حرب الذاكرة.. هكذا يزوّر الاحتلال التاريخ الفلسطيني في مدارس القدس
.jpg)
"لا لأسرلة التعليم، معا للحفاظ على هوية أبنائنا، من حقنا اختيار كتب أطفالنا"، شعارات رفعها أولياء الأمور في مدينة القدس المحتلة في وجه سلطات الاحتلال رفضا للمنهاج الإسرائيلي المحرف.
وهذه الشعارات رفعها القائمون على المدارس وأهالي الطلبة ولجان أولياء الأمور في القدس في عدة وقفات احتجاجية أخيرا، للمطالبة بحقوق الطلبة من مواصلات وخدمات وطرق آمنة للوصول لمدارسهم، وتأكيدا على حق أبنائهم في تدريس المنهاج الفلسطيني.
وتدور معركة في القدس منذ بداية العام الدراسي نهاية أغسطس/ آب 2022 عنوانها المنهاج الدراسي الذي تحاول سلطات الاحتلال فرضه على جميع المدارس في المدينة.
بداية القصة
نهاية يوليو/تموز 2022 أقرت ما تسمى وزارة المعارف (التربية والتعليم) الإسرائيلية إلغاء التراخيص الدائمة لمدارس فلسطينية بالقدس المحتلة بسبب ما قالت إنه "تحريض ضد الدولة والجيش في الكتب المدرسية".
وهددت الوزيرة يفعات شاشا بيتون بإلغاء رخصة كل مؤسسة تعليمية تحتوي مناهجها تحريضا على "دولة إسرائيل ورموزها".
جاء ذلك بعد سلسلة من عمليات تفتيش لتلك المدارس نفذتها إدارة الرقابة والتطبيق في الوزارة الإسرائيلية، وصلت إلى حد انتقاء كتب من حقائب الطلبة داخل الصف الدراسي، واستدعاء مديري المدارس إلى لجنة استماع.
لينتهي الأمر بحرمانهم من رخصة التشغيل الدائمة، واستبدال أخرى مؤقتة بها لمدة عام، تعمل المدرسة خلالها على إزالة بعض المضامين شرطا لإعادة الرخصة.
وخلال أغسطس أرسلت الوزارة رسالة إلى عدة مدارس بعنوان "كتب مدرسية تحتوي على محتوى تحريضي في مدارس القدس الشرقية".
والمدارس المذكورة هي الكلية الإبراهيمية في حي الصوانة، والتي تأسست عام 1931، ومدارس الإيمان بفروعها الخمسة في أنحاء القدس المحتلة، والتي تأسست عام 1984.
وزعم القرار الإسرائيلي الأخير أن "التحريض" ورد في بعض كتب الصف الثالث والسابع والتاسع عبر تمجيد الأسرى وكفاحهم المسلح ضد الاحتلال، واتهام الأخير بالمسؤولية عن أزمة الماء في أراضي السلطة الفلسطينية.
وأيضا الحديث عن احتلال فلسطين والجرائم بحق شعبها، وسرد قضايا النكبة عام 1948 والمذابح والهدم والاعتقال والاستيطان وجدار الفصل، بالإضافة إلى عرقلة واستهداف الطواقم الطبية الفلسطينية.
وتصنف المدارس المستهدفة على أنها خاصة أهلية وتضم أكثر من ألفي طالب مقدسي وتتمتع بمعايير الجودة العالمية.
وثمة 4 أنواع من المدارس في شرق القدس: إسرائيلية، وخاصة، وفلسطينية رسمية تابعة للسلطة، والرابعة تتبع لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين "أونروا".
وباستثناء الإسرائيلية، تدرس المدارس الثلاث الأخرى المنهاج الفلسطيني غير المحرف، ويبلغ عددها 135. أما النوع الأول فهو يتبع لبلدية الاحتلال في القدس، وعددها 85 مدرسة، بعضها استولت عليها تل أبيب منذ عام 1967، وأخرى بنتها خلال السنوات الماضية.
