عداء طويل.. دلالات لقاء الصدر مع خامنئي وسليماني

أُصيبت الأوساط السياسية والشعبية العراقية بالذهول، بعد نشر صورة لزعيم التيار الصدري مقتدى الصدر، جالساً في "مجلس عزاء حسيني" بمناسبة إحياء ذكرى "عاشوراء" في إيران، يتوسط بين قائد فيلق القدس قاسم سليماني، والمرشد الإيراني الأعلى علي خامنئي.
المناسبة الخاصة بالشيعة حول العالم، عادة ما يحييها العراقيون والإيرانيون وغيرهم في مدينة كربلاء كونها موقع استشهاد الحسين بن علي حفيد النبي محمد، إلا أنَّ الصدر ظهر بصورة مفاجئة قبل أيام في مدينة قم الإيرانية الدينية يوزع الطعام بين الزوار الوافدين إليها.
زيارته غير المعلنة إلى إيران، بدأها الجمعة الماضية، بعد تغريدة مثيرة أطلقها عبر حسابه في "تويتر" قال فيها: "الوداع يا موطني. يُعَدُّ ذلك إعلاناً لنهاية الحكومة العراقية.. ويُعَدُّ ذلك تحولاً من دولة يتحكَّم بها القانون إلى: دولة الشَغَبِ. وإذا لم تتخذ الحكومة إجراءاتها الصارمة.. فإنِّي أُعلن براءتي منها.. سلاماً موطني. وختمها بالقول: "المُعزي والمعزّى مقتدى الصدر".
لكنّ بعض المراقبين فسّر التغريدة على أنها رفض لإعلان نائب رئيس هيئة الحشد الشعبي الموالي لإيران أبو مهدي المهندس تشكيل قوة دفاع جوي تابعة للحشد، والتي نفى فيما بعد رئيس الهيئة فالح الفياض بتصريح رسمي وجود مثل هذا القرار.
#الوداع_يا_موطني
— مقتدى السيد محمد الصدر (@Mu_AlSadr) September 5, 2019
يُعَد ذلك إعلاناً لنهاية الحكومة العراقية..
ويُعَد ذلك تحولاً من دولة يتحكم بها القانون الى: #دولة_الشَغَبِ
واذا لم تتخذ الحكومة اجراءاتها الصارمة..
فاني اعلن برائتي منها..#سلاما_موطني..
المُعزي والمعزّى
مقتدى الصدر
تقربه من العرب
ما أثار الاستغراب من زيارة الصدر إلى إيران ولقائه سليماني وخامنئي، كونه يُعدُّ زعيماً شيعياً لأكبر تيار شعبي عراقي ويُمثِّل أبرز المناوئين لإيران في العراق، والذي يرفض بشكل مستمر تدخلها في الشأن العراقي، وفرْض إرادتها على المشهد بالكامل.
ومن وقت لآخر، يُحذِّر زعيم التيار الصدري، من تدخُلات خارجية في الشأن السياسي الداخلي، رافعاً شعار "جيراننا أصدقاؤنا لا أسيادنا". ففي مايو/أيار 2018 قال الصدر عبر أحد بياناته: إنَّ "إيران دولة جارة تخاف على مصالحها، نأمل منها عدم التدخل بالشأن العراقي كما أننا نرفض أن يتدخل أحد بشؤونها".
وفي خطوة اعتبرت أنها نقطة تحول فاصلة بين الصدر وإيران، أجرى زعيم التيار الصدري في أغسطس/ آب 2017، زيارة إلى الرياض التقى خلالها بوليِّ العهد محمد بن سلمان، ثم تبعها بأخرى إلى الإمارات اجتمع خلالها مع وليِّ عهد أبو ظبي محمد بن زايد.
وصرّح الصدر في حديث للإعلام السعودي، بأنَّه لمس تطابقاً في الرُؤى خلال لقائه في جدة، مع وليِّ العهد السعودي محمد بن سلمان، عادَّاً الرياض بمثابة "الأب" للجميع وأثبتت قوتها وهي تعمل على إحلال السلام في المنطقة.

وعلى الجانب الآخر، استفزَّت زيارة الصدر وسائل الإعلام الإيرانية، إذ استضافت قناة "خبر" الكاتب والمحلل السياسي الإيراني، مصدق بور، الذي وصف زيارة الصدر للسعودية واستقباله من وليِّ العهد محمد بن سلمان، بأنها "خطوة جرحت مشاعر المسلمين".
وعلى الوتيرة ذاتها، تساءل الصحفي الإيراني حسن رستمي، في مقال مطول عبر وكالة "تسنيم" الإيرانية شبه الرسمية عن خلفيات زيارة الصدر في مقال تحت عنوان "عندما يصبح آل سعود هم المربية الأكثر حناناً من الأم".
وأشار إلى أنَّ "النظام السعودي يسعى لتوظيف هذه الزيارة لإثارة الخلافات بين التيارات السياسية العراقية وإبعادها عن إيران، ومواجهة النفوذ الإيراني في العراق".
