الصناعات الدوائية بمناطق الأسد.. ما الذي يعيق سيطرة إيران على القطاع؟
.png)
منذ عام 2011، يجتهد نظام بشار الأسد في سوريا للحفاظ على الصناعات الدوائية بمساعدة حليفته إيران التي استثمرت بقوة في هذا القطاع.
وسعى النظام السوري إلى إبقاء عجلة الصناعات الدوائية دائرة في بلد كان ينتج مئات الأصناف من الدواء ويكفي 93 بالمئة من سوقه المحلي ويصدر إلى 56 دولة حول العالم.
وعقب اندلاع الثورة الشعبية ضد الأسد في مارس/آذار 2011، تضررت صناعة الدواء بفعل العمليات العسكرية والعقوبات الدولية عليه.
فمنذ البداية، اعتمد النظام السوري على حليفته الأساسية إيران في حربه ضد الشعب، وفي سد حاجته من نقص الأدوية بعد تضرر القطاعين العام والخاص العملاقين؛ ونتيجة لذلك بدأ الزحف الإيراني نحو الصناعات الدوائية عبر تلك الثغرة.
إذ لم يغب نظر إيران عن الاستثمار في الصناعات الدوائية السورية خلال العقد الأخير، بل راحت تؤسس لنوع من الشراكة في هذا القطاع الاستثماري الرابح.
وفي 6 يونيو/حزيران 2022، بحث رئيس حكومة النظام السوري حسين عرنوس مع وزير الصحة والعلاج والتعليم الطبي الإيراني بهرام عين اللهي، توسيع التعاون بينهما في مجالات الصناعات الدوائية والمعدات والمستلزمات الطبية والأبحاث العلمية.
وأعرب وزير الصحة الإيراني عن رغبته في تفعيل التعاون الثنائي بالقطاعين الصحي والعلمي، وتبادل الخبرات في مجال الصناعات الدوائية بما ينعكس عمليا على أرض الواقع.
تاريخ عريق
وكانت سوريا تحتل المرتبة الثانية بعد الأردن في تصدير الدواء، حيث دخلت مجال صناعة الأدوية عند تأسيس شركة "تاميكو" للصناعات الدوائية الحكومية 1956.
وأسهمت شركتا "تاميكو" و"الديماس" الحكوميتان للصناعات الدوائية في تصدير المنتجات السورية في هذا المجال منذ نهاية ثمانينيات القرن العشرين إلى 54 دولة عربية وأجنبية بما فيها الدول الإفريقية.
وشركة "تاميكو" للصناعات الدوائية الحكومية تأسست عام 1956 وأممت عام 1970 وتختص في مجال صناعة الأدوية وتطويرها، وجرى تدمير مقرها الرئيس في ريف دمشق بمارس 2013، مما دفعها للبحث عن مستثمر.
أما شركة ديماس للصناعات الدوائية الحكومية، فتأسست عام 1967، وهي تتبع لوزارة الدفاع ولعبت دورا بتزويد المشافي التابعة للوزارة بالأدوية والمضادات الحيوية والمسكنات على مدى العقد الأخير خلال المعارك مع المعارضة.
وبحسب نقيب صيادلة سوريا، محمود الحسن، فإن الدواء المحلي يصدر حاليا إلى نحو 16 دولة حدد منها العراق فقط، بينما يؤكد مطلعون أنه يصدر كذلك إلى روسيا والأردن ولبنان والسودان وموريتانيا واليمن.

وحتى عام 2010 كان يوجد في سوريا إلى جانب "تاميكو" و"الديماس" التابعتين للقطاع العام، نحو 64 شركة تابعة للقطاع الخاص.
لكن الصناعات الدوائية السورية، تلقت ضربة كبيرة بعد فرض عقوبات أوروبية وغربية على نظام الأسد.
وأثر ذلك على قدرة تلك الشركات في استيراد المواد الأولية للتصنيع ومواد التعبئة والتغليف والمعدات وأجهزة الرقابة لدى دول المنشأ وارتفاع أجور الشحن وحوامل الطاقة.
وكذلك ارتفاع الرسوم الجمركية والمرفئية، فضلا عن تدمير معظم تلك المصانع جراء القصف والمعارك بين قوات الأسد وفصائل المعارضة.
وأدى ذلك إلى نقص الدواء وارتفاع أسعاره بحكم انهيار الليرة السورية، وارتفاع تكاليف المواد الأولية التي كانت تأتي تهريبا من لبنان المجاور.
