الفاشر السودانية.. كيف حولتها مليشيا الدعم السريع إلى جحيم مرعب؟

"الوضع في دارفور سيء للغاية"
وضع مروّع في مدينة الفاشر، مركز ولاية شمال دارفور غربي السودان، حيث تحوّلت إلى جحيم يستحيل العيش فيه، مع قصص صادمة حول الجوع والعنف وخيبة الأمل التي عانى منها السكان.
ونقلت صحيفة "إلباييس" الإسبانية شهادة حية للمواطن محمد عثمان حسن الذي نجا من جحيم الفاشر، ويحاول البقاء على قيد الحياة في العاصمة الخرطوم التي تعرضت هي الأخرى للقصف.
ووصفت الصحيفة حسن: “كان الرّجل هزيلا للغاية، مما يجعل نظاراته الواسعة تنزلق من حين إلى آخر على أنفه”.
وضع سيئ
وذكرت "إلباييس" أنه "نجا هو وزوجته وطفلاهما بأعجوبة: فقبل أقل من أسبوع من هجوم الدعم السريع على عاصمة شمال دارفور، تمكن من إقناع جندي بالسماح له بالمرور عبر نقطة التفتيش الرئيسة المؤدية إلى خارج المدينة، إذ كان يدفع ابنته الصغيرة في عربة يدوية”.
وقال حسن: "أقنعتهم بأنني سأغادر المدينة من أجل القيام ببعض الأعمال الفلاحية".
وأضاف: "لا أعلم كيف تركونا نخرج من هذا الجحيم.. لقد كانت حجة واهية".
وبعد أول نقطة تفتيش، أكد حسن أنه "كان عليه أن يمرّ بحوالي 16 نقطة تفتيش أخرى قبل أن يدخل أراضي الجيش الحكومي.. وفي الطريق، صادر الجنود جميع ممتلكاته".
وأدى اندلاع الحرب في أبريل/ نيسان 2023، بين الجيش ومليشيا الدعم السريع، إلى موجة نزوح جماعي ودفع السودان إلى حافة الانهيار.
وتُقدر مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أن ما يقرب من 12 مليون شخص قد نزحوا، وأن البلاد تواجه أسوأ أزمة إنسانية منذ عقود؛ حيث تعاني عدة مناطق من المجاعة. ولا تزال أرقام الضحايا غير دقيقة، لكن تقديرات مختلفة تُشير إلى أن عدد القتلى يصل إلى مئات الآلاف.
ونوهت الصحيفة إلى أن الوضع في دارفور سيئ للغاية؛ حيث أعلن عن حالة المجاعة في العديد من المناطق، وقد كان حسن شاهدا على هذا الوضع المأساوي في الفاشر.
وأورد: "كان علينا أن نحاول فعل شيء ما، وكان من المُلِحّ مغادرة الفاشر، أصبح الوضع في المدينة لا يُطاق وغير مستدام".
والأسوأ من ذلك، أصبح سعر المواد الغذائية التي تتوفر بكميات قليلة جدا، باهظا للغاية، إلى درجة أن العائلات أصبحت غير قادرة على اقتنائها.