"إيران برة برة"
لم تكن زيارة الزعيم الشيعي إلى السعودية والإمارات هي المُؤشر على تصاعد الخلافات بين الصدر وإيران، فقد أعقبتها تصريحات ضد الأخيرة من شخصيات ينتمون لتياره السياسي، إضافة إلى هتافات ضد إيران صدحت بها حناجر أتباعه.
آلاف المتظاهرين من أتباع الصدر رددوا خلال احتجاجات واسعة بعد اقتحامهم المنطقة الخضراء وسط بغداد في مايو/ أيار 2016، هتافات تُندِد بتدخل إيران في العراق، لا سيما قائد فيلق القدس الإيراني قاسم سليماني.
هتف المتظاهرون المحتشدون في ساحة الاحتفالات وسط المنطقة الخضراء بعد اقتحامها، بالقول: "إيران برة برة"، و"يا قاسم سليماني هذا الصدر رباني (نحن تربية مقتدى الصدر)".
تُعدُّ هذه الهتافات، حسب تعليقات وردت على مقطع الفيديو، تطوراً كبيراً في خروج أكبر فصيل سياسي شيعي عن الإجماع الشيعي في العراق، الذي تُمسك به إيران بقوة وتُملي عليه جميع قراراته، وفق تعبيرهم.
تكرر المشهد ثانية عندما فازت قائمة "سائرون" الانتخابية المدعومة من الصدر، بالمرتبة الأولى في البرلمان العراقي، إذ حصدت 54 مقعداً متقدمة بذلك على قائمة "الفتح" المُمثِلة لفصائل الحشد الشعبي الموالية لإيران.
وتجمَّع الآلاف من أنصار الصدر في ساحة التحرير وسط بغداد وهم يهتفون "بغداد حرة حرة.. إيران برة برة"، في إشارة منهم إلى التدخل الإيراني في إدارة شؤون البلاد.
ووصل الخلاف بين الطرفين لأبعد من ذلك، فقد وجَّه عواد العوادي النائب في البرلمان العراقي عن "كتلة الأحرار" التابعة للصدر، اتهاما لإيران يُعدُّ الأخطر من نوعه، يصدُر عن كيان سياسي شيعي.
وقال العوادي خلال حوار تلفزيوني في أغسطس/آب 2018، إنَّ "إيران تتُهم بأنَّ الإرهاب يأتي منها، لكن الكل يدافع بما لديه، وهناك تقارير تتحدث عن أنَّ الكثير من التفجيرات بالمناطق (...) دخلت من إيران".
وأضاف: أنَّه بالنظر إلى "ما حدث في مدينة سامراء من تفجير مرقد الإمامين العسكريين، فإنَّ كثيراً من التقارير تقول إنَّ هناك مصالح وخلايا أو مجاميع إرهابية دخلت من إيران، إما بعلمها أو غير ذلك، لا نعلم".
وفي 22 شباط/ فبراير 2006 حدث تفجير ضريح الإمامين علي الهادي والحسن العسكري في سامراء علماً بأنَّ له قدسية لدى الشيعة. وأدى إلى إشعال فتنة طائفية بالعراق، حيث كانت بغداد مسرحاً لأعنف عمليات حرق للمساجد وقتل للمدنيين على الهوية.
ما الذي تغّير؟
بالعودة إلى زيارة الصدر لإيران ولقاءه بسليماني وخامنئي، رأى المحلل السياسي العراقي هشام الهاشمي في حديث لـِ"الاستقلال" أنَّ لها علاقة بالهجمات الإسرائيلية الأخيرة على العراق، والتي طالت مواقع لخزن سلاح فصائل الحشد الشعبي.
وأوضح الهاشمي، أنَّ "الصورة تُقرأ على أنها ذات بعد ديني عقائدي على اعتبار أنَّه في معركة الإسلام مع اليهود سوف يكون مقتدى الصدر بجانب الإسلام، سواء كان إسلاماً سنياً أم شيعياً".
واستبعد المحلل السياسي العراقي، أن تكون لزيارة الصدر أبعاد سياسية على مستوى الداخل الوطني للعراق، وإنما لها بعد عقائدي أممي أكثر من كونه بعدا وطنيا محصورا بحدود معينة.
لكنَّ الباحث العراقي الدكتور عدنان التكريتي، رأى عكس ذلك في حديث مع "الاستقلال" قائلا: "الزيارة فيها رسالتين، الأولى: الصدر لنا، ومنا، ليس بالمفهوم الشيعي العقائدي وحسب، وهو ما كان عليه ظاهر الوقت والمناسبة، ولكن بالمفهوم السياسي، أنَّ الصدر قابل للمطاوعة، ومستجيب لأي طلب إيراني حتى لو كان ضغطاً يخالف توجهاته الراهنة".