وتمس الإجراءات الإسرائيلية نحو 98 ألفا و428 طالبا وطالبة في كافة المراحل الابتدائية والإعدادية والثانوية بالقدس، وفقا لبيانات مؤسسة فيصل الحسيني (تعمل في مجال تنمية وتطوير التعليم في المدينة)، التي نشرتها مطلع يوليو 2022.
ويتوجه قرابة 45 ألفا و500 طالب وطالبة منهم إلى 146 مدرسة تتبع لمظلة التعليم الفلسطينية أو تدرس مناهجها، فيما يتوجه البقية إلى المدارس التابعة لإدارة وزارة المعارف الإسرائيلية.
ووفقا للقانون الإسرائيلي، لا يمكن تفعيل أي مدرسة في شرق القدس دون ترخيص صادر عن وزارة المعارف الإسرائيلية، وبالتالي فإن كل المدارس الأهلية والبلدية تحصل على ترخيص منها.
وكانت أغلب تلك المدارس تدرس المنهاج الفلسطيني، لكن الأوضاع بدأت بالتغير منذ 2011 عندما طبعت إسرائيل كتبا جديدة لفرضها على تلك المؤسسات.
وبدأت محاولات تغيير المنهاج منذ احتلال القدس عام 1967 من خلال إعادة طباعة الكتب الصادرة عن وزارة التربية والتعليم الفلسطينية، بعد حذف المضامين الوطنية منها، وإضافة أخرى محرفة.
ماذا يحتوي؟
أظهرت صور تداولها الأهالي نسف المنهاج المحرف لأي شيء يتعلق بفلسطين وتاريخها والنكبة التي تعرضت لها عام 1948.
ومن الصور المتداولة يظهر أن إسرائيل وليس فلسطين المحتلة يجاورها عدة دول هي الأردن ومصر ولبنان وسوريا.
كما أظهرت صورة مقطعا من قصيدة تتحدث عن "نشيد الاستقلال" الإسرائيلي المزعوم للدولة التي تأسست على أنقاض الأراضي الفلسطينية المحتلة.

وأطلق المنهج المحرف على حائط البراق في القدس اسم "حائط المبكى" مدعيا أنه من أهم الأماكن المقدسة لدى اليهود، كما عرف بأبرز أعيادهم وعطلتهم في يوم السبت.
صور متداولة من المنهاج الذي يريد الاحتلال فرضه على مدارس القدس، وأعلن الإضراب في مدارس القدس رفضاً له#فلسطين #الكيان_المؤقت #القدس #الخنادق pic.twitter.com/fuq1kCRDzk
— موقع الخنادق (@AlKhanadeq) September 22, 2022
وقال الناطق الإعلامي باسم اتحاد المعلمين الفلسطينيين في القدس أحمد الصفدي، إن "المنهاج المحرف يعد خطيرا؛ إذ يشطب الرموز المقدسية كالعلم الفلسطيني".
وبين في تصريح صحفي في 19 سبتمبر أن المنهاج "يحرف الحقائق مثل استخدام تسمية جبل الهيكل بديلا عن المسجد الأقصى المبارك، والاحتفال بعيد الاستقلال بديلا لفعاليات إحياء النكبة الفلسطينية، في معركة تسميم الوعي الفلسطيني".
بدوره، يوضح الباحث المتخصص في شؤون القدس زياد ابحيص أن المنهاج المحرف الذي يجري التحرك لرفضه هو إعادة طبع لمنهاج السلطة الفلسطينية مع تبييض كل كلمة أو صورة أو صفحة أو درس لا يعجب رقابة الاحتلال، وإزالة كل ما يرمز إلى فلسطين أو إلى السلطة الفلسطينية.
وأردف في مقال نشره "المركز الفلسطيني للإعلام" في 19 سبتمبر أن "هذا المنهاج يعكس رؤية الصهيونية تجاه أهل القدس وتجاه الفلسطينيين عموما، إذ تراهم عبئا بشريا فائضا عن الحاجة، وترى وجودهم تحت سلطتها خطيئة تاريخية".
