من دون رصاصة واحدة.. كيف يستفيد الحوثي من صراعات خصومه في حضرموت؟

تمثل محافظة حضرموت إحدى أهم ساحات النزاع في اليمن
تمثل حضرموت، بحكم موقعها الجغرافي وثقلها الاقتصادي (النفط، الموانئ، خطوط الإمداد)، إحدى أهم ساحات النزاع في اليمن.
ومع تصاعد التوترات الأخيرة المرتبطة بتمدّد المجلس الانتقالي الجنوبي، واحتدام الخلافات داخل المعسكر المناهض للحوثيين، يبرز سؤال مركزي: من المستفيد الحقيقي من اضطرابات حضرموت؟
تشير المعطيات إلى أن جماعة الحوثي، رغم غيابها العسكري المباشر عن المشهد الحضرمي، تُعدّ الرابح الإستراتيجي الأكبر من هذه التطورات. فبينما تنشغل القوى المحلية والإقليمية بصراع النفوذ في حضرموت، تتقدّم جماعة الحوثي خطوة إلى الأمام دون أن تطلق رصاصة واحدة.
فالتوترات المتصاعدة في أكبر محافظات اليمن لا تمثل حدثا معزولا، بل حلقة جديدة في مسلسل تفكيك المعسكر المناهض للحوثيين، وهي النتيجة التي طالما سعت إليها الجماعة واستثمرت فيها سياسيا وعسكريا.

تعزيز السردية الوطنية
من أبرز أوجه استفادة الحوثيين من أحداث حضرموت هو "الاستثمار الدعائي والإعلامي". فقد وظّفت وسائل إعلام الجماعة، الاضطرابات الحالية لتثبيت صورة سياسية محدّدة، تقوم على أن الجماعة هي الطرف الوحيد الذي يقف في مواجهة مشاريع التقسيم الخارجية، فيما تُقدّم بقية القوى اليمنية- بما فيها الحكومة الشرعية والمجلس الانتقالي الجنوبي- بوصفها "أدوات محلية" ضمن صراعات نفوذ خارجية.
وذهبت قناة المسيرة الحوثية إلى القول بأن ما يجري في حضرموت يكشف بوضوح أن القضية صراع بين دولتَين محتلّتين تتنافسان على حصة النفوذ والمصالح. وما يجرى هناك-بحسب القناة- هو أبعد من كونه "معركة تحرير"، وأعمقَ من ادعاءات محاربة أنصار الله التي تُرفَعُ كشماعة لتبرير كُـلّ تحَرّك عسكري.
من جهته، قال ناطق جماعة الحوثي محمد عبدالسلام: إن ما يشهده الجنوب يمثل، بحسب وصفه، مشروعًا خطيرًا يستهدف المنطقة ككل، ويتجاوز الإطار المحلي. مشيرًا إلى أن هذا المسار -على حد تعبيره- يؤدي إلى تعميق الانقسام وتمزيق النسيج الوطني، ولا يخدم استقرار اليمن أو محيطه الإقليمي.
ويسعى الحوثيون عبر هذا الخطاب الإعلامي لتعزيز تماسك جبهتهم الداخلية، وإضفاء صبغة شرعية سياسية داخل مناطق سيطرتهم، رغم طبيعة حكمهم الأحادي.
ويعيد الخطاب الحوثي، عبر هذا الأسلوب، رسم مشهد سياسي يُظهر الحوثيين كحامل حصري لفكرة الدولة اليمنية الموحدة. في الوقت نفسه، يعتمد الخطاب الحوثي على تصوير الصراع في حضرموت كإرادة خارجية (سعودية-إماراتية) بحتة، مسقطا أي تعقيدات أو مطالب محلية، ليظهر بمظهر "الرد الوطني" على التهديد الخارجي.
وتشير القراءة المحايدة إلى أن هذه الإستراتيجية الإعلامية قد تُحدث تأثيرًا واسعًا على الرأي العام، خاصة في المناطق التي يسيطر عليها الحوثيون، حيث يتم تقديم الجماعة بوصفها "الطرف الوطني الوحيد" القادر على منع تقسيم البلاد، في حين يُنظر إلى بقية القوى اليمنية كأطراف صامتة أو غير فاعلة في مواجهة ما يجرى.

