة قرض وطني من ملاك الأراضي الزراعية للدولة، وحُددت قيمتها بستة أمثال الضريبة السنوية المفروضة على الأرض، أي ما يعادل دفع ضرائب ست سنوات مقدما.
في المقابل، تعهدت الحكومة لمن يدفع المقابلة بإعفائه من نصف الضريبة المفروضة على أرضه إلى الأبد، مع عدم زيادة الضريبة عليها مستقبلا.
وكان من يدفع المقابلة يحصل على حجة تثبت سدادها، وتمنحه حقوقا تتعلق بالأرض، من بينها الهبة والتوارث والتنازل والوصية، إلى جانب إمكانية وقف الأرض لأغراض خيرية أو أهلية بعد الحصول على إذن الخديوي.
وكان دفع المقابلة اختياريا في البداية، قبل أن يتغير الوضع لاحقا ويصبح إلزاميا.
ولم يستمر العمل بقانون المقابلة بصورة مستقرة، إذ أُوقف العمل به في مايو/ أيار 1876، ثم أُعيد في نوفمبر/ تشرين الثاني من العام نفسه، قبل أن يُلغى مرة أخرى بقرار صدر في يناير 1880.
وحين تسلم الخديوي إسماعيل الحكم كانت ديون مصر 11 مليون وستون ألف جنيه إسترليني، وخلال الثمانية عشر عاما التي حكم البلاد فيها، ارتفعت إلى 127 مليون جنيه إسترليني.
وكان الخديوي كلما أراد المال يستدين بفوائد باهظة؛ حيث كانت الفائدة الاسمية للقروض تتراوح بين 6 و7 بالمئة، ولكن فائدتها الحقيقية تصل إلى 12 و18 و26 و27 بالمئة.
واضطرت الحكومة المصرية وقتها إلى أداء أقساط الديون المتراكمة وفوائدها بأي وسيلة، حتى إنها استدانت بوساطة السندات على الخزانة بفوائد هائلة، حتى أصبحت فوائد الديون تمثل 70 بالمئة من الموارد العامة للدولة.
وفي أواخر عهد الخديوي كانت معظم إيرادات البلاد تحوَل إلى صندوق الدين لسداد المرابين، وفوائد أسهم شركة السويس للحكومة البريطانية، ودفع الجزية السنوية للحكومة العثمانية، ولم يعد بين يدي الحكومة للصرف على إدارة البلاد أكثر من مليون جنيه، من مجموع قدره نحو 9 ملايين ونصف المليون جنيه.
واتصفت فترة حكم الخديوي إسماعيل بالإسراف وإهدار المال العام على الحفلات وتشييد القصور وتجميلها، وقد بنى نحو 30 قصرا فخما، منها سراي عابدین التي جعلها مقرا للحكم وحلت محل سراي القلعة التي بناها محمد على باشا، وسراي الجزيرة، وسراي بولاق الدكرور، وقصر القبة، وقصر حلوان، وسراي الإسماعيلية، وسراي الزعفران.

على خطى الخديوي
ويتشابه عهد السيسي مع الخديوي في بناء القصور؛ إذ واجه انتقادات عام 2019 لإنشاء قصور رئاسية جديدة، في العاصمة الإدارية والعلمين وغيرها، وقد رد السيسي، متحديا من ينتقده: "أه .. أنا عامل قصور رئاسية وهعمل، أنا ببني دولة جديدة".
وقد سخر الحقوقي ناصر أمين من قرار السيسي بشأن "الصكوك الضريبية" لسداد فوائد الديون، وقال: إن هذا هو ما حدث في عصر الخديوي إسماعيل وبالتحديد عام 1871، وسُمي "قانون المقابلة".
فحين غرقت مصر في الديون نتيجة الاستدانة من البنوك الأجنبية للصرف على مشروعات الخديوي التي كانت تتسم بالبذخ، وأمام عجزه عن سداد الديون للبنوك الاجنبية، استحدث آلية تسمح له بتحصيل 6 أمثال الضرائب مستقبلا على أن يحصل الممول على إعفاء دائم بنسبة تعادل 50 بالمئة من قيمة الضريبة السنوية مستقبلا، وصدرت تلك الآلية في قانون يسمى (قانون المقابلة).
