الجميع متورط.. فاينانشال تايمز: "سرقة القرن" ستُنسى وسط فساد العراق

سلطت صحيفة "فاينانشال تايمز" الضوء على قضية سرقة 3 تريليونات و700 مليار دينار عراقي (2.5 مليار دولار) من خزينة الدولة العراقية، الجريمة التي اكتُشف أمرها في أكتوبر/ تشرين الأول 2022 وعرفت إعلاميا بـ"سرقة القرن".
وذكرت الصحيفة البريطانية أنه رغم تواصل التحقيقات بشأن القضية إلا أنها ستنسى قريبا، لأن كل الأطراف الشيعية المسيطرة على الحكم متورطة بالسرقة، سواء الإطار التنسيقي التابع لإيران أو التيار الصدري المعارض له وحتى رئيس الوزراء المنتهية ولايته مصطفى الكاظمي.
وفي 16 أكتوبر 2022 كشف وزير المالية بحكومة الكاظمي، إحسان عبد الجبار عن سرقة 2.5 مليار دولار خلال 11 شهرا بدءا من سبتمبر/ أيلول 2021، من حساب الأمانات التابع لدائرة الضرائب بتعاون 5 شركات مع فاسدين معنيين بملف الأموال المودعة.
سرقة القرن
وتعليقا على القضية، قالت الصحيفة البريطانية، إنه طوال عام، كانت العربات المصفحة التي تحمل مئات الآلاف من الدينارات العراقية تشق طريقها بشكل أسبوعي عبر شوارع بغداد المزدحمة.
وأضافت أن الشاحنات – التي حُملت بأموال الضرائب- انطلقت من بنك "الرافدين" الحكومي، في وضح النهار، فيما أطلق عليه منذ ذلك الحين في العراق "سرقة القرن".
ووفق وزارة المالية العراقية، فقد جرى سرقة هذه الأموال ما بين سبتمبر 2021 وحتى أغسطس/ آب 2022.
وتصف "فاينانشال تايمز" هذه الحادثة بأنها "فضيحة فساد واسعة النطاق، تؤرق أروقة السلطة في العراق منذ الكشف عنها".
وهذه الفضيحة قد كُشف أمرها قبل أيام من أداء رئيس الوزراء الجديد، محمد شياع السوداني، اليمين الدستورية.
وتعهد السوداني بأن إدارته ستعطي الأولوية لمحاربة الفساد، الذي استشرى في مفاصل الدولة ومؤسساتها، كما بدأ المسؤول العراقي حملة تطهير علنية ضد مساعدي رئيس الوزراء السابق مصطفى الكاظمي.
لكن السوداني الذي يُفترض أنه شخصية مستقلة، ومدعومة أيضا من قبل بعض الفصائل التي تدور الشبهات حول تورطها في الفضيحة، قد يواجه صعوبة في محاسبة كبار السياسيين العراقيين.
والفساد تفشى في العراق لدرجة أدت إلى تآكل مؤسسات الدولة، التي أقرتها الطبقة السياسية التي تحكم البلاد منذ الإطاحة بالرئيس الراحل صدام حسين في عام 2003.
والنظام العرقي الطائفي، الذي من المفترض أن يهدف إلى تقاسم السلطة، رسخ- بدلا من ذلك- نظاما للمساومة بين الفصائل المتنافسة على المناصب الحكومية العليا، وغذّى المحسوبية داخل الوزارات.
وتورد الصحيفة أن هذا "المخطط الاحتيالي" الأخير تورطت فيه بعض الفصائل السياسية الشيعية المتعارضة فيما بينها، والتي اتحد معظمها هذا الصيف لتسمية السوداني رئيسا للحكومة.
وتهيمن على الحكومة الجديدة تكتلات سياسية مرتبطة بإيران تُعرف بـ"الإطار التنسيقي"، ومليشيات تابعة له، كانت قد اشتبكت مع موالين لزعيم التيار الصدري مقتدى الصدر في أغسطس 2022، في سياق الصراع على تشكيل الحكومة.
شكوك عريضة
ونقلت الصحيفة البريطانية عن 5 أشخاص مطلعين على التحقيقات في قضية "سرقة القرن" أن تلك الفضيحة تثير الشكوك حول كلا الطرفين اللذين يتصارعان على السلطة منذ فترة طويلة.
ومصلحة الضرائب والبنك المركزي ووزارة المالية، هم من الجهات التي يُشتبه في تورطها في فضيحة اختلاس 2.5 مليار دولار.
والسرقة قد كُشفت عندما أعلنت وزارة المالية عن نتيجة تحقيق داخلي، أظهر أنه في الفترة من سبتمبر 2021 إلى أغسطس 2022 أُصدر حوالي 250 شيكا لـ5 شركات.
ثم سحبت الأموال المودعة في حساب ضمان مخصص لتغطية الالتزامات السنوية، في الحسابات التي تسيطر عليها مصلحة الضرائب ببنك الرافدين الحكومي.
كذلك أوردت تصريح وزير المالية السابق، علي علاوي، أنه أبلغ مكتب الكاظمي بهذا المخطط في نوفمبر/ تشرين الثاني 2021، وأعطى تعليمات بوقف المدفوعات من الحسابات دون أخذ موافقة شخصية منه.
