اتفاقية تعاون عسكري بين المغرب والبرازيل.. لماذا تثير حفيظة الجزائر؟

عبر اتفاقية في مجال الدفاع، عزز المغرب تعاونه العسكري مع البرازيل، في خطوة يتوقع كثيرون أن تثير حفيظة الجار الجزائري الذي يسابق الزمن أيضا لتطوير ترسانته، في خضم خلاف غير مسبوق بين الجانبين.
وأورد موقع القناة الرسمية المغربية "الأولى"، في الثاني من مايو/أيار 2023، أن لجنة العلاقات الخارجية والدفاع الوطني بمجلس الشيوخ البرازيلي، صدق على مشروع مرسوم بالموافقة على الاتفاقية الإطار للتعاون في مجال الدفاع مع المغرب، الموقعة في برازيليا في 13 يونيو/حزيران 2019.
وذكرت "الأولى"، أن مقرر النص، السيناتور إسبريدياو أمين (التقدميون، سانتا كاتارينا)، قدم تقريرا إيجابيا للمصادقة على مشروع المرسوم، وفقا لمجلس الشيوخ البرازيلي.
مجالات الاتفاقية
وأشار أمين إلى أن الاتفاقية الموقعة في 2019 تبرز مجالات البحث والتطوير والدعم اللوجستي، بالإضافة إلى هدف تشجيع اقتناء المنتجات والخدمات الدفاعية.
كما أن الهدف الآخر يتمثل في تبادل المعرفة والخبرة المكتسبة في عمليات القوات المسلحة للبلدين، بما في ذلك مجالات العلوم والتكنولوجيا.
ولفت إلى أن الاتفاقية تشمل تعزيز عمليات التدريبات والتمرينات العسكرية المشتركة وتبادل المعلومات في هذا المجال، كما تنص على التعاون بخصوص أنظمة ومعدات الدفاع.
وتحدث النص عن تنفيذ وتطوير برامج لتطبيق تقنيات الدفاع، مع مراعاة مشاركة الصناعة في القطاع في البلدين ونقل التكنولوجيا والمعرفة بين البرازيل والمغرب.
كما ينص مشروع المرسوم التشريعي رقم 1101/2021، الذي يحظى بدعم الأغلبية على "تبادل الزيارات من قبل وفود البلدين، وتبادل المؤطرين وطلاب المؤسسات التعليمية العسكرية".
وتشمل الاتفاقية المشاركة في الدورات النظرية والعملية، والفعاليات الثقافية والرياضية، والمساعدة الإنسانية والتدريب الصحي العسكري.
وجرى التوقيع على مشروع المرسوم، الذي يحدد أيضا قواعد المسؤولية المدنية التي تحكم هذا التعاون، خلال زيارة وزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، ناصر بوريطة.
وخلال زيارة بوريطة، وقع البلدان سبع اتفاقيات تغطي مجالات مختلفة من الاستثمار إلى الدفاع، مرورا بالمساعدة القانونية المتبادلة وتجنب الازدواج الضريبي على النقل البحري والجوي.
بدوره، قال موقع "كاب 24" المحلي، في 2 مايو 2023، إن هذه الاتفاقية تتعامل من خلالها البرازيل مع كل أراضي المملكة المغربية دون استثناء، بما في ذلك الأقاليم الصحراوية.
وهذه النقطة بالتحديد قد تثير حفيظة الجزائر التي تدعو إلى جانب جبهة البوليساريو لإجراء استفتاء لتقرير مصير الصحراء الغربية، في وقت تقترح الرباط حكما ذاتيا موسعا للإقليم.
وذكر المصدر ذاته، أن "بنود الاتفاقية كانت محط غضب من طرف بعض الأوساط السياسية البرازيلية المساندة للطرح الانفصالي، والتي عملت على عرقلة إتمام المصادقة عليها في الغرفتين الأولى والثانية، خصوصا أنها تنص على الاحترام المتبادل للوحدة الترابية وسيادة الدولتين".
وأورد أن "لجنة العدل والشؤون الدستورية بمجلس الشيوخ البرازيلي، التي عُرضت عليها الاتفاقية لإبداء النظر فيها، أكدت أنها لم تتضمن أي إخلال بالدستور، كما أن الأمر يتعلق بمرسوم تشريعي يتماشى والقوانين المعمول بها في البلاد، ويراعي المقتضيات الدستورية ذات الصلة".
وأبرزت اللجنة في تقريرها أن "التنصيص على احترام السيادة والوحدة الترابية للبلدين يتماشى والبند الرابع من دستور البلاد".
ووافقت على تبني الصيغة الأصلية للمشروع بما يشمل احترام السيادة الكاملة للمملكة على ترابها كافة بما في ذلك الصحراء.
بالإضافة إلى المعاملة بالمثل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية لكل بلد، والتركيز على المصالح المشتركة، ليتم التصويت بالرفض على إدخال أي تعديلات على مشروع الاتفاقية في أواخر مارس/آذار 2023.
وأتم البرلمان البرازيلي المرحلة الأخيرة من مناقشة المشروع داخل اللجان عندما صادقت لجنة الخارجية والدفاع، في 27 أبريل/ نيسان 2023، على الاتفاقية.
وهو الأمر الذي يأتي بعد يومين فقط من تعيين أليكساندر جيدو، سفيرا مفوضا فوق العادة لبرازيليا في الرباط.
محاولات الاستمالة
الاتفاقية العسكرية المغربية البرازيلية لن ترضى الجار الشرقي للرباط، أي الجزائر، ولاسيما القيادة العسكرية، وفق مراقبين، نظرا للدور الذي تلعبه في دعم جبهة البوليساريو وتوفير الإمكانات المالية والدبلوماسية لها.
وفي هذا الصدد، قال المحلل السياسي الجزائري وليد كبير، إن توقيت الاتفاقية جاء بعد زيارة رئيس أركان الجيش الجزائري الفريق سعيد شنقريحة، إلى معرض الصناعات الدفاعية بالعاصمة البرازيلية ريو دي جانيرو، أبريل 2023، بمشاركة أزيد من 80 دولة وأكثر من 340 شركة متخصصة في إنتاج الأسلحة.
وأكد لـ "الاستقلال"، أن "النظام العسكري (في الجزائر) حاول استمالة البرازيل أو التشويش على ذلك الاتفاق، حتى لا تجري المصادقة عليه، لأنه تضمن، وخصوصا في المادة الثانية منه، التزام البلدين باحترام وحدة وسيادة كل بلد".
ورأى أن هذا البند معناه، "اعتراف برازيلي بسيادة المغرب على الصحراء، وهو أمر يزعج العسكر في الجزائر، بصفته يحرك بعض الدول في أميركا الجنوبية لدعم جبهة البوليساريو الانفصالية".
وشدد كبير وهو رئيس الجمعية المغاربية للسلام والتعاون والتنمية على أن هذا الاتفاق "يمثل نجاحا للدبلوماسية المغربية، بعد سحب البيرو الاعتراف بجبهة البوليساريو، سبتمبر/أيلول 2022".

ويضيف المحلل السياسي، أن البرازيل دولة كبرى ولها ثقلها السياسي، فضلا أنها عضو في دول منظمة "البريكس" (تكتل سياسي اقتصادي عالمي)، التي تضم كلا من روسيا والهند والصين وجنوب إفريقيا.
ونبه إلى أن الخطوة التي أقدم عليها مجلس الشيوخ البرازيلي تعد انتكاسة لدبلوماسية ما وصفه بـ "نظام العسكر"، لأنه سعى إلى تغيير مواقف دول كبيرة، بما يخدم أطروحة الانفصال وتقسيم المغرب، وفق قوله.
وعن الرسائل السياسية الأخرى للاتفاق، قال إنه أظهر أن الأسطوانة العسكرية الجزائرية لم يعد يصدقها أحد، وأن المقترح المغربي للحكم الذاتي للأقاليم الجنوبية واقعي وجاد وذو مصداقية.
وأردف، أنه "هو الحل الأكثر عقلانية، والذي بمقدوره خدمة تطلعات سكان كل المنطقة العربية والمغاربية"، بحسب تقديره.
وتوترت العلاقات بين الطرفين عندما قطعت الجزائر علاقاتها مع المغرب منذ أغسطس/ آب 2021، بسبب ما قالت إنها "أعمال عدائية" من الرباط ضدها، وهو ما نفته الأخيرة.
وفي ديسمبر/كانون الأول 2022، قال الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، إن قرار قطع العلاقات مع الجارة المغرب كان "بديلاً لنشوب حرب بين الدولتين والوساطة غير ممكنة بيننا".
وأفاد تبون أن قطع العلاقات مع المملكة المغربية صيف العام 2021 كان "نتيجة تراكمات منذ العام 1963"، فيما تنفي الرباط عادة اتهامات الجزائر بهذا الشأن.
أهداف إستراتيجية
وبدوره، أكد الخبير الأمني والعسكري المغربي محمد الطيار، أن "مصادقة مجلس النواب البرازيلي، على مشروع الاتفاقية الإطار للتعاون مع المغرب في مجال الدفاع، يشكل حدثا مهما في إطار الإستراتيجية الناجحة التي تعتمدها الرباط".
وأوضح الطيار في تصريح نقله الموقع المحلي "الأيام 24"، في 2 مايو 2023، أن هذه الإستراتيجية مبنية على تنويع الشركاء في المجال العسكري والصناعات العسكرية، خاصة مع دولة تعد الأقوى اقتصاديا وعسكريا بين دول أميركا اللاتينية، وسادس قوة اقتصادية في العالم.
واستند إلى ذلك في أن "البرازيل يتنامى دورها في العديد من الملفات الدولية، وعلى رأسها الدور الكبير في مجموعة العشرين وفي العديد من الأزمات".
وشدد الطيار أن الدخول في اتفاقيات عسكرية مع البرازيل من شأنه تعزيز التدابير التي يقوم بها المغرب من أجل التحول إلى قوة إقليمية في مجال التصنيع العسكري.
وذكر أن "توطيد العلاقات العسكرية والتجارية مع البرازيل له دور كبير في نجاح مساعي المغرب في تقليل نسبة حلفاء النظام العسكري ومليشيات البوليساريو بدول أميركا اللاتينية، وهو أمر في غاية الأهمية".
واستدل على ذلك بأن "دول أميركا اللاتينية كانت إلى عهد قريب من أكبر داعمي الانفصال في الأقاليم الجنوبية المغربية".
بدوره، قال رئيس تحرير ومدير نشر جريدة الاتحاد الاشتراكي، عبد الحميد جماهري، إن الاتفاق المغربي البرازيلي ليس انعكاسا لعلاقات ثنائية بين بلدين فقط، بل جاء الاختيار البرازيلي للمغرب، لأنه رأس الجسر نحو قارة في وضع تحولات سياسية ومؤسساتية تعيد تشكيلها باستمرار.
وذكر جماهري في افتتاحية لجريدته، 2 مايو 2023، أن الوضع الحالي متقدم بمقتضى اتفاقيات متعددة بين برازيليا والرباط تغطي مجالات مختلفة من الاستثمار إلى الدفاع، مرورا بالمساعدة القانونية المتبادلة وتجنب الازدواج الضريبي على النقل البحري والجوي.
وبالنسبة للبرازيل، أردف الكاتب الصحفي: "اقتضت المصالحة الوطنية أن ينأى المغرب بنفسه عن التخندق الأيديولوجي في العلاقات اللاتينية، ويحاول تكسير الاحتكار الذي كان يتمتع به الخصوم في المنطقة".
وأبرز جماهري أن البرازيل من الدول متنامية القوة، ولها في بلدان الكاريبي، التي تشغل نفس الاهتمام عند المغرب، مكانة المحيط الحيوي الذي لا يمكنها العيش بدونه.
وأشار إلى أن البرازيل كغيرها من دول لاتينية، تُشكل منطقة نفوذ تتأثر بالمواقف الإسبانية، لاعتبارات تاريخية وأخرى لغوية وثالثة اقتصادية وإنسانية.
ولذلك يمكن القول إنها لن تبقى في منأى عن التأثير الإيجابي لمدريد في قضية وطنية، وفي مصلحة اقتصادية مشتركة، بحسب تقديره.
وخلص إلى أنه "أصبح من الضروري تركيب الصورة كاملة في العلاقة مع البرازيل، وصياغة إطار نظري لمقومات الفعل الدبلوماسي في القارة اللاتينية أو في غيرها، لفهم تطلعات المغرب من وراء الطريق السيار لدبلوماسيته".
