وتؤمن معامل الأدوية الحالية في مناطق نفوذ النظام السوري نحو 93 بالمئة من حاجة السوق المحلي من خلال 70 معملا قيد الإنتاج والعمل، وتتوزع في محافظات ريف دمشق فحلب وحمص وحماة وطرطوس واللاذقية بواقع تصنيع نحو 8000 صنف دوائي.
وتنتج تلك المعامل حاليا كل المستحضرات الطبية، باستثناء أدوية السرطان والهرمونات، إضافة إلى مستحضرات الحقن والكريمات والمعقمات والكبسولات والمحافظ والأقراص الملبسة والمحاليل والقطرات.
وكذلك المعلقات الجافة والأدوية السائلة التي تعالج الأمراض المزمنة كالسكري والضغط والقلب ومضادات الحساسية والالتهابات والكورتازون وأدوية التخدير.
استثمار إيراني
وتوجد نحو 10 معامل خاصة متوقفة نتيجة تضررها، وأكثرها في حلب، كما يوجد 20 معملا مرخصا قيد التجهيز لبدء العمل والإنتاج في مناطق نفوذ النظام السوري.
وحتى عام 2021 ارتفعت أسعار الدواء في سوريا بنسبة 60 بالمئة، في وقت كان الدولار الواحد يساوي 50 ليرة عام 2011، بينما حاليا وصل إلى 4 آلاف ليرة.
وقبل عام 2011 كانت قيمة السوق الدوائية بسوريا، تتراوح بين 500 و600 مليون دولار، في بلد يبلغ عدد سكانه 23 مليون نسمة، بات 13 مليونا منه حاليا بين نازح داخليا أو لاجئ خارجيا جراء آلة الأسد العسكرية.
وعبر إيران، يطمح نظام الأسد إلى إعادة صناعة الأدوية السورية إلى سابق ألقها وتطورها، ولا سيما أن طهران وضعت عينها على هذا القطاع منذ عام 2013.
وتجلى ذلك، حينما ساهمت إيران عام 2015، في إعادة تشغيل بعض خطوط إنتاج شركة "تاميكو" من أصل 14 خطا كان يعمل قبل 2011.
كما سبق وأكد فهد درويش رئيس اللجنة العليا للمستثمرين في المناطق الحرة ومدير عام شركة بركة - فرع سوريا، في يناير/كانون الثاني 2018، عقد شراكة مع بركة.
وهي من الشركات الكبيرة في إيران وتمتلك تسعة معامل أدوية فيها وتنتج الأدوية السرطانية وكافة أنواع الأدوية.
وحينها كشف درويش وهو رجل أعمال بارز في سوريا وحاصل على الجنسية الإيرانية ويعد اليد الأولى لتمرير الهيمنة الاقتصادية الإيرانية بهذا البلد، عن العمل لإقامة معمل إيراني - سوري للأدوية، من دون أن يفصح بأي محافظة.
ووقتها وضعت الشركة هدفا يتمثل بسد احتياجات السوق السورية من الأدوية النوعية، وإعادة تصدير فائض إنتاجها للبلدان الأخرى المجاورة كلبنان والأردن تحديدا.
قطاع متماسك
ويؤكد الصيدلي منير منصور لـ "الاستقلال"، أن "النظام السوري ركز منذ عام 2011 على الصناعات الدوائية وعمد إلى تحصينها ومنعها من أن تخرج من قائمة مدخولاته بالنقد الأجنبي أو انهيار هذه الصناعة الرابحة".
وأردف منصور قائلا: "لذلك عمد النظام على تذليل الصعوبات التي تواجه هذه الصناعة عبر الإيعاز للمصرف المركزي بتمويل المستوردات من المواد الأولية اللازمة للصناعات الدوائية من خلال طرح أسعار تفضيلية خاصة بالقطاع الدوائي تبلغ 700 ليرة سورية للدولار بينما سعر الدولار في السوق حاليا يساوي 4 آلاف".
وتابع منصور قائلا: "وكذلك ألغى النظام مؤونة الاستيراد البالغة 40 بالمئة من قيمة المستوردات".
كما خفض عمولات تحويل قيمة المستوردات بالقطع الأجنبي بنسبة 5 بالمئة.
وبين أن "القطاع الدوائي ما يزال متماسكا في مناطق نفوذ النظام السوري لكون آلية تسعير الأصناف الدوائية تصدرها وزارة الصحة وتحدثها باستمرار".
وأضاف منصور أن "إيران كان لها إسهامات في تماسك الصناعات الدوائية خاصة التابعة للقطاع العام وتزويده بالمواد الأولية وسد نقص المشافي والمراكز الصحية ببعض الأدوية".
