من الهجوم إلى الدفاع.. كيف انخفض سقف طموح السعودية في حرب اليمن؟

سام أبو المجد | منذ ٥ أعوام

12

طباعة

مشاركة

لم يدر بخلد أحد أن المملكة العربية السعودية عندما قادت التحالف العربي لإطلاق عملية عسكرية في اليمن قبل أكثر من 5 سنوات سيكون مطلبها في نهاية المطاف إنشاء منطقة عازلة تحمي أراضيها من أي هجوم محتمل من قبل جماعة الحوثي.

وكالة رويترز ذكرت في 17 نوفمبر/تشرين الثاني 2020، أن السعودية أبلغت جماعة الحوثي في اليمن عبر محادثات رفيعة المستوى بأنها ستوقع على اقتراح للأمم المتحدة بوقف إطلاق النار على مستوى البلاد إذا وافقت الجماعة على إقامة منطقة عازلة على طول الحدود الجنوبية للمملكة.

السعودية التي أطلقت عمليتها العسكرية في 26 مارس/آذار 2015، أعلنت وقتها عن سقف مطالب عجزت عن تحقيقها جميعا، لتستقر في نهاية المطاف على طلبها بحماية أرضها من أي هجمات حوثية، لينخفض بذلك السقف ويتحول موقف الرياض من الهجوم إلى الدفاع.

الأهداف المعلنة عند إطلاق العملية العسكرية تمثلت في القضاء على تمرد جماعة الحوثي، وإعادة الشرعية لليمن، لكن الرياض بما تملكه من ترسانة عسكرية هائلة لم تتمكن من تحقيق هذا ولا ذاك، بل على العكس أسهمت بتعزيز موقف الحوثي، وإضعاف الشرعية وتقويض سلطتها في اليمن، وفق مراقبين.

وفيما يبدو أن السعودية قلقة من عدم التزام الحوثيين بالالتزام بالعرض الذي كشفته رويترز حيث طلبت الرياض مزيدا من الضمانات الأمنية من الحوثيين بالالتزام بالاتفاق فيما لو تم توقيعه، إلى أن يتم تشكيل حكومة انتقالية تدعمها الأمم المتحدة.

وفي المقابل، وفق رويترز، ستخفف المملكة الحصار جويا وبحريا في إطار اقتراح الأمم المتحدة الخاص بوقف إطلاق النار، والذي يشمل بالفعل إنهاء الهجمات عبر الحدود، ومن شأن هذا الاتفاق لو تم، أن يعني الاعتراف بجماعة الحوثي، وتهميش الشرعية.

إنكار ونفي 

جماعة الحوثي نفت أن يكون هناك أي محادثات مع السعودية، وغرد رئيس اللجنة الثورية العليا بالجماعة محمد علي الحوثي على تويتر: "تسريب رويترز بشأن مناطق فاصلة بين الجمهورية اليمنية والمملكة اعتمد على مكتبها في الإمارات".

مضيفا: أن "مكتبها بث أخبارا غير صحيحة، قد تكون خدمة لفصائل تتبع الإمارات للضغط النفسي على آخرين من فصائل الارتزاق مع احتدام المعركة"، وفق قوله.

من جهتها، نفت السعودية ما ورد عن وكالة رويترز، وقال السفير السعودي بالأمم المتحدة، عبد الله المعلمي: إن السعودية لا تجري مفاوضات مع طرف غير معترف به، في اليمن، رغم انفتاحها على التواصل مع كل فئات الشعب اليمني، بدون استثناء.

وأكد المعلمي في تصريحه الذي نقلته قناة "الشرق" السعودية، أن "موضوع المنطقة العازلة موضوع عسكري يبحث بين القيادة في السعودية واليمن، ويتم الاتفاق عليه حسب الأصول المرعية".

ما تنفيه الرياض أكدت رويترز أنها نقلته عن 3 مصادر مطلعة، وأضافت: أن "الطرفين اللذين عقدا مباحثات عبر الإنترنت، رفعا في الآونة الأخيرة مستوى التمثيل في المحادثات ليشارك فيها محمد عبد السلام كبير مفاوضي الحوثيين ومسؤول سعودي أكبر".

وعادة ما تنفي السعودية أي محادثات مع جماعة الحوثي غير أن تقارير صحفية تؤكد أن محادثات سرية تجريها السعودية مع جماعة الحوثي.

صحيفة وول ستريت جورنال الأميركية كشفت في سبتمبر/أيلول 2019 أن واشنطن دفعت الرياض لإجراء محادثات مع جماعة الحوثي في عمان يقودها السفير الأميركي في اليمن كريستوفر هينزل.

المحادثات أجريت عقب زيارة أجراها الأمير خالد بن سلمان نائب وزير الدفاع السعودية، التقى خلالها بوزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو، "بعد أن تبين أن الخيار العسكري الذي شنه التحالف لم يعد قابلا للتطبيق"، حسب الصحيفة الأميركية.

هزيمة مخزية

برأي متابعين، مثلت هذه النهاية للعملية العسكرية هزيمة مخزية للسعودية التي شعرت بالورطة بعد أن انزلقت في مستنقع اليمن، وتسعى للخروج منه بأي شكل يحفظ ماء الوجه.

شعور المملكة بالورطة تزايد بعد فوز المرشح الديمقراطي في الانتخابات الأميركية جو بايدن، الذي سبق وأعلن خلال حملته الانتخابية أنه سيوقف تزويد السعودية بالسلاح الذي تستخدمه في حرب اليمن.

دلائل ذلك الانهزام هو عدم تحقيق الرياض أهدافها في تحييد سلاح الحوثي وإنهاء تمرده، وعدم تمكين الشرعية، علاوة على ذلك فقد تلقت السعودية ضربات موجعة خلال العامين الآخرين، باستهداف منشآتها النفطية ومطاراتها وبنيتها التحتية بالطائرات الحوثية المسيرة.