وبعد تطبيق هذا القانون عدة سنوات أُلغي عام 1880، بعد أن صادرت الحكومة الأموال التي كانت قد جمعتها مسبقا من الممولين، وألغت الإعفاء الذي كان مقرر لهم.
وقد خلف هذا القانون كوارث عديدة، منها خزينة الدولة من قيمة الضرائب السنوية التي كانت تحصلها من الممولين في السنوات التالية لتطبيقه للصرف على الخدمات العامة للمواطنين.
كما شكل القانون عبء كبيرا على الفلاحين والفقراء الذين اضطروا للاستدانة لدفع الضرائب مستقبلا.
وحتى حين تم إلغاؤه، تسبب ذلك في إنشاء ما سُمى "صندوق الدين العام" عام 1887، والذي أشرفت عليه الدول الأجنبية الدائنة، وكان المقدمة الأولى للاحتلال الإنجليزي لمصر.
وأشار "أمين" إلى أن تطبيق هذا القانون كان يعد أحد أهم الأسباب التي أدت لاندلاع الثورة العرابية، بعد أن اتسعت مساحة التدخلات من الدول الدائنة في إدارة شؤون الحكم في البلاد من أجل سداد الديون التي أسرف الخديوي في اقتراضها.
وتابع: "أرى أن نظام الحكم الحالي مازال يسير بسرعة رهيبة نحو الخلف، فقد عدنا الآن الى واقع وحلول عام 1871".
قانون المقابلة
فى عصر الخديوى اسماعيل وبالتحديد فى عام 1871،غرقت مصر فى الديون نتيجة الاستدانة من البنوك الاجنبية للصرف على مشروعات الخديوى التى كانت تتسم بالبذخ ، وامام عجز الخديوى عن سداد الديون للبنوك الاجنبية ، استحدث الية تسمح له بتحصيل 6 امثال الضرائب مستقبلا على ان يحصل… pic.twitter.com/YxpWg2yKhB— Nasser Amin (@NasserAmi) August 10, 2026
وقال نشطاء: إن فكرة الصكوك، تُذكرهم بالفيلم الكوميدي "إسماعيل يس في مستشفى المجانين"، حيث كان المعلم أبو طعمة يأكل فطائر يوميا من عند حسونة (إسماعيل ياسين) "شكك" ويستلف منه أيضا ويقوله "سجل على النوتة واخصمهم من مهر ابنته "طعمة"، وهي نفس فكرة دفع المواطن ضرائب مستقبلية مقابل صكوك.
الخبر ده فكرني بفيلم إسماعيل يس في مستشفى المجانين
كان المعلم أبو طعمة ياكل فطير عند حسونة "شكك" ويستلف منه كمان ويقوله سجل ع النوته ابقى اخصمه من مهر "طعمة"
مش إنت برضه حتدفع مهر ياحسونة
ياعزيزي المواطن
مش إنت برضه حتدفع ضرايب
هاتها وخد صكوك
بيعجبني قوي التفكير بره الصندوق pic.twitter.com/F4aVNYfEgF— AHMAD LOTFI (@AHMADLO13219562) August 10, 2026
وحذر "حزب الدستور" المصري من نتائج إصدار صكوك ضريبية يمولها دافعو الضرائب، مشددا على أن أزمة الدين العام في مصر لا يمكن التعامل معها بمجرد ابتكار أدوات جديدة لإعادة تدوير الالتزامات.
ورأى أن الخطر الأكبر يكمن في تحويل جزء من الإيرادات الضريبية المستقبلية إلى مورد تمويلي حاضر ما قد يخلق فجوة جديدة في الموارد ويعيد إنتاج الحاجة إلى الاقتراض.
وهو ما يعني أن تدخل مصر في دائرة مفرغة تبدأ بسداد الديون الحالية عبر الصكوك الضريبية، ثم تؤدي إلى تراجع جزء من الإيرادات الضريبية المستقبلية، بما يفاقم العجز ويعيد إنتاج الحاجة إلى الاقتراض من جديد.
