بين الإنجاز والفشل في إيران ولبنان.. كيف أربك تباين النتائج حسابات إسرائيل؟

"إسرائيل اندفعت إلى جنوب لبنان مع قدر محدود من التفكير السياسي"
في وقت تشير فيه تقديرات إلى أن الساحة الإيرانية شهدت خلال الفترة الماضية تحولا في طبيعة وأهداف الضربات، تتصاعد في المقابل الانتقادات لمسار الحرب في لبنان، وسط حديث عن انخراط إسرائيل في جبهة شمالية معقدة تفتقر إلى رؤية استراتيجية واضحة، ما يثير تساؤلات حول جدوى هذا المسار ومآلاته.
وفي إطار تقييمه لأداء إسرائيل والولايات المتحدة بعد أكثر من شهر على الحرب، يرى المحلل العسكري آفي أشكنازي أن "الجيشين الإسرائيلي والأمريكي حققا إنجازات كبيرة على المستوى التكتيكي".
أما على المستوى الاستراتيجي، فيعتبر أنه "سيكون من الضروري الانتظار لاختبار هذه النتائج في محك التاريخ، إذ لا يزال من المبكر إصدار أحكام نهائية في هذا الشأن".

أرض محروقة
ويرى أشكنازي، في مقاله المنشور بصحيفة "معاريف" أن "الإنجاز في الساحة الإيرانية يتمثل في تغيير الجيش لأهداف الضربات، حيث ركز الجيش الإسرائيلي على استهداف عدة مواقع".
وأوضح هذه المواقع بالقول: "أولا، استهداف منظومات الدفاع الجوي التي لا تزال تعمل في إيران، بهدف تدميرها وإتاحة مزيد من العمق العملياتي لسلاحي الجو الإسرائيلي والأميركي في مختلف أنحاء إيران".
وهو ما أشار إلى أنه "سمح باستهداف المزيد من منصات إطلاق الصواريخ الباليستية التكتيكية المتبقية لدى إيران، والتي تُستخدم في إطلاق الهجمات نحو إسرائيل ودول الخليج المجاورة".
أما المسار الثاني، فتمثل في "استهداف جميع مكونات الصناعات العسكرية الإيرانية، بما يشمل المصانع الرئيسة ومراكز التطوير، فضلا عن الموردين الفرعيين، وصولا إلى ورش العمل الصغيرة والمشاغل الفنية والمختبرات المتخصصة".
وبحسبه، "تركز المسار الثالث على قلب الصناعة النووية، أي برنامج الأسلحة غير التقليدية الإيراني، حيث استهدف سلاح الجو الإسرائيلي، من بين أهداف أخرى، مصانع الصلب والمنشأة النووية في أراك، إلى جانب مواقع إضافية".
بصورة عامة، قدر أشكنازي أن "إسرائيل والولايات المتحدة كانوا يسعون في هذه المرحلة إلى رسم صورة لـ(أرض محروقة) أمام النظام الإيراني في اليوم التالي للحرب، بحيث لا يكون واضحا له كيف ومن أين يبدأ عملية إعادة بناء الجيش والحرس الثوري وأجهزة الأمن".
ووفقا له، فإن "الهدف من ذلك هو خلق وضع لا تمتلك فيه إيران، في المرحلة الأولى، قدرات ذاتية على إعادة التأهيل".
وبحسب افتراضه، "يسهم هذا التحرك التكتيكي في تشكيل واقع إستراتيجي معقد للنظام الإيراني على المدى القريب والمتوسط، مع احتمال حدوث تطور مكمّل في مرحلة لاحقة، يتمثل في اضطرابات داخلية أو حتى انتفاضة شعبية ضد النظام في ظل ضعفه العسكري".
في المقابل، لفت أشكنازي إلى أنه "لا تزال هناك قضايا ملحة تتطلب معالجة، أبرزها حرية الملاحة في مضيق هرمز".
وأضاف أنه "مع إطلاق صاروخ حوثي من اليمن باتجاه إسرائيل صباح الثامن والعشرين من مارس/آذار 2026 تزايدت المخاوف من أن يعاود هذا الوكيل الإقليمي تصعيده ومحاولة تعطيل حركة الملاحة في البحر الأحمر".