إبادة جماعية
وأظهر حسن، مسترجعا ذكرياته، صورة له وهو سليم البنية، مفتول العضلات؛ كل ذلك قبل الحصار على المدينة.
وأوضح أن "الناس كانوا يغلون جلود الحيوانات ويشربون ماء هذا المحلول كما لو كان حساء".
وتجدر الإشارة إلى أن كبار السن تحديدا كانوا يموتون من نقص الطعام والرعاية الطبية.
وأكد حسن أنه "في الفاشر، كانوا يدفنون الناس باستمرار. العشرات يوميا".
في هذه الأثناء، كان أطفاله يزدادون نحافة، يوما بعد يوم. وأضاف: "كان ذلك بعيدا كل البعد عن الإنسانية".
في هذا السياق، ندد المفوض السامي لحقوق الإنسان بالأمم المتحدة، فولكر تورك، "بالجرائم الجسيمة" التي ارتُكبت في الفاشر خلال حصار مليشيا الدعم السريع للمدينة لمدة 18 شهرا، وكذلك بعد سيطرتها عليها في 26 أكتوبر/ تشرين الأول.
واتهمت وزارة الخارجية الأميركية مليشيات الدعم السريع بارتكاب إبادة جماعية في شمال دارفور ضد جماعات غير عربية.
وفي 26 أكتوبر، أعلنت الملي سيطرتها على الفاشر.
وقُطعت خطوط الإنترنت والهاتف. ولم تُتداول سوى مقاطع فيديو صوّرها ونشرها جنود الدعم السريع أنفسهم، أظهرتهم وهم يطلقون النار عشوائيا على الناس.
وأمام هذا الوضع، أدان المجتمع الدولي، الذي حذر لسنوات من الإبادة الجماعية لمئات الآلاف من اللاجئين في الفاشر ومحيطها، هذه الهجمات، لكنه لم يتدخل.
وقال حسن: "أدار العالم ظهره لنا"، موضحا أن "الناس كانوا يموتون لأشهر".
وأضاف: "في الآونة الأخيرة، ازدادت الهجمات، كانت هناك غارات بطائرات دون طيار وتفجيرات. كان الناس يموتون وهم يتناولون الأكل، وحتى في المسجد... كانت التفجيرات تحدث عادة في الصباح الباكر، حوالي الساعة الرابعة صباحا".

مليئة بالجثث
وبحسب حسن، "في الأشهر الأخيرة، ازدادت وتيرة دخول الجنود إلى المخيم".
وأضاف: "هاجمونا بالأسلحة والعصي وسرقوا ممتلكاتنا. كما تعرض الشباب للاغتصاب والخطف والمطاردة. أما النساء اللواتي غادرن المخيم لجمع الحطب، فلم يعدن أبدا".
وأشار قائلا: "قرأتُ في وسائل الإعلام أن الآلاف لقوا حتفهم. قد يكون هذا صحيحا. لكن لا بدَّ من إضافة وفيات العام والنصف العام الماضيين. ما حدث في الفاشر أمر مروع".
في 14 نوفمبر/ تشرين الثاني 2025، وافق مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة بالإجماع على إجراء تحقيق مستقل جديد في مجازر مدينة الفاشر السودانية.
وقال تورك خلال اجتماع طارئ في جنيف: "لم تؤخذ تحذيراتنا في الحسبان، صُوِّرت بقع الدماء على أرض الفاشر من الفضاء، لا يمكن إنكار وصمة العار التي لحقت بالمجتمع الدولي أمام هذا الوضع".
وأضاف حسن بنبرة حزينة: "الآن لا يسعنا إلا أن نشاهد ما يحدث في الفاشر".
وأوضح: "إن الناس الذين ألقيت جثثهم على الأرض موتى أو يحتضرون على الأرض في كل مكان".
وأشار إلى الخندق الذي حفرته الدعم السريع حول المدينة"، قائلا بأسف: "تلك الحفر في الأرض مليئة بالجثث".
وتحدث بصوت مرتجف: "أقرأ باستمرار أن حوالي سبعة آلاف شخص فقط فروا منذ بدء الهجوم". وتساءل بقلق: "لكن ماذا حدث لهؤلاء الآخرين؟"، لأن العديد من أصدقائه وأفراد عائلته لم يتمكنوا من الفرار.
يبحث في هاتفه عن رقم والده الثمانيني. رنّت المكالمة لبرهة ثم انقطعت. قال حسن بنبرة خافتة: "لا يزال هناك. كان أضعف من أن نأخذه معنا إلى الخرطوم".
وانفجر باكيا: "أدعو الله كل يوم أن ينجو والدي من هذا الجحيم".
