أما الرسالة الثانية، بحسب التكريتي، فهي تغريداته الأخيرة حول انتهاء عمر الحكومة، "تعوَّدنا دوماً على قرصة الأذن الإيرانية، وسياسة الضوء الأحمر التي تعامل بها أتباعها في العراق، ولعل ذلك ما يُفسر بعض الضيق الظاهري الذي بدا عليه وجه السيد الصدر".
من جهته، كشف أمير موسوي الدبلوماسي الإيراني السابق، خلال مقابلة تلفزيونية، أن "لقاء الصدر بخامنئي وجلوسه معه، حسم أمر تأديب الكيان الصهيوني من الآن فصاعدا".
وأشار إلى أنه "في حال تعرض العراق لأي تجاسر صهيوني مجددا أو قصف لمقار الجيش العراقي أو الحشد الشعبي، فإن الموقف سيكون مختلفا هذه المرة".
وأكد موسوي أن "جلوس الصدر بجانب قائد فيلق القدس قاسم سليماني والمرشد الأعلى خامنئي كان رسالة واضحة إلى الولايات المتحدة الأمريكية والكيان الصهيوني. وأظن أن الرسالة وصلت".
"المصادفة حاضرة"
نواب وقادة سياسيون من التيار الصدري، برَّروا الزيارة إلى إيران على أنَّ الزعيم الشيعي كان يتفقَّد عائلته (آل الصدر) الموجود قسم منها في إيران وقسم آخر بلبنان، أما وجود سليماني وخامنئي، فقد كان من باب الصدفة.
وقال القيادي الصدري، حاكم الزملي في تصريحات صحيفة، إنَّ "عائلة مقتدى الصدر مُتوزعة بين العراق وإيران ولبنان، بسبب ملاحقتهم سابقا من قبل نظام صدام حسين، ولهذا نجد الصدر بين فترة وأخرى يذهب إلى زيارة عائلته في هذه البلدان الإسلامية".
وأوضح، أنَّ "ظهور الصدر بقرب خامنئي وسليماني أمر طبيعي، فهو كان يحضر مجلس حسيني في طهران، وصادف حضور الصدر، حضور المرشد الأعلى علي خامنئي وقائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني، قاسم سليماني، وهو أمر طبيعي".

وأشار الزاملي إلى أنَّ "زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر معروف بعلاقته مع دول الجوار، فهو يُؤكِّد أنَّ (جيراننا أصدقاؤنا وليسوا أسيادنا)".
وأردف: "الكثير يتمنَّون أن يكونوا قُرب المرشد الأعلى علي خامنئي، ولهم حظوة لدى الجانب الإيراني، لكنَّ الصدر لم يدقَّ الأبواب أو يتوسل ليجلس قرب الخامنئي، لكنَّه يُكُِّن لهم احتراماً وتقديراً وهيبة، وحتى الإعلام ركَّز على حضور الصدر، ما يدل على أنَّ له شأناً كبيراً في الدول، ويحسب له حساب، لمواقفه الوطنية في الدفاع عن العراق وتقديم مصلحة العراق على كل الدول".
وشدَّد الزاملي على أنَّ "قرب الصدر من خامنئي لا يعني أنَّ أمره سيكون بيد إيران أو أي شخصية"، مُؤكِّداً أنَّ "الصدر حضر مجلس عزاء فقط، لو كان هناك لقاء أو اجتماع آخر، لنقلته وسائل الإعلام، ولا يوجد شيء مخفِي يقوم به الصدر، كل تحركاته تكون علنية".
"تحت أقدام الرهبر"
أما النائب عن تحالف "سائرون" رياض المسعودي، فقال: "علاقة العراق بمحيطه المجاور مُنذ سقوط نظام صدام حسين وحتى هذا اليوم مبنيَّة على حسن الجوار واحترام السيادة، ولم تصل إلى مرحلة القطيعة".
ولفت إلى أنَّ "زيارات الصدر إلى دول مجاورة منها تركيا وسوريا والأردن والسعودية والإمارات وإيران، ترتكز على 3 مبادئ، هي: احترام حسن الجوار، والحفاظ على السيادة، ورغبته بتوطيد العلاقات بين الشعوب".
وحسب قول النائب العراقي، فإنَّ "زيارة الصدر الأخيرة إلى طهران ليست سياسية أبداً، والعلاقات لا تُوثَّق بالصور سواء تمَّ عرضها أم لا".
وبخصوص حديث مراقبين عن توجُّه إيران لتغيير قواعد اللعبة بعد تقاربها مع بعض الدول العربية، قال المسعودي: "لا نُؤمن بوجود لعبة، حتى نسعى إلى تغيير قواعدها، كما أنَّ كل التحركات واضحة فلا اتفاقات سرية ولا لقاءات خلف الكواليس تدعونا للتوقف عندها".
وأشار إلى أنَّ "الصدر ينطلق من مبدأ لغة الأقوياء، ولغة المؤمنين بالمