خيبة أمل بريكس بالخلفية.. لماذا تسعى أميركا للتوسط بين الجزائر والمغرب؟

ضاعفت الولايات المتحدة خطوط اتصالها مع المغرب والجزائر في الربع الأخير من 2023، حيث توجد قضية الصحراء على رأس أجندة المباحثات.
فهل تسعى واشنطن لحلحلة الملف ونزع فتيل التوتر بين البلدين الجارين، أم أنها تمارس هوايتها في الابتزاز، وبالتالي استغلال الطرفين سياسيا واقتصاديا؟
آخر تحركات واشنطن، جاءت إثر إعلان قسم شؤون الشرق الأدنى في الإدارة الأميركية، في 6 ديسمبر/كانون أول 2023، أن مساعد وزير الخارجية المكلف بمنطقة شمال إفريقيا جوشوا هاريس، وصل إلى الجزائر للشروع في جولة مشاورات معها ثم مع المغرب.
"تعزيز السلم الإقليمي"
وأبرز القسم في تغريدة عبر منصة "إكس"، أن الزيارة تتركز حول "تعزيز السلم الإقليمي"، و"تكثيف المسار السياسي" للأمم المتحدة بشأن ملف الصحراء، بهدف "الوصول إلى حل دائم وكريم دون مزيد من التأخير".
Deputy Assistant Secretary Josh Harris arrived today in Morocco for meetings with Moroccan government officials including @MarocDiplomatie’s Foreign Minister Nasser Bourita to discuss advancing regional peace, prosperity, and security.
— U.S. State Dept - Near Eastern Affairs (@StateDept_NEA) September 6, 2023
وتعد هذه الزيارة، هي الثانية من نوعها إلى المنطقة لهذا الدبلوماسي الأميركي الرفيع، بعد زيارته في سبتمبر/أيلول 2023، والتي أكد خلالها دعم بلاده لمقترح الحكم الذاتي الذي يقترحه المغرب لحل أزمة الصراع حول الصحراء.
وقال هاريش عقب لقائه وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة في الرباط حينها، "إن واشنطن ما زالت تعد خطة الحكم الذاتي المغربية على أنها جادة وذات مصداقية وواقعية، ونهج محتمل لتلبية تطلعات سكان الصحراء الغربية".
وذكر بيان للسفارة الأميركية في الرباط، عبر تغريدة على منصة "إكس"، أن "الولايات المتحدة تواصل اعتبار المخطط المغربي للحكم الذاتي جادا وواقعيا وذا مصداقية".
2/3 DAS Harris affirmed full U.S. support for the UN Personal Envoy of the Secretary-General Staffan de Mistura as he intensifies efforts to achieve an enduring and dignified political solution for Western Sahara.
— U.S. State Dept - Near Eastern Affairs (@StateDept_NEA) September 7, 2023
ويشكل ملف الصحراء العقبة الرئيسة أمام تحقيق الوحدة السياسية والاندماج الاقتصادي بين دول المغرب العربي الخمس.
وأدى إلى توتر غير مسبوق في العلاقات بين المغرب الذي يقدم مقترح حكم ذاتي موسع لحل الملف، وبين الجزائر التي تحتضن جبهة البوليساريو الانفصالية فوق أراضيها بمنطقة تندوف جنوبي البلاد والتي تطالب باستفتاء في الصحراء لتقرير المصير.
وكان لافتا إجراء جوشوا هاريس حوارا مع موقعي "الجزائر الآن" و"الشبكة الجزائرية للأخبار"، في 9 ديسمبر 2023، حيث قال إن "بلاده تريد أن ترى حلا دائما، يضمن كرامة الشعب الصحراوي".
واسترسل، وفق المصدر ذاته، "هذا النزاع طال أمده، والولايات المتحدة عندها نية أن تستعمل تأثيرها لدعم الأمم المتحدة لإيجاد حل سياسي دائم لهذه القضية".
وأضاف: "في السنوات الفارطة كانت هناك عدة محاولات لإيجاد حل سياسي لهذه القضية، لكن لم تنجح، ولا يوجد أي طريق مختصر لحل القضية باستثناء دعم الأمم المتحدة في دعم الشعب الصحراوي كي يكون هناك حق تقرير المصير".
واعتبر المتحدث ذاته أن "النزاع العسكري الذي عاد من جديد ليس في صالح المنطقة، خاصة بعد الصراع النزاع الأخير بين إسرائيل وفلسطين، وهجوم الحوثيين بالمنطقة"، مشددا أن "هذا يسهم في زرع عدم الاستقرار بالمنطقة".