وحسب تقرير مجلة فورين بوليسي في أكتوبر/تشرين الأول 2019، فإن إنهاء الحرب في اليمن قد اكتسب إلحاحا جديدا في أعقاب الهجمات الحوثية على منشآت شركة أرامكو النفطية السعودية، التي أعادت إلى الوطن مخاطر حرب ساخنة مع إيران بينما أحدثت فجوة في المظلة الأمنية الأميركية.

وبخلاف فشل التحالف العربي الذي تقوده السعودية في تحقيق أهدافه العسكرية في اليمن، فقد لحقت بالرياض سمعة سيئة خلال الخمس السنوات الأخيرة، إثر ارتكابها انتهاكات وجرائم حرب ضد مدنيين في اليمن، واستهدافها المستشفيات والمدارس والبنى التحتية.

كانت الأمم المتحدة قد أصدرت في أحدث تقرير لها في 29 سبتمبر/أيلول 2020 قالت فيه: إن هناك أدلة معقولة على ارتكاب السعودية والإمارات جرائم حرب في اليمن.

وقالت المنظمة في تقريرها المكون من 55 صفحة والمقدم لمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة: إن 122 ألف شخص في اليمن قتلوا، من بينهم 12 ألف مدني تم رصدهم.


 

تكلفة باهظة

الخسارة السعودية التي لحقت بالسعودية لم تقتصر على عجزها عن تحقيق الأهداف بل تتمثل بالفاتورة الباهظة التي أنفقتها السعودية في الحرب.

وحسب تقرير نشرته مؤسسة جيمس تاون للأبحاث والدراسات في 15 مايو/آيار 2020، فإن السعودية تنفق ما معدله 5 مليارات دولار شهريا على عمليتها العسكرية في اليمن، أي ما يصل لـ 300 مليار دولار في 5 سنوات.

في حين قدرت مجلة التايمز البريطانية كلفة حرب السعودية في اليمن بنحو 200 مليون دولار يوميا، أي 72 مليار دولار سنويا، ما يعني أن فاتورة الحرب في 5 سنوات بلغت نحو 380 مليار دولار.

وتغطي هذه التكلفة الطلعات الجوية التي ينفذها سلاح الجو السعودي، ففي مارس/آذار 2018، أعلنت قوات التحالف بقيادة السعودية أن عدد الطلعات الجوية التي نفذها طيرانه في اليمن بلغت أكثر من 90 ألف طلعة.

وحسب مقاييس القوات الجوية الأميركية فإن الطلعة الواحدة تكلف من 84 ألفا إلى 104 آلاف دولار، وكانت تقارير سعودية قد أشارت إلى أن تكلفة الطائرة الواحدة المشاركة بالحرب تصل إلى 230 مليون دولار شهريا، وهي تكلفة تشمل التشغيل والذخائر والصيانة.

ولا تقتصر التكلفة على الطلعات الجوية التي تنفذها الطائرات السعودية في اليمن ولا على الصواريخ التي تطلقها على أهدافها في اليمن، بل تشمل أيضا تكلفة منظومة الدفاع الصاروخية المجهزة لاعتراض الصواريخ الباليستية التي تطلقها جماعة الحوثي على أهداف في المملكة.

وتبلغ تكلفة صاروخ الباترويت 3 ملايين دولار، ولإسقاط صاروخ باليستي واحد يتطلب إطلاق 3 صواريخ باتريوت على الأقل، أي ما يساوي 9 ملايين دولار.

واستفادت جماعة الحوثي من مخزون الصواريخ الباليستية الذي اشتراها الرئيس اليمني الراحل علي عبد الله صالح من روسيا، وأطلقت أكثر من 100 صاروخ باليستي على عدة أهداف في المملكة خلال 5 سنوات.

علاوة على ذلك، أطلقت جماعة الحوثي مئات الطائرات المسيرة على أهداف متفرقة في المملكة، ومع أن تكلفة الطائرات المسيرة لا يتعدى بضع مئات من الدولارات إلا أن تكلفة إسقاطها يكلف الخزينة السعودية ملايين الدولارات.

طموح الحوثيين

برأي الخبير العسكري اليمني ورئيس دائرة التوجيه المعنوي المستقيل اللواء محسن خصروف، فإن هذا الاتفاق لو تم فإنه "سيكون كارثة، لأن الشرعية مغيبة فيه تماما، وكأن الأمر لا يعنيها، وكأنه لم يكن هناك دولة شرعية، ولم يكن هناك انقلاب، ولا جيش وطني، ولا مناطق محررة، ولا آلاف الشهداء الذين سقطوا ومئات الآلاف من الجرحى".

يضيف اللواء خصروف في حديثه مع قناة بلقيس اليمنية في 18 نوفمبر/تشرين الثاني 2020: "الحوثيون طموحهم وأحلامهم أكبر من الاتفاق لتأمين السعودية، فهم يطمحون بالوصول إلى الرياض وأن تدخل أطقمهم (العسكرية) بالكلاشنكوف والدوشكا مكة والمدينة، هذه أحلامهم، لهذا أنا أشك أن يوافق الحوثيون على هذا الاتفاق".

وتابع خصروف:" لهذا أشك أن هذا الاتفاق حقيقي، وأظن أنه تسريب، لأن السعودية والشرعية والحوثيين لن يرضوا به، ولأن المخرج الكبير الذي يحرك العرائس في المناطق غير المحررة لن يرضى بهذا، إلا إذا كانت هناك صفقة دولية كبرى، أطرافها أكبر من دول التحالف، وأكبر من القوى المتصارعة في اليمن".