"لذا، هي لا تحاول دعوتهم للانضمام إلى الصهيونية عبر مناهج استيعابية ولو من باب الوهم، بل هي معنية ببرمجتهم المبكرة على تقبل الرقابة من سلطة عليا وجدت لتتحكم بمصائرهم كما تتوهم، وأن عليهم أن يكونوا مادة بشرية مفرغة من المحتوى، لا فلسطينية ولا صهيونية، تصلح فقط لأن تكون يدا عاملة رخيصة وسوقا استهلاكية، وفق قوله.
وأكد أن سلطات الاحتلال تحاول فرض هذا المنهاج اليوم على المدارس الأهلية، مستفيدة من وقوع إدارات تلك المدارس في فخ "تلقي الدعم" من بلدية الاحتلال بكونه "حصتنا من الضرائب"، خصوصا وأن هذا "الدعم" الموهوم بدأ غير مشروط وها هو اليوم ينتهي مشروطا جدا بالخبث الصهيوني المعهود.
إجراءات مضادة
رد أولياء الأمور والقائمون على المدارس تجاه محاولات فرض المنهاج المحرف والتهديد بالإغلاق، بتنفيذ إضراب شامل في 19 سبتمبر في كافة مدارس القدس المحتلة، رفضا لمحاولات الاحتلال الإسرائيلي فرض المنهاج.
وجاء الإضراب استجابة لدعوات أطلقتها القوى الوطنية والإسلامية في المدينة المقدسة لالتزام كافة المدارس بالإضراب رفضا لأي شكل من أشكال فرض المناهج الإسرائيلية أو المنهاج المحرف.
وأعلنت عائلات مقدسية التزامها بالإضراب، مع عدم إرسال أطفالها ومعلميها إلى مدارسهم.
وفي ذلك اليوم أغلقت 150 مدرسة عربية في القدس أبوابها في وجه محاولات حكومة الاحتلال فرض المنهاج الإسرائيلي وما يحتويه من تزييف وتحريف للرواية التاريخية على الطلبة بديلا للمنهاج الفلسطيني في معركة مستمرة منذ سنوات حول الرواية التاريخية.

وحملت القوى الوطنية في بيان مشترك مع أولياء أمور القدس إدارة أي مدرسة المسؤولية الوطنية والأخلاقية والدينية ودعتها إلى عدم الخروج عن إجماع الأهالي وخرق الموقف الوطني.
ودعت الحكومة الفلسطينية إلى توفير البدائل الحقيقية، وتأمين الاحتياجات الفعلية والموارد اللازمة لحماية المؤسسات التعليمية والمنهاج الفلسطيني.
ورفضت القوى كافة أشكال الابتزاز المالي الذي تمارسه وزارة المعارف والبلدية على إدارات المدارس في القدس وسياسة التهديد العلني والمبطن تجاهها.
ومع بداية العام الدراسي وزعت لجنة أولياء أمور في القدس المنهاج الفلسطيني على الطلاب أمام بوابات المدارس المهددة بالإغلاق النهائي.
وقال رئيس اللجنة المركزية لمدارس الطور مفيد أبو غنام إن "الإضراب هو رسالة أولى لسلطات الاحتلال بأننا لن نرضى بالمنهاج الفلسطيني المحرف ولن نقبل بأسرلة الفكر والثقافة والعقيدة لدى أطفالنا".
وأوضح لمنصة القسطل الإخبارية المقدسية أن "جميع الأهالي لم يرسلوا أطفالهم إلى المدارس، وهو أمر يدل على مدى الوعي الشعبي فكريا وثقافيا ودينيا".
وبين أن "هذه خطوة أولى، وإن لم يتراجع الاحتلال عن المشروع الاستعماري ستكون هناك خطوات تصعيدية أخرى كتنفيذ اعتصامات وإضرابات حسب ما تتطلبه المرحلة القادمة".
تغطية صحفية : "هناك خطوات تصعيدية قادمة حسب ما يتطلبه الوضع مستقبلاً" .. مفيد أبو غنام عضو اللجنة المركزية لمدارس الطور خلال حديثه عن إضراب شامل في مدارس القدس ضد محاولات الاحتلال فرض منهاج محرف على الطلبة" pic.twitter.com/C0Kg4PyRKN
— AlQastal القسطل (@AlQastalps) September 19, 2022
تحريف وطمس
وفي 27 أغسطس قالت وزارة التربية والتعليم الفلسطينية إن تحريف سلطات الاحتلال الإسرائيلي كتبنا كما يحلو لها، وإعادة طباعة الكتب المحرفة والإبقاء على أسماء مؤلفيها هو جناية سيجري مقاضاتها عليها.