وأردف، "نرى أكثر من أي وقت مضى، هناك حاجة ملحة كبيرة لعملية سياسية لمنع المزيد من الانهيار للعملية السياسية".
وتابع: "الولايات المتحدة تركز بشدة على تهيئة الظروف للعملية السياسية حتى تسفر أخيرا على نتيجة.. كما تعطي أهمية بالغة لملف الصحراء الغربية في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة".
في المقابل، نشرت السفارة الأميركية بالجزائر نص الحوار أيضا في اليوم نفسه، عبر موقعها الإلكتروني، غير أنه جاء خاليا من كلمات "تقرير المصير"، بل أكد على دعم واشنطن لمقترح المغرب المتعلق بالحكم الذاتي.
وقال هاريس: "تعد الولايات المتحدة مقترح المغرب للحكم الذاتي جديا وذا مصداقية وواقعيا، وهو نهج محتمل لتلبية تطلعات شعب الصحراء".
تقدير موقف
يرى وليد كبير، الباحث السياسي الجزائري، ورئيس الجمعية المغاربية للسلام والتعاون والتنمية، أن هذه الزيارة الثانية للمسؤول الأميركي للمنطقة، تؤكد أن واشنطن تحاول الوساطة بين البلدين لطي ملف الصحراء.
وأضاف لـ"الاستقلال"، نلاحظ وجود إصرار أميركي على المضي قدما لمعالجة التأخير في حل الملف، مشيرا إلى أن الإدارة الأميركية تمارس ضغوطها على السلطات الجزائرية بغية إنهاء نزاعها القائم مع المغرب.
وذكر أن واشنطن صرحت برغبة الجزائر في الحصول على السلاح الأميركي، وأنها تشترط الاستجابة للطلب الجزائري بالدخول الجدي في ملف تسوية هذا النزاع في إطار المسار الأممي، وبما يحافظ على وحدة المغرب الترابية.
وأبرز وليد أن أميركا تريد أيضا التدخل في المنطقة لمحاصرة الدور الإيراني، لا سيما بعد نشر جبهة البوليساريو في وقت سابق صور أسلحة إيرانية توصلت بها، والتي لا يُستبعد أن تكون هي المستخدمة في الهجوم على مدينة السمارة جنوبي المغرب، بداية نوفمبر/تشرين ثاني 2023، وأدى لمقتل شخص وإصابة آخرين.
وأردف أن هناك قلقا أميركيا من هذا التطور، وهو الذي دفعها إلى ممارسة نوع من الضغوط على النظام الجزائري بغية تقليص تنامي النفوذ الإيراني ودعمها لجبهة البوليساريو.
من جانب آخر، قال وليد إن الإدارة الأميركية تريد استغلال خيبة الأمل الجزائرية من روسيا والصين بعد انتكاسة عدم حصولها على عضوية مجموعة "البريكس".
ولذلك، يضيف الناشط السياسي، تعمل الولايات المتحدة على جذب الطرف الجزائري حتى لا يكون يرمي بثقله الكامل على الجانب الروسي، خاصة بعد توقيع اتفاقية تعاون إستراتيجي بين الرئيسين عبدالمجيد تبون وفلاديمير بوتين بالعاصمة موسكو، منتصف يونيو/حزيران 2023.
وأبرز وليد أن توترات الشرق الأوسط تشكل كذلك دافعا لمنع التصعيد بين المغرب والجزائر ورفض الدخول في حرب شاملة.
وأشار إلى أن هذا التخوف نلمسه من خلال حوار هاريس مع أحد المواقع الإلكترونية الجزائرية، والذي توقف عند تأثيرات ما يقع في غزة على السلم في المنطقة ككل.

مصالحة سياسية
تجاهلت وسائل الإعلام الأكثر شهرة في الجزائر زيارة هاريس ولم تقم بمواكبتها بتقارير أو تحليلات من أكاديميين أو سياسيين، عكس نظيرتها المغربية، التي تحدثت عن مسعى أميركي للمصالحة بين البلدين الجارين.
وفي هذا الصدد، ذكر موقع "مغرب إنتلجنس"، في 7 ديسمبر، بأن "إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن تعمل على مضاعفة ضغوطها على النظام الجزائري قصد إقناعه بإعادة تطبيع علاقاته السياسية والدبلوماسية مع المغرب، التي قطعتها الجزائر من جانب واحد في أغسطس/آب 2021".
