"أجواء ووترجيت".. هل تطيح أوكرانيا بترامب خارج البيت الأبيض؟

مهدي محمد | منذ ٧ أعوام

12

طباعة

مشاركة

لم تكد عاصفة تقرير مولر بشأن التدخل الروسي في انتخابات الرئاسة الأمريكية تهدأ، حتى ضربت البيت الأبيض وساكنه الرئيس دونالد ترامب أزمة جديدة، تسببت بها أوكرانيا هذه المرة.

وأقر ترامب أنه تحدث مع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينكسي، بشأن منافسه الديمقراطي في الانتخابات الرئاسية المقبلة جو بايدن، خلال مكالمة هاتفية في يوليو/تموز الماضي.

وبدأت القصة بعدما كشفت صحيفة "وول ستريت جورنال"، أن ترامب، ضغط على رئيس أوكرانيا مراراً لفتح تحقيق في كيفية حصول هانتر بايدن نجل منافس ترامب، على وظيفة في شركة غاز أوكرانية، كما دعاه للعمل مع رودي جولياني، المحامي الشخصي للرئيس الأمريكي، لفتح تحقيق في المسألة.

وسبق أن أثار ترامب، وعدد من أعضاء الحزب الجمهوري، تساؤلات حول ما إذا كان حصول نجل بايدن، على وظيفة عضو في مجلس إدارة شركة "بوريسما" الأوكرانية، يُمثل تعارضاً في المصالح.

وبحسب تقارير صحفية، انضم "هانتر" إلى الشركة المذكورة عام 2014، بعد فترة وجيزة من زيارة قام بها والده لأوكرانيا.

وقال ترامب في 22 سبتمبر/ أيلول الجاري عن محادثته نظيره الأوكراني: "أجرينا محادثة رائعة. وكانت تهنئة إلى حد كبير، تحدثنا عن الفساد.. وحقيقة لا نريد أن يكون شعبنا مثل بايدن وابنه"، حسب شبكة "سي إن إن".

مساءلة حتمية

العادة لم يفوّت الديمقراطيون في مجلس النواب الفرصة، وبدأوا أمس الثلاثاء، تحقيقاً رسمياً لمساءلة ترامب، متهمين إياه بالتماس مساعدة أجنبية لتشويه سمعة منافسه الديمقراطي جو بايدن قبل الانتخابات الرئاسية المقررة العام المقبل، فيما اتهم ترامب خصومه بشن "حملة اضطهاد تافهة".

وأعلنت رئيسة المجلس نانسي بيلوسي عن فتح التحقيق عقب اجتماع مغلق مع نواب ديمقراطيين قائلة، إن تصرفات ترامب قوضت الأمن القومي وانتهكت الدستور الأمريكي. وقالت بيلوسي إنه "ينبغي محاسبة الرئيس"، وأكدت أنه "لا أحد فوق القانون".

فهل يسعف الوقت خصوم ترامب في سعيهم نحو إدانته وهو في سُدة الحكم ومن ثم عزله، أم تسير قضية أوكرانيا إلى مصير التدخل الروسي، ويفلت الرئيس من عقوبات لن تناله قريباً في حال تنصيبه لفترة ثانية؟.

أحدث فصول الورطة التي يتعرض لها ترامب، شكلتها تصريحات رئيس لجنة المخابرات بمجلس النواب الأمريكي "آدم شيف"، الذي قال إنه في حال التأكد من أن ترامب ضغط على نظيره الأوكراني فلاديمير زيلينسكي للتحقيق بشأن بايدن فيجب مساءلته.

شيف، تابع: "إذا كان الرئيس يحجب المساعدات العسكرية في نفس الوقت الذي يضغط فيه على زعيم أجنبي للقيام بشيء غير مشروع لتلويث منافسه أثناء حملة انتخابية، فإن ذلك قد يكون العلاج الوحيد الذي يُعادل الشر الذي يُمثله هذا الفعل"، معتبراً أن مساءلة ترامب ستكون هي الخيار الوحيد المطروح.

ربما جاءت الأزمة على طبق من ذهب للديمقراطيين، فقبل شهرين فقط قال "شيف" لشبكة "سي إن إن" إن "السبيل الوحيد لأن يترك ترامب السلطة هو أن يخسر الانتخابات"، مشجعاً الديمقراطيين على ضمان إقبال الناخبين على الإدلاء بأصواتهم في انتخابات 2020.