الانكشاف الإستراتيجي للخصوم
تستفيد جماعة الحوثي من أحداث حضرموت بوصفها عاملًا مسرِّعًا لانقسام المعسكر المناهض لها. فالصراع بين المجلس الانتقالي الجنوبي، والحكومة المعترف بها دوليًا، وحلف قبائل حضرموت، لا يُنتج فقط توترًا محليًا، بل يفضي إلى استنزاف متبادل للقدرات العسكرية والسياسية داخل المعسكر نفسه.
وتمثل أحداث حضرموت "فرصة ذهبية" للحوثيين على الصعيد العسكري نظرا للعوامل التالية:
1- تشتيت قدرات الخصوم: يراقب الحوثيون استنزاف قدرات القوات المناهضة لهم (العمالقة، درع الوطن، النخبة) في صراعات صفرية شرقا، مما يؤدي إلى انكشاف إستراتيجي في جبهات المواجهة الرئيسة.
هذا الانشغال الداخلي يمنح الحوثيين فرصة نادرة لإعادة ترتيب صفوفهم، وتعزيز مواقعهم في الجبهات الحساسة، خصوصا مأرب وتعز، دون ضغط عسكري حقيقي.
ويرى محللون سياسيون أن الحوثي يستفيد من أي توتر داخل معسكر الشرعية، ويعمل على تغذية الانقسامات عبر تضخيم الخطاب الإعلامي والدفع بتحركات سرية لخلق مخاوف بين الأطراف المحلية، في محاولة لإرباك الجبهة المناهضة له ومضاعفة الضغط عليها.
2- إضعاف خطوط الدفاع الخلفية: إن تفكك المنطقة العسكرية الأولى (سيئون) أو انشغالها بالصراع في حضرموت يضعف خط الدفاع الخلفي لمحافظة مأرب، مما قد يسهل للحوثيين شن هجوم كاسح لفرض واقع عسكري جديد مستخدمين خطاب "حماية السيادة الوطنية" غطاءً لتحركاتهم العسكرية.
وقد دفعت الجماعة الحوثية خلال الأيام الماضية، بتعزيزات عسكرية جديدة من صنعاء وذمار نحو خطوط التماس في محافظتي الضالع وتعز في خطوة أثارت توجسا من جولة قتال جديدة.
فيما اتهم طارق صالح الحوثيين بأنهم "يحشدون مجاميعهم في مختلف الجبهات، لا سيما في الساحل الغربي وتعز، ما يفرض على جميع القوات في هذا المسرح الحربي تكثيف جهودها وتنسيقها ومواجهة هذا التهديد المشترك".
3- استغلال الفراغ الأمني: يرى محللون أن أي فراغ أمني ناتج عن الصراع بين الانتقالي وحلف قبائل حضرموت يمنح الحوثيين ثغرات للتسلل أو بناء تحالفات مع قبائل ناقمة، بهدف الوصول إلى المناطق النفطية والموانئ الحيوية وأن الجماعة المدعومة من إيران، تسعى إلى فرض واقع عسكري ميداني أكثر ضغطا، يضمن لها أوراق قوة إضافية في أي مفاوضات مقبلة.
4- تمتين علاقتهم السرية بالإمارات: العداء الإماراتي-السعودي الذي أحدثه الصراع حول حضرموت من المرجح أن يدفع بالإمارات لتوثيق علاقتها السرية بالحوثيين ومدهم سرا بالسلاح والمال للإضرار بالمصالح السعودية وربما إغراؤهم بضربها في العمق السعودي.
بالإضافة إلى دفعهم لطرح شروط جديدة لعرقلة خارطة السلام السعودية. كذلك من المتوقع أن توعز الإمارات لحليفها الانتقالي بتنسيق جهوده وتكثيف تعاونه سرا مع الحوثيين لتسهيل عمليات تهريب السلاح إليهم، وقد يصل بهم الأمر إلى التخلي عن بعض المواقع في خطوط التماس للجماعة نكاية بالشرعية وحليفها السعودي.

فرض شروط التفاوض
تزامن التصعيد في حضرموت مع حالة جمود في مسار "خارطة الطريق" الأممية، واستمرار الصراع الداخلي داخل المناطق المحررة يمنح الحوثيين فرصة لتعطيل أي تقدم سياسي، مع تحميل خصومهم مسؤولية الفشل.
فكلما بدا المعسكر المناهض للحوثي منقسما وعاجزا عن إدارة مناطقه، ازدادت قدرة الجماعة على التفاوض من موقع القوة، أو فرض معادلة "إما القبول بشروطنا أو استمرار الفوضى".