وأفاد الموقع نسبة إلى مصادر دبلوماسية اتصل بها، بأن "واشنطن أطلقت منذ شهور، مبادرة تهدف إلى تفادي منزلق خطير في العلاقات مع البلدين".
وأوضح الموقع، أن زيارة هاريس للجزائر لا تتعلق فقط بالتشاور حول حل لقضية الصحراء، بل أيضا بدعوة النظام الحاكم هناك إلى الكف عن سياسته العدائية ضد المغرب".
وذكر أن "واشنطن قدمت ضمانات متينة للنظام الجزائري تقضي بعدم المساس بأمنه الوطني. بل إن الأميركيين وعدوا القادة الجزائريين بأنهم لن يتسامحوا مع تحالف بين المغرب وإسرائيل أو بين الإمارات العربية المتحدة يمكن أن يهدد الأمن والسيادة الترابية في الجزائر".
ومقابل هذه الضمانات الأميركية، يردف الموقع، "تضغط واشنطن على الجزائر حتى تتخلى عن سياستهم العدائية تجاه المغرب، وألا تستمر في جعل قضية الصحراء كمبرر لمعاداة المملكة"، داعية "إياها إلى جعل القضية بين يدي الأمم المتحدة".
وأشار إلى أن الإدارة الأميركية تعول كثيرا على نجاح وساطتها بين الجزائر والرباط، لأنها تتخوف من أن يؤدي التصعيد الخطير بين البلدين إلى زعزعة استقرار الحوض المتوسطي بكامله، والذي لن يفيد في الأخير إلا امتداد التأثير الروسي أو الصيني على أبواب أوروبا، التي تعتبرها أميركا منطقتها الاستراتيجي".
وفي قراءته لخلفيات هذه الزيارة التي يقوم بها المسؤول الأميركي، قال خالد شيات، أستاذ العلاقات الدولية بجامعة محمد الأول بوجدة، إن المسعى الأميركي لحل قضية الصحراء، هو إشارة قوية جدا من طرفها بأن الأمر لا يمكن أن يحتمل هذه الحالات التي تصر عليها الجزائر في المنطقة.
وأوضح شيات لموقع "برلمان كوم" المحلي، في 8 ديسمبر، أن الجزائر يمكنها أن تستجيب بشكل أو بآخر لهذا التوجه الذي تطرحه الولايات المتحدة، ويمكنها أيضا أن تستمر في نهجها التقليدي القائم على دعم الجبهة الانفصالية.
وذكر شيات أن "هذه المبادرات والتصورات لا تأتي من الإدارة الأميركية على المستوى الحزبي أو الرئاسي، بل هي نابعة من قناعات إستراتيجية بالنسبة لمصالح أميركا".
وأشار المتحدث ذاته، إلى أن أميركا تريد أن تؤسس لفضاء ومنظومة عربية جديدة وبمفاهيم جديدة، وبتصورات تقوم على خدمة مصالحها، وإيجاد فضاء ليس فيه أزمات في المستقبل القريب".
وأكد الأستاذ الجامعي، أن الزيارة لها أهداف ذات طبيعة إستراتيجية على غرار رفع الحرج على النظام الجزائري للخروج بطريقة نهائية، في إطار الشرعية الدولية، بموقف ينهي هذا النزاع المفتعل إلى الأبد.
استغلال للقضية
فيما ذكر الخبير في العلاقات الدولية، أحمد نورالدين، أن الولايات المتحدة تلعب على كل الحبال في هذا الصراع بين المغرب والجزائر.
وأضاف نورالدين لـ "الاستقلال"، هذا التقلب مفهوم، لأن أميركا لم تقل دائما سوى أنه ليس لها أصدقاء أو أعداء دائمون، والخطأ هو في من يضع بيضه كله في سلتها.
وأردف، "إذا عرفنا أن أميركا تلعب على كل الحبال، فعلى المغرب أن يأخذ الحيطة والحذر"، مشيرا إلى أن "الجزائر تقدم للولايات المتحدة إغراءات على مستوى البترول".
واسترسل: "ما يعني أن الولايات المتحدة تحاول الضغط على الطرفين من أجل الحصول على أكبر تنازلات في قضايا أحيانا سياسية مثل قضايا التطبيع، أو المواقف من روسيا والصين، وأحيانا في المجال الاقتصادي".
هذه الأبعاد البرغماتية تحدث عنها أيضا الناشط السياسي الجزائري وليد كبير، والذي ذكر أن واشنطن في جميع الأحوال لا تريد سوى ضمان مصالحها.