وأضافت "التربية" أن سلطات الاحتلال تشن هجمة شرسة وغير مسبوقة على التعليم الفلسطيني في القدس العاصمة، كجزء لا يتجزأ من خططها لضمها ومحو كل ما هو فلسطيني من معالمها المادية والمعنوية والروحية وطمسها وتشويهها.
وأبرز انتهاكات الاحتلال بحق التعليم هو تحريف الكتب المدرسية الفلسطينية وتزويرها، وتهديد المدارس الفلسطينية على تبني الكتب المحرفة بالإكراه، والضغط عليها لاستحداث برامج التعليم (الإسرائيلية) المعتمدة لديها، وفق الوزارة.
وأوضحت أن المدارس الخاصة والأهلية والأجنبية تلتزم بالحصول على رخصة مزاولة من الوزارة، طبقا للوائح والتعليمات المرعية استنادا إلى القانون الأساسي الفلسطيني، وقانون التربية والتعليم، ويشترط الترخيص التزام تلك المدارس بالمناهج والكتب والامتحانات التي تعتمدها فلسطين.
بدوره، قال رئيس الحكومة محمد اشتية في الاجتماع الوزاري الأسبوعي بعد منتصف سبتمبر، إن محاولات فرض المنهاج الإسرائيلي على المدارس الفلسطينية في القدس المحتلة يأتي في إطار سياسة التهويد والتهجير.
وجدد اشتية، بمستهل الجلسة الأسبوعية للحكومة برام الله، الدفاع على المنهاج الفلسطيني، رافضا أيضا محاربة المحتوى الفلسطيني عبر موقع "فيسبوك".
أما حركة المقاومة الإسلامية "حماس" فبينت أن سياسة "أسرلة" التعليم حرب فكرية وثقافية، لن تنجح في كي الوعي الوطني للفلسطينيين، وستتحطم على صخرة ثبات أهلنا وطلابنا في القدس، وإدراكهم لحجم جريمة الاحتلال الرامية لتشويه الهوية الوطنية في عقول الجيل الناشئ وذاكرة الشعب الفلسطيني الحية".
وأكد الناطق باسم حركة حماس عن مدينة القدس محمد حمادة، وجوب دعم أولئك الأهالي وإسنادهم من القوى الأهلية والمؤسسات الوطنية كافة، لتثبيت موقفهم وإفشال مؤامرة الاحتلال لتزييف الوعي لدى أجيالنا الناشئة.
من جانبها، قالت وزارة شؤون القدس إن الحكومة الإسرائيلية وبعد فشلها في إقناع المدارس والطلاب وأولياء الأمور بقبول المنهاج الإسرائيلي فإنها تحاول الآن فرضه بالقوة أو على أقل تقدير اعتماد مناهج تتبنى الرواية الإسرائيلية وتشطب الهوية الفلسطينية.
وأكدت في بيان عقب سحب تراخيص المدارس رفضها وإدانتها لكل المحاولات الإسرائيلية لأسرلة التعليم في مدينة القدس من خلال الضغوط التي صعدها الاحتلال أخيرا.
وقالت إن "محاولة فرض تغيير المناهج الفلسطينية هو بمثابة إعلان حرب على الهوية الفلسطينية العربية للمدارس الفلسطينية بالمدينة".
وتابعت "كما فشلت جميع المحاولات الإسرائيلية منذ بدء الاحتلال عام 1967، والتي تتكرر مع اقتراب كل عام دراسي جديد، فإن هذه الضغوط العنصرية ستفشل على صخرة صمود المدارس وأولياء الأمور والطلاب".
وعدت ما يجري محاولة مكشوفة ومرفوضة ومدانة لتشويه التاريخ الفلسطيني واستبداله بالرواية الإسرائيلية، وهو ما لن يقبل به ولو حتى أصغر طفل فلسطيني.
