بناء عليه، دعا أشكنازي "الجيشين الأميركي والإسرائيلي إلى تشكيل تحالف عسكري، لضمان فتح ممرات الملاحة".
في هذا السياق، شدد على "ضرورة انخراط مصر والأردن والسعودية والإمارات وبقية الدول المعنية في هذا التحالف، نظرا لما تمتلكه من مصالح اقتصادية حيوية، بل وتقديرات وجودية في بعض الحالات".
ميدان مفتوح
بالانتقال إلى الساحة اللبنانية، يرى أشنكازي أنها "لا تزال تعاني من وضع مقلق للغاية"، إذ قدر أن "حزب الله يحاول تحدي إسرائيل في الآونة الأخيرة"، مدعيا أن "إيران تسعى إلى دفع إسرائيل للانشغال في لبنان واستنزاف قواتها هناك".
وفي هذا السياق، انتقد السلطات قائلا: "رغم أن الحكومة الإسرائيلية اتخذت قرارا صحيحا بعدم إخلاء سكان الشمال من منازلهم، إلا أن المشكلة تكمن في أن الحكومة تتصرف بشكل مرتبك".
وأردف: "كان من المتوقع أن تعمل وزارة الدفاع مسبقا على تجهيز هذه البلدات، بحيث يتوفر في كل منزل ضمن مستوطنات خط التماس ملجأ محصن، بل وملجأ بمعايير محسنة يتيح البقاء لفترات طويلة، ويشمل مرافق أساسية مثل الحمام ودورات المياه".
من هذا المنطلق، يعتقد أن "كلا من إيران وحزب الله ينشغل حاليا بتحقيق هدف واحد فقط: البقاء".
وأضاف: "لتحقيق ذلك، يعتمدان عدة خطوات تكتيكية، أبرزها محاولة كسر صمود الجبهة الداخلية الإسرائيلية، إذ يدرك الطرفان أن القصف المستمر على مدار اليوم قد يؤدي إلى تآكل قدرة التحمل لدى السكان".
"كما يفهم حزب الله أن استمرار إطلاق النار دون توقف على بلدات خط المواجهة في الشمال قد يدفع إلى نزوح سكانها، ولو بشكل جزئي"، حسب رأيه.
في المقابل، وصف أشكنازي طريقة عمل الجيش الإسرائيلي في الشمال بـ"غير الطبيعية" قائلا: "حشد الجيش عشرات الآلاف من الجنود في لبنان وفي الشمال، وفي معظم المناطق التي دخلها، سيطر على نقاط تمركز ميدانية ثم توقف".
وتابع: "يتموضع الجيش الإسرائيلي في حالة دفاع متقدم، وهو من أصعب أشكال القتال، فمهمة الجنود، ببساطة، هي تفادي التعرض للإصابة".
وبحسب تقديره، "هذا ما يدركه حزب الله جيدا، إذ يواصل استهداف القوات بشكل مكثف باستخدام الصواريخ المضادة للدروع والقذائف ذات المسار غير المباشر".
وأردف: "وهكذا، يجد الجيش الإسرائيلي نفسه في وضع حساس وهش للغاية في الشمال، حيث ارتفع عدد المصابين، وكان معظمهم نتيجة نيران القذائف غير المباشرة والصواريخ المضادة للدروع".
وأكمل: "تتمثل خطة الجيش في الوصول إلى نهر الليطاني وإنشاء منطقة منزوعة السلاح تمتد من الليطاني حتى الخط الأزرق (خط انسحاب ترسيمي وضعته الأمم المتحدة عام 2000 بين لبنان وِإسرائيل)".
وهو ما انتقده أشكنازي بالقول: "أي أن إسرائيل تسعى، فعليا، إلى إعادة إحياء نموذج سابق، أو بالأحرى استنساخ أزمة قديمة في صورة جديدة".
واستطرد: "بعبارة أخرى، يبدو أن إسرائيل تتجه نحو إعادة إنشاء ما كان يُعرف بالحزام الأمني في جنوب لبنان، لكن بمسمى مختلف هذه المرة، مثل (الخط الأصفر الشمالي) أو (الدفاع المتقدم) أو أي تسمية أخرى".