وتسهم الانقسامات في حضرموت في تقوية موقف الحوثيين التفاوضي من حيث تجميد وقف إطلاق النار؛ لأن النزاعات في حضرموت تضعف فرص تثبيت وقف إطلاق النار المتعثر، ما يبقي مسار السلام مجمدا ويمنح الحوثيين الوقت لتعزيز قدراتهم العسكرية.
كما أن استمرار الاقتتال داخل المعسكر المناهض للحوثيين سيُبقي محادثات وقف إطلاق النار مجمّدة، ويقوض مسار السلام الأوسع، ويجعل الحوثيين في وضع أفضل لاستغلال هذه الانقسامات، مستفيدين من قدراتهم العسكرية المتنامية، والدعم الإيراني المستمر، وحملات التعبئة الواسعة التي عززوها خلال العامين الماضيين، بما قد يمنحهم فرصة لاستئناف هجماتهم.
وبدلا من أن تكون حضرموت رافعة اقتصادية للدولة، تحوّلت ثروتها النفطية إلى ورقة صراع، حيث يدرك الحوثيون جيدًا أن أي محاولة لتصدير النفط دون توافق وطني ستبقى عرضة للابتزاز أو الاستهداف.
وبالتالي تظل تهديدات الحوثيين باستهداف منشآت تصدير النفط قائمة، مما يجعل سيطرة أي طرف آخر على الحقول ورقة سياسية للتفاوض مع الرياض أكثر منها مكسبا اقتصاديا؛ حيث يشترط الحوثيون الحصول على حصة من العائدات.
وتؤكد أحداث ميناء الضبة (غربي مدينة الشحر بحضرموت) الذي استهدفه الحوثيون وعطلوه في 2022 أن الحوثيين يحتفظون بخيار استهداف تصدير النفط كورقة ضغط ثابتة.
ومع سيطرة قوى محلية متنازعة على حقول حضرموت، تتحول هذه الموارد من رافعة اقتصادية إلى عبء سياسي وأمني، ما يخدم الحوثيين عبر تعطيل استفادة خصومهم من الثروة الوطنية.
وحسب مراقبين، تُعدّ جماعة الحوثي في أحداث حضرموت "رابحا إستراتيجيا"؛ فهي تستثمر حالة "الرمال المتحركة" التي يقف عليها خصومها لإعادة رسم خريطة النفوذ لصالحها.
وبينما تستعد الجماعة فعليا لجولات قتالية جديدة عبر دفع تعزيزات نحو تعز والضالع ومارب، فإنها تستغل "ارتباك الجبهة المناهضة" لتمرير مشروعها السياسي تحت لافتة حماية الوحدة والسيادة.
ووفق محللين وخبراء، فإن ما يجرى في حضرموت ليس مجرد صراع محلي، بل هدية إستراتيجية لجماعة الحوثي، فكل يوم يمرّ في ظل الانقسام والفوضى، يقترب الحوثي أكثر من تثبيت نفسه كقوة الأمر الواقع الأولى في اليمن.
وإذا استمرّت القوى المناهضة له ـ وفق خبراء ـ في استهلاك طاقتها بصراعات وانقسامات داخلية، فإن السؤال لن يكون: هل يستفيد الحوثي؟ بل: إلى أي مدى سيذهب في استثمار هذا الانهيار؟
ويرى المراقبون أن هذا الانهيار الذي يُسعد الحوثيين قد يتحول إلى مصدر قوة لجهة وحدة مصدر القرار بخروج الإمارات من المشهد السياسي اليمني وانفراد السعودية بإعادة ترتيب الوضع الداخلي اليمني لصالح الشرعية ما يجعلها طرفا قويا في مواجهة الحوثيين.
المصادر
- كيف تعاطت وسائل إعلام الحوثيين مع أحداث حضرموت؟ (نظرة من الداخل)
- حضرموت.. وفضح ذريعة محاربة أنصار الله
- تصريح خطير لناطق جماعة الحوثي تجاه تطورات الاحداث في حضرموت
- محللون: الحوثي المستفيد الأول من أي انقسام في حضرموت
- مخاطر وسيناريوهات فوضى الانتقالي شرق اليمن
- الحوثيون يدفعون بتعزيزات عسكرية نحو الضالع وتعز
- تحشيد عسكري بين الحكومة والحوثيين.. هل تدق طبول الحرب مجددا باليمن؟
- خريطة السيطرة المسلحة في اليمن: شرق البلاد يتحول إلى ساحة صراع إقليمي.. هذه تفاصيله