من جانبه، طالب جو بايدن، الأوفر حظاً لنيل ترشيح الحزب الديمقراطي في انتخابات الرئاسة المقبلة، ترامب بنشر نص محادثته الهاتفية مع الرئيس الأوكراني "لكي يحكم الشعب الأمريكي بنفسه".

وأضاف: "إذا كانت هذه الأنباء صحيحة، فإن ذلك يعني أنه لا حدود لنية الرئيس ترامب لاستغلال سلطته وإهانة بلادنا".

وذهبت إحدى أكبر منافسي بايدن في الانتخابات الرئاسية عن الحزب الديمقراطي، السيناتورة إليزابيث وارن، إلى أبعد من ذلك، مؤكدة أن "الفضيحة الأخيرة تتطلب بدء تطبيق إجراءات العزل بحق ترامب في الكونغرس فوراً".

على الجانب الآخر قال وزير خارجية أوكرانيا فاديم بريستيكو: "أعرف ما الذي جرى في المحادثة وأعتقد أنه لم يكن هناك ضغط، المحادثة كانت طويلة وودية وتطرقت إلى كثير من المسائل وتطلبت أحياناً إجابات جادة".

التدخل الروسي

المثير أن الاتهامات الموجهة لترامب في قضية أوكرانيا، في وقت ما تزال أصداء ملف التدخل الروسي في انتخابات الرئاسة الأمريكية 2016، حاضرة في الأوساط السياسية والإعلامية، رغم تبرئة ترامب من التورط في تدخل موسكو.

فقبل شهرين من الآن، وخلال جلسة أمام اللجنة القضائية بالكونجرس أعلن المحقق الخاص السابق روبرت مولر أن تقريره حول التحقيق في تدخل روسيا بالانتخابات الأمريكية لا يبرئ دونالد ترامب بشكل تام، بخاصة من تهمة عرقلة العدالة، خلافاً لما يؤكده الرئيس الأمريكي.

وقال في شهادته: "لم يتم تبرئة الرئيس من الأعمال التي يُشتبه في أنه قام بها"، إلا أنه شدد على إرشادات وزارة العدل التي تتضمن أنه لا يمكن توجيه لائحة اتهام لرئيس أثناء وجوده في منصبه. 

ورداً على سؤال عما إذا كان من الممكن ملاحقة أي رئيس عن أي جرائم بعد تركه للمنصب، أجاب: "هذا صحيح".

ووفق التقرير، سعى ترامب قبل نحو عامين ونصف لعزل المحقق الخاص، مفيداً أن جهوده لعزل مولر جاءت بعد تقارير صحفية بأن الرئيس يخضع للتحقيق معه بتهمة عرقلة العدالة.

وبقدر اللطمة التي شكلتها براءة ترامب في قضية التدخل الروسي للديمقراطيين، فإن أزمة أوكرانيا ربما جددت الآمال، بإمكانية السعي نحو عزل ترامب، رغم أن قيادات الحزب الديمقراطي تتجه نحو التريث قبل المُضي قُدماً في هذا المسعى.

ولعل قيادات الحزب الديمقراطي لا تريد أن تستبق الأحداث، وتورط نفسها مجدداً في هزيمة قد تتعرض لها على غرار التدخل الروسي، الأمر الذي من شأنه التأثير السلبي على فرصهم في الانتخابات المقبلة.

وبموجب الدستور الأمريكي، يمكن إقالة الرئيس أو نائب الرئيس أو "أي موظف مدني في الولايات المتحدة" عن طريق الكونجرس من خلال عملية مساءلة بتهمة "الخيانة أو الرشوة أو غيرها من الجرائم والمخالفات الكبرى".

ويتولى مجلس النواب مهمة توجيه الاتهامات، ويصوّت على ما إذا كان سيتم توجيه اتهامات محددة مثل عرقلة سير العدالة، ثم يجري مجلس الشيوخ محاكمة مع أعضاء مجلس النواب الذين يعملون كممثلي ادعاء بينما يتولى أعضاء من مجلس الشيوخ مهمة العمل كمحلفين.