واسترسل: "على المستوى الإستراتيجي، وبعبارة من عايشوا ثمانينيات وتسعينيات القرن العشرين، فإن إسرائيل تمضي نحو إنشاء (ميدان رماية مفتوح) في جنوب لبنان بنسخة جديدة".
وفي إطار تنفيذها لهذه الإستراتيجية، أشار أشكنازي إلى أن الجيش الإسرائيلي بدأ أخيرا باستهداف الجسور الواقعة على نهر الليطاني، حيث قصف سلاح الجو جسر القاسمية على الطريق الساحلي اللبناني، وهو المحور المركزي الذي يربط بين جنوب لبنان وشماله.
واستدرك: "إلا أن هذه الخطوة بدت محدودة وغير كافية، إذ استهدف الجيش ربع عدد الجسور فقط".

قدر محدود
وعلى هذا الأساس، قدر المحلل العسكري أن "إسرائيل لا يبدو وكأنها تخوض حربا حقيقية في لبنان، إذ إن التحركات الحالية لا تتجاوز كونها ضغطا بلا فاعلية حقيقية، أي كثير من الضجيج مقابل قدر محدود من الأفعال".
ومن هنا، يرى أنه "يُفترض بالحكومة الإسرائيلية أن تحدد للجيش مهاما واضحة وأهدافا ومعايير زمنية، وأن ترسم له خطوطا حمراء، من بينها أن يتمركز حزب الله شمال الليطاني، وأن يُحصر السلاح بعيد المدى إلى شمال نهر الزهراني، مع دفع الحكومة اللبنانية إلى بسط سيادتها في الجنوب".
وبحسبه، فإن "هذه الأهداف ليست بعيدة المنال، بل يمكن تحقيقها، ومن خلالها يمكن الوصول إلى حالة من الهدوء والاستقرار الأمني على المدى الطويل في الجبهة الشمالية".
في هذا الصدد، انتقد أشكنازي أداء الجيش الإسرائيلي واصفا إياه بـ"البطيء والثقيل".
وقال: "يفتقر أداء الجيش إلى الحسم، فمن الناحية العملياتية، كان من المتوقع أن يتحرك بسرعة أكبر، وأن يوجه ضربات أقوى، مع ممارسة ضغط مباشر على البيئة الحاضنة لحزب الله، وكذلك على الحكومة اللبنانية التي تخشى مواجهته".
واستطرد: "إن التقدم نحو خطوط الدفاع خطوة صحيحة، لكنها غير كافية، ولن تُجبر حزب الله على التراجع".
وعليه، دعا أشكنازي الجيش إلى "توسيع نطاق عملياته، بما يشمل إخلاء مدن مثل النبطية وصيدا، واستهداف البنية التحتية فيها، بما في ذلك الأبراج والمرافق الحيوية، إلى جانب توسيع دائرة استهداف الجسور ومحاور النقل".
وأردف: "كما يتعين عليه فرض كلفة مباشرة على الطرف الآخر عبر استهداف أصوله، والعودة إلى تنفيذ عمليات اغتيال مركزة تطال قيادات حزب الله على مختلف المستويات، من قادة الوحدات وصولا إلى رأس التنظيم نعيم قاسم، بحيث يصبحون مطاردين بشكل دائم، ما يحد من قدرتهم على إدارة العمليات الميدانية".
في المحصلة، يرى المحلل المتطرف أن "إسرائيل اندفعت مرة أخرى إلى جنوب لبنان بقوة كبيرة، ولكن مع قدر محدود من التفكير السياسي، ومن دون وجود خطط سياسية واضحة لليوم التالي".
ووفقا له، "ظهرت ملامح ذلك بالفعل خلال نهاية مارس 2026 حين توقفت القوات عند خطوطها وتعرضت لنيران معادية، بل إن هذه النيران طالت أيضا سكان الشمال".
واختتم أشكنازي حديثه: "بعد مرور ما يزيد عن شهر من الحرب، بات من الضروري عرض صورة واضحة للجمهور حول الاتجاه العام: إلى أين تتجه الأمور، ومتى، وكيف سيكون الوضع بعد انتهاء العمليات العسكرية".

