وفي 15 يونيو/ حزيران 2023، قال تقرير لمجلة "إيكونوميست" البريطانية: إن المصريين يعيشون حالة من السخط حيال السيسي بسبب الأوضاع الاقتصادية السيئة التي تمر بها البلاد، وتحدثت عن مخاوف من إفلاس البلاد كما جرى في عهد الخديوي إسماعيل.
وقارن التقرير القرارات التي يتخذها السيسي بتلك التي اتخذها الخديوي إسماعيل في مطلع القرن 19، والتي تسببت في "توريط وإفلاس مصر"، وجعلتها فريسة لاحتلال الدول الأجنبية بسبب الديون.

85 بالمئة “ضرائب”
ويُحذر نشطاء مصريون من أن موافقة السيسي على إصدار صكوك يمولها دافعو الضرائب وتخصم من مستحقاتهم الضريبية المستقبلية، تُشكل خطرا على الدولة المصرية لأن الضرائب هي أكبر مصدر إيرادات للدولة المصرية بنسبة 85 بالمئة.
ويشيرون إلى أن الديون وفوائدها تلتهم حوالي 2.3 تريليون جنيه، أي 74 بالمئة من كل إيرادات الدولة، ما يعني عدم وجود أموال للصرف منها مستقبلا؛ لأن الحكومة استلفت بالفعل من المستقبل بهذه الضرائب التي حصلتها في الماضي.
وبحسب وزارة المالية المصرية، تبلغ نسبة الضرائب إلى الإيرادات في مصر نحو 85 بالمئة في موازنة 2025/2026 وفي الموازنة الجديدة 2026/2027، تبلغ الضرائب 3.529 تريليون جنيه من إجمالي إيرادات قدره 4.056 تريليونات، أي نحو 87 بالمئة.
وتكشف أرقام الموازنة المصرية مدى اعتماد الخزانة العامة على الضرائب كمصدر رئيس للتمويل، ما يثير مخاوف من أين ستنفق الحكومة مستقبلا بعدما قامت بتحصيل أموال الضرائب لعدة سنوات مستقبلا؟!
ففي موازنة العام المالي 2025/2026، قدرت وزارة المالية إجمالي الإيرادات بنحو 3.12 تريليون جنيه، منها 2.655 تريليون جنيه إيرادات ضريبية، أي ما يعادل نحو 85 بالمئة من إجمالي الإيرادات، وبذلك أصبحت الضرائب عمليا المصدر الأساسي للموارد التي تعتمد عليها الدولة في تمويل نفقاتها.
وتزداد حدة هذا الاعتماد في موازنة 2026/2027؛ إذ ارتفعت تقديرات الإيرادات الضريبية إلى نحو 3.529 تريليون جنيه من إجمالي إيرادات قدره 4.056 تريليون جنيه، بما يعادل قرابة 87 بالمئة من الإيرادات.
وهذا يعني أن أي آلية تستبق جزءا من الحصيلة الضريبية المستقبلية تمس أحد أهم مصادر التمويل المباشر للخزانة.
وحتى هذه الإيرادات تأكلها الفوائد وأقساط الديون؛ حيث تلتهم خدمة الدين مساحة ضخمة من الموازنة.
فقد قدرت موازنة 2025/2026 مدفوعات الفوائد بنحو 2.298 تريليون جنيه، مقابل إجمالي إيرادات يبلغ 3.120 تريليون جنيه، أي ما يعادل نحو 74 بالمئة من إيرادات الموازنة.
وهذا هو الرقم الذي يجعل الحديث عن استخدام الإيرادات المستقبلية، ومنها الضرائب، لتمويل احتياجات الحاضر مثار قلق بالغ.
ومن هنا تأتي حساسية فكرة الصكوك الضريبية، فإذا كانت الآلية تقوم على الحصول اليوم على تمويل مقابل حصيلة ضريبية ستدخل الخزانة في المستقبل، فإن الدولة لا تضيف موردا جديدا بالمعنى الاقتصادي، وإنما تحول جزءا من إيراداتها المستقبلية إلى سيولة حالية.
ويمكن أن يخفف ذلك ضغوط التمويل الآنية أو تكلفة بعض أدوات الدين، لكنه في المقابل يقلل هامش الحركة أمام الموازنات المقبلة.