ثمَّةَ حاجة إلى تصويت بأغلبية بسيطة في مجلس النواب لإجراء المساءلة، وهناك حاجة لأغلبية الثلثين في مجلس الشيوخ للإدانة والإقالة.

الانتخابات هي الحل!

وبينما تؤمن قيادات ديمقراطية بإمكانية تطبيق هذا السيناريو، ترى قيادات أخرى أن ترامب لن يترك منصبه إلا بإسقاطه في الانتخابات المقبلة، ووفق هذا التصوّر تبذل قصارى جهدها لمراكمة سقطات ترامب ومخالفاته وسياساته من أجل الفوز بهذه الفرصة.

ويبرُز هنا ما قاله مولر في شهادته سالفة الذكر، حين أقر بإمكانية مساءلة ترامب في تهمة عرقلة العدالة بعد أن يترك منصبه، وفي هذا السياق يبدو أن هناك متاعب أخرى ومساءلات قانونية في قضايا أخرى قادرة على أن تُجدد المتاعب لدى ترامب، تُركّز على قضايا تشمل شركاته ومعاملاته المالية وسلوكه الشخصي ومؤسسته الخيرية ولجنة تنصيبه.

يجري هذه التحقيقات ممثلو الادعاء على المستوى الاتحادي وعلى مستوى الولايات، وقد تُؤدّي إلى اتهامات تتجاوز تلك التي وردت في تحقيق مولر أو الحق المدني، لكن سياسة وزارة العدل الأمريكية المستقرة منذ عقود تُشير إلى أن أي رئيس في السلطة لا يمكن أن يواجه تهماً جنائية، لذا فمن غير المرجح رفع قضية مثل هذه على ترامب أثناء وجوده في منصبه حتى لو كانت هناك أدلة على ارتكاب مخالفات.

ومن أهم التحقيقات الجنائية والقضايا المدنية التي لا تزال جارية، اتهام مولر 34 فرداً وثلاث شركات، وأدّت بعض هذه القضايا إلى إقرارات بالذنب، وأُحيلت قضية واحدة للمحكمة وأُدين فيها بول مانافورت رئيس حملة ترامب السابق في أغسطس/آب 2018 في 8 قضايا جنائية، بما في ذلك الاحتيال المصرفي والضريبي.

ويؤكد خبراء قانونيون أن ترامب قد يواجه خطراً محدقا ًمن ممثلي الادعاء الاتحاديين في مانهاتن، لتورُّطه في انتهاكات قانونية في تمويل الحملة الانتخابية، ودفع رشوة قبل الانتخابات الرئاسية عام 2016 بمدة وجيزة لممثلة الأفلام الإباحية "ستورمي دانيالز" ولعارضة أزياء مجلة بلاي بوي السابقة "كارين مكدوجال" للحيلولة دون إلحاق أي ضرر بترشحه.

وتستمر دعوى تشهير ضد ترامب أقامتها سمر زيرفوس، المتسابقة السابقة في برنامجه على تلفزيون الواقع (ذا أبرنتيس)، في محكمة بولاية نيويورك بعد أن سمح لها القاضي في عام 2018 بمواصلة القضية، وأقامت زيرفوس الدعوى القضائية ضد ترامب بعد أن وصفها ونساء غيرها تتهمنه بسوء السلوك الجنسي بالكذب، وأعاد ترامب نشر تغريدة تصف مزاعم زيرفوس بالحيلة.

ورفع مكتب المدعي العام لولاية نيويورك دعوى قضائية دفعت بالفعل مؤسسة ترامب، التي قُدمت على أنها الذراع الخيرية لامبراطورية ترامب التجارية، للموافقة في ديسمبر/كانون الأول 2018 على حلها، وما تزال الدعوى مستمرة.

واتهم المدعي العام الديمقراطي للولاية، المؤسسة بأنها "متورطة" في "نمط مروِّع من مخالفة القانون" و"العمل فحسب كدفتر شيكات لخدمة المصالح التجارية والسياسية للسيد ترامب" في انتهاك للقانون الاتحادي.

وقال مكتب المدعي العام إن ترامب وأفراد أسرته استخدموا المؤسسة الخيرية لسداد ديونه القانونية وشراء أغراض شخصية، ووافقت المؤسسة على حل جميع أصولها المتبقية والتخلي عنها تحت إشراف المحكمة.