لكن المدفوعات استمرت، وفق ما ذكره الوزير، الذي استقال من حكومة الكاظمي في أغسطس 2022؛ لأسباب مرتبطة بضعف الحوكمة اقتصاديا وماليا في البلاد، حسبما زعمت وسائل إعلام محلية حينها.
وفي المقابل، قال مستشار كبير سابق للكاظمي إن مكتب رئيس الوزراء لم يتلق أية "مراسلات رسمية" من علاوي بشأن عملية الاختلاس.
وحسب وزارة المالية، فقد زعمت الشركات المنخرطة في العملية أنها تعمل نيابة عن شركات أكبر، بما في ذلك العديد من شركات النفط العالمية.

لكن تشير "فاينانشال تايمز"، نقلا عن 4 أشخاص مطلعين على التحقيقات، أن 3 شركات كانت قد تأسست قبل شهر واحد فقط من تنفيذ مخطط السرقة.
وفي المحصلة، ذكرت الوزارة أنه تم سحب 3.7 تريليونات دينار عراقي (2.5 مليار دولار) من حسابات بنك الرافدين الحكومي، ما يوازي 2.81 بالمئة من الموازنة العامة للبلاد لعام 2021.
ثم استُخدم بعض تلك الأموال لشراء الدولار من خلال "مزاد الدولار" اليومي، تلك العملية التي يقدم فيها البنك المركزي الدولار إلى البنوك التجارية، ويأخذ ما يقابله بالدينار العراقي، وفق الوزارة.
وقال ثلاثة أشخاص على دراية بالقطاع المصرفي العراقي إنه من المؤكد أن البنك المركزي وبنك الرافدين كانا على علم بمخطط السرقة؛ لأن الزيادة الطفيفة في الدولارات التي تم شراؤها في المزاد كانت أعلى من المعتاد والمبالغ المسحوبة كانت كبيرة جدا.
وأضافوا أن الحجم الهائل من الأموال التي نُقلت بشكل يومي في بغداد كان يتطلب شاحنات مصفحة، الأمر الذي يشير إلى تورط الأجهزة الأمنية الحكومية.
وحتى الآن، أصدر القضاء قرارات بحظر سفر 9 أشخاص من المشتبه بهم، من بينهم خمسة موظفين مدنيين كبار في مصلحة الضرائب ووزارة المالية ومديري الشركات.
وتم اعتقال أحد المتهمين، ويدعى، نور زهير جاسم، عند مدرج مطار بغداد الدولي أثناء محاولته مغادرة العاصمة على متن طائرة خاصة.
أسماء كبيرة
وقال ستة أشخاص مطلعين على التحقيق إن جاسم هو المشتبه به الرئيس وإن القضاء يحقق في علاقته بمساعدي الكاظمي والصدريين وقادة الإطار التنسيقي، بمن فيهم رئيس الوزراء الأسبق، نوري المالكي، وزعيم تحالف الفتح، هادي العامري.
هذا فضلا عن استدعاء أحد مستشاري الكاظمي للاستجواب، إذ يتساءل المحققون عن الدور الذي لعبه كبار المسؤولين في البنك المركزي ووزارة المالية، في هذه القضية.
وحاولت "فاينانشال تايمز" التواصل مع تلك الأطراف المختلفة، لكن امتنع "علاوي"، والأمين العام للإطار التنسيقي عن التعليق، ولم يرد مديرو وزارة المالية والمكاتب الإعلامية للبنك المركزي، والجناح السياسي للتيار الصدري، على الصحيفة.
كما نفى مستشار كبير للكاظمي أي تورط لرئيس الوزراء السابق، ومساعديه المقربين، ووزراء النفط والمالية السابقين في مخطط الفساد.
ويشك محللون في استخدام التحقيق كأداة لتصفية حسابات، حيث يقول مدير مشروع مبادرة العراق في "تشاتام هاوس"، ريناد منصور: "ينجح الفاسدون والأقوياء باستخدام سلطتهم لاستهداف الطرف الأضعف، وغالبا ما تكون آليات مكافحة الفساد هي الأداة السياسية المستخدمة في ذلك".
ويرى مراقبون أنه "في نظام يسوده الفساد والمصالح الضيقة، فمن المرجح أن تتوقف التحقيقات"، حيث يقول الزميل المقيم بمركز القرن، سجاد جياد: "من المتوقع الإطاحة ببعض رؤساء وموظفي البنوك، وبعد ذلك ستُنسى القضية بهدوء".
ويضيف جياد: "يبدو لي أن تلك هي اللعبة الواضحة التي تقودها النخبة السياسية، التي عادت إلى ممارساتها القديمة".
وترى الصحيفة أن العديد من الفصائل السياسية المتنافسة بالعراق التي يُشتبه في تورطها في تلك السرقة، أظهرت استعدادها للتحالف مع بعضها لتحقيق مكاسب مالية.
وتختم "فاينانشال تايمز" بقول "منصور" إن "الفساد هو النظام السياسي في العراق!"
