وكلما توسع استخدام هذه الآلية (حصول الحكومة على المال اليوم مقابل حقها في إيرادات ضريبية ستتحصل عليها غدا)، أصبح جزء أكبر من الحصيلة المستقبلية مرتبطا بالتزامات سابقة.
وهو ما يثير سؤالا جوهريا: إذا كانت إيرادات الضرائب نفسها قد أصبحت مصدرا لتمويل الحاضر، فما المساحة المتبقية أمام الحكومة لتمويل نفقات المستقبل؟
لهذا تسعى الحكومة لزيادة الإيرادات الضريبية وتوسيع القاعدة الضريبية من خلال مكافحة التهرب وضم الاقتصاد غير الرسمي، وهو ما أعلنته وزارة المالية ضمن أهداف موازنة 2026/2027.
سبب المشكلة
بسبب الاستدانة باستمرار للقيام بمشاريع باهظة التكلفة، قليلة الفائدة للشعب المصري، الذي يئن تحت وطأة ارتفاع الأسعار وتصاعد نسب الفقر إلى 34 بالمئة وفق تقديرات رسمية، أصبحت مصر مُطالبة بسداد مبالغ مالية ضخمة سنويا تشمل أقساط وفوائد الديون.
ودفعت القروض الحكومية واقتراض البنوك، الدين الخارجي لمصر للارتفاع بنحو 865 مليون دولار خلال الربع الأول من العام الحالي ليصل إلى 164.7 مليار دولار، بحسب أرقام البنك المركزي المصري.
وقد كشفت أحدث بيانات البنك الدولي، 12 أغسطس 2026، أن مصر يتعين عليها سداد 62.8 مليار دولار قروضا خارجية خلال 12 شهرا تبدأ من أبريل 2026 وحتى مارس 2027.
ووفقا للبيانات تشمل هذه المبالغ 7 مليارات دولار فوائد، و55.8 مليار دولار أقساط قروض، فيما تشمل أقساط القروض 21.1 مليار دولار ودائع وعملات معظمها من دول الخليج التي تعهدت بتجديدها وتحويل معظمها لاستثمارات.
ويتضمن الجدول الزمني للسداد، 24.39 مليار دولار في الربع الثاني من 2026 تشمل 7.1 مليارات دولار ودائع وعملات لدى البنك المركزي، وفي الربع الثالث من العام الحالي من المقرر سداد 13.94 مليار دولار تشمل 4.5 مليار دولار ودائع وعملات لدى البنك المركزي.
كما سيتم سداد 13.7 مليار دولار في الربع الرابع من 2026 تشمل 5.45 مليارات دولار ودائع وعملات لدى البنك المركزي، وفي الربع الأول من 2027 من المقرر سداد 10.8 مليار دولار تشمل 4.14 مليارات دولار ودائع وعملات لدى البنك المركزي.
ووفقا للأرقام الرسمية، يقدر ما تدفعه مصر سنويا من أصل الدين نحو 2.085 تريليون جنيه، أي أن خدمة الدين (فوائد+أقساط أصل الدين) في الموازنة تصل لنحو 4.38 تريليون جنيه (نحو 58.7 مليار دولار)، ما يعني أن إجمالي خدمة الدين عام 2026/2027 (فوائد + أصل الدين) نحو 109.3 مليار دولار سنويا.لل
المصادر
- الحكومة تتأهب لطرح صكوك ضريبية لامتصاص سيولة الشركات
- ديون مصر بين “السيسي” و”الخديوي إسماعيل”… هل يعيد التاريخ نفسه؟
- ترحيل لمشكلة أم أداة تمويلية مبتكرة؟.. «الصكوك الضريبية» تشعل الجدل
- انتقادات لمقترح الصكوك الضريبية في مصر… هل عاد قانون الخديوي إسماعيل وسياسات المماليك؟
- البنك الدولي: 62.8 مليار دولار قروضاً خارجية مستحقة على مصر خلال 12 شهراً
- Egyptians are disgruntled with President Abdel-Fattah al-Sisi


