ولذلك، يردف وليد لـ "الاستقلال"، قضية الصحراء مرتبطة أساسا بصفقات السلاح، والتصعيد العسكري أو الإبقاء على التوتر يفتح الشهية أمام صفقات السلاح.
وأبرز المتحدث ذاته أن تخفيف التوتر أو حل النزاع يدفع واشنطن إلى البحث عن مجالات أخرى لضمان مصالحها، خاصة بعد تغير قواعد اللعبة السياسية في الساحل الإفريقي، إثر تقلص النفوذ الفرنسي في المنطقة، وأيضا في ظل التوغل الصيني والروسي والتركي والإيراني في القارة.
وفي المجمل، يقول وليد، تحاول واشنطن الضغط عبر هذا الملف لضمان مصالح اقتصادية أكبر، وأيضا مصالح إستراتيجية، ولذا تعمل على كسب الجزائر والمغرب معا، وطي الملف بشرط الحفاظ على مصالحها.

احتواء الوضع
فيما يرى إبراهيم بلالي اسويح، عضو المجلس الملكي الاستشاري للشؤون الصحراوية، أن "زيارة نائب مساعد وزير الخارجية الأميركي للجزائر مرتين في الشهور الأربعة الأخيرة، أكبر من كونه مجرد مسعى لاحتواء التصعيد مع المغرب، وخفض التوتر الذي يهدد الاستقرار الإقليمي".
وأضاف اسويح لموقع "هسبريس" المحلي، في 9 ديسمبر، أن "الزيارة الأولى للمسؤول الأميركي تزامنت مع جولة المبعوث الخاص الأممي لأطراف النزاع حول الصحراء، وهذه المرة قبيل بدء مشاوراته تنفيذا لقرار مجلس الأمن الدولي رقم 2703 حول الصحراء في أكتوبر 2023".
وأردف، "وهذا يفسر الدور الأميركي الجديد الذي يأخذ في الحسبان الحسابات الجيو استراتيجية من غرب المحيط الأطلسي إلى شرق الخليج، الى جانب تحديد المسؤوليات التي تسببت في فشل خطط التسوية الأممية السابقة".
وذكر اسويح أن "لقاءات المسؤول الأميركي بالجزائر تؤكد أنها الطرف الرئيسي في هذا النزاع، وأن الحل النهائي للملف المفتعل سيتم عبر قاعدة التوافق بين المغرب والجزائر.
وأكد الخبير ذاته أن "الدعم الأميركي للمصالح المغربية لا يخفي سعي إدارة البيت الأبيض للحفاظ على العلاقات الثنائية مع الجزائر التي تتقاسم معها مصالح اقتصادية، وإن لم تكن بمستوى الغريمين الاستراتيجيين الصيني والروسي".
وأشار اسويح إلى أن الإدارة الأميركية تسعى إلى تمهيد الأرضية للوسيط الأممي لتحريك المياه الراكدة بين المغرب والجزائر، وهو ما سيزيد من تهميش دور جبهة البوليساريو في التسوية النهائية.
من جانبه، وفي جوابه عن سؤال يتعلق بالأسباب التي تدفع واشطن إلى البحث الجدي عن حل لنزاع الصحراء، قال أحمد نورالدين، الخبير في العلاقات الدولية، بأن هناك ثلاثة معطيات يمكن أن تدفع أميركا بكل جدية، وليس بنوع من الانتهاز لإنهاء ملف الصحراء.
وأضاف لـ "الاستقلال"، أول هذه المعطيات يرتبط بالتحولات التي تعرفها منطقة الساحل والصحراء ودخول غريم الولايات المتحدة، روسيا، خاصة في مالي، مع وجود حرب تدور رحاها منذ تقريبا شهرين في منطقة الأزواد".
وأبرز المتحدث ذاته أن "المعطى الثاني يتمثل في أن الصين أصبحت الشريك الأول للجزائر، وشريكا معتبرا للمغرب، وأصبحت الشريك الأول لاقتصاد إفريقيا، ومعلوم أن الولايات المتحدة دخلت مع الصين في صراع اقتصادي مفتوح، والمغرب العربي وإفريقيا يشكلان ورقة مهمة في هذا الصراع".
وأردف: "ثالث دوافع أميركا لإنهاء هذا الصراع، وهو الانفجار الذي يشهده الشرق الأوسط بسبب حرب غزة منذ شهرين، وأصبحت الخارطة الجيوسياسية للعالم العربي والشرق الأوسط ومنطقة شمال إفريقيا كلها معرضة للاهتزاز".


