كما يواجه ترامب اتهامات في دعوى قضائية رفعها ممثلاً ادعاء ديمقراطيان في ماريلاند ومقاطعة كولومبيا، لانتهاكه مواد مكافحة الفساد في الدستور الأمريكي من خلال تعاملات شركاته مع الحكومات الأجنبية.

ويُحقق ممثلو ادعاء اتحاديون في نيويورك فيما إذا كانت اللجنة التي نظّمت تنصيب ترامب في يناير/كانون الثاني 2017 قبِلت تبرعات غير قانونية من أجانب، أو أساءت استخدام الأموال، أو توسطت في وصول الإدارة بشكل خاص للجهات المانحة.

أجواء ووترجيت

وتستدعي الأزمات المتلاحقة التي تواجه ترامب، فضيحة "ووترجيت" التي أفضت إلى إقصاء أحد أسلافه وهو ريتشارد نيكسون.

بدأت القضية بعد إعادة انتخاب الجمهوري نيكسون رئيساً للولايات المتحدة، ففي 17 يونيو/حزيران 1972 تم اعتقال أشخاص اتهموا بوضع أجهزة تنصُّت سرية في مكاتب الحزب الديمقراطي داخل مبنى "ووترجيت" بواشنطن، وتسجيل 65 مكالمة لأعضاء الحزب.

أُدين 5 أشخاص بأن لهم علاقة بوكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (سي آي إيه)، كما أُدين شخصان آخران في القضية بتهمة "التجسس والشروع في السرقة"، ثم توسّع التحقيق لاحقًا بعد كشف صحفيي جريدة "واشنطن بوست" بوب وودورد وكارل برنشتاين وجود علاقة بين قضية التجسس والشروع في السرقة ومحاولة التغطية عليها من قبل جهات رسمية كوزارة العدل، ومكتب التحقيقات الفدرالي (إف بي آي) ووكالة الاستخبارات المركزية والبيت الأبيض.

في مارس/أذار 1973 أرسل جيمس مكورد -وهو أحد المدانين السبعة- رسالة إلى قاضي المحكمة يُشير فيها إلى تورُّط جهات كبرى في القضية ليشمل التحقيق بعد ذلك طاقم البيت الأبيض، مما دفع الرئيس نيكسون في 30 أبريل/نيسان 1973 إلى إقالة اثنين من كبار مستشاريه بسبب علاقتهما بالقضية، وفي 17 مايو/أيار من نفس العام بُثّت جلسات الاستماع في القضية على التلفزيون، مما أدى إلى تدهور شعبية نيكسون.

وفي أكتوبر/تشرين الأول، أقال الرئيس المحقق الخاص المعني بالتحقيق في الفضيحة "أركيبالد كوكس"، وكشفت التحقيقات أن لجنة التحقيق طالبت بالأشرطة لكن نيكسون رفض تسليمها، وذكرت أن البيت الأبيض سلّم الأشرطة بعد حذف بعض المقاطع منها مدعيًا أنها حُذفت عن طريق الخطأ.

واتهمته (سي آي إيه) بعرقلة التحقيقات بحجة أن "المقاطع المحذوفة تتضمن أشياء تمس أمن البلاد"، وفي 30 يونيو/حزيران 1974 تم الكشف عن محتويات الأشرطة كاملة.

وأقرت المحكمة الدستورية العليا بعدم دستورية استخدام الرئيس سلطته التنفيذية لحجب أجزاء من الأشرطة، وأُدين بثلاث تهم، هي "استغلال النفوذ، وعرقلة مسار القضاء، وعدم الانصياع له"، إضافة إلى تهمة "الكذب على مكتب التحقيقات الفيدرالي"، حيث اعتبره القضاء مشاركًا في القضية، وبدأ الكونجرس مناقشات لعزله من منصبه قبل استقالته.

في 8 أغسطس/آب 1974 أعلن نيكسون استقالته من منصبه وبدأت محاكمته في سبتمبر/أيلول من نفس العام قبل أن يُصدر الرئيس جيرالد فورد -الذي خلفه- عفواً عنه "لأسباب صحية".