ويرى أن "اهتمام إيران بالقطاع الدوائي يعود إما لتوريد منتجات إيرانية إلى السوق السورية وربما تصنيعها محليا، أو ربط القطاع الخاص بنظيره السوري بما يتعلق بالمواد والدعم الفني وغيره بمعنى التأسيس والترابط لعمل طويل الأمد".

وفي يناير 2018 أقامت السفارة الإيرانية بدمشق واللجنة العليا لتنمية العلاقات الاقتصادية السورية الإيرانية، المعرض التخصصي للصناعات الدوائية والغذائية والتجهيزات الطبية الإيرانية في فندق الداما روز بالعاصمة دمشق.
وحينها استطلعت لأول مرة نحو 40 شركة إيرانية متخصصة بالصناعات الدوائية والغذائية والتجهيزات والمعدات الطبية إمكانيات العمل المشترك مع الجانب السوري حكومة وقطاعا خاصا، خلال زيارة إلى دمشق.
وتفرض وزارة الصحة في حكومة الأسد، تأمين حاجة المشافي العامة والمراكز الصحية التابعة للجهات العامة من الدواء وفق حصص متساوية بين جميع شركات الصناعات الدوائية، بهدف ضبط عمليات التهريب أو زيادة التصدير.
مصدر نفع
ونظرا لقوة إيران في الصناعات الدوائية، ركزت على إقامة معارض مشتركة في سوريا بهدف إتاحة المجال للمستثمر والمصنع الإيراني ليكونا على تماس مع تلك السوق وحاجتها الدوائية.
إذ كانت إيران قبل الثورة الإسلامية عام 1979، فيها 45 شركة أجنبية متعددة الجنسيات لصناعة الدواء وتسد الحاجة المحلية، قبل أن تغادر بعد العام المذكور.
أما حاليا ورغم العقوبات الدولية، فإن 97 بالمئة من الأدویة الضروریة تنتج بواسطة شرکات الأدویة المحلیة الإيرانية، وهي تتبوأ المرکز الرابع آسیویا في موضوع الأدویة البیولوجیة، وفق رئيس منظمة الغذاء والدواء الإيراني بهرام دارائي.
وتسعى إيران خلال السنوات الأربع القادمة لتصدیر أدویة تقدر بقیمة ملیار دولار إلی مختلف الدول، وفق ما قال دارائي لقناة العالم الناطقة باللغة العربية في 23 مارس 2022.
وفي هذا الإطار، قال الأكاديمي الباحث في "معهد الشرق الأوسط بواشنطن"، كرم شعار لـ "الاستقلال"، إن "المجال الدوائي في إيران وسوريا من القطاعات النشطة اقتصاديا، ولذلك التعاون فيه قد يكون مصدر نفع للطرفين".
واستبعد أن تسعى طهران للسيطرة على هذا القطاع في سوريا، "لأن الصناعات الدوائية هناك ليست ضمن القطاع العام بالأصل يمكن لنظام الأسد أن يقدم تنازلات فيه".

واستدرك الشعار قائلا: "إنما الصناعات الدوائية بسوريا مملوكة بغالبيتها الكاسحة للقطاع الخاص، وبالتالي من الصعب تغيير الملكيات ببساطة".
ولفت الأكاديمي، إلى أنه "يمكن أن يكون هناك تأهيل لبعض المصانع التابعة للقطاع العام مثل تاميكو من قبل إيران، والتي تعرضت للتدمير خلال السنوات السابقة".
وما من شك أن طهران استغلت كل قدراتها المالية والعسكرية لحماية نظام الأسد من السقوط منذ تدخلها عسكريا لوأد الثورة السورية عام 2012.
وعوضت إيران خسائرها بعقد اتفاقيات مع النظام تضمن مصالحها لعقود قادمة في سوريا ذات الأهمية الإستراتيجية، كونها تشكل ممرا بريا يصل طهران بلبنان، وتطل من بيروت على مياه البحر المتوسط ثم إلى أوروبا.
وباتت إيران تمتلك حاليا نحو مئة ألف عنصر مقاتل لها على الأرض السورية، وهي ماضية في إستراتيجيتها بالسيطرة على القطاعات الاقتصادية والاستثمارية الرابحة في سوريا وفتح منافذ لتصريف منتجاتها.
ولأجل ذلك تغلغلت منذ عقد عسكريا واقتصاديا ودينيا وتمددت في القطاع التعليمي الجامعي والابتدائي، حتى تمكنت من تفكيك اقتصاد الدولة السورية، وانتزاع حصص تعد من الثروات السيادية، وكل ذلك لقاء دعمها المالي لمنع سقوط الأسد، ومقابل أموالها التي صرفتها في البلاد.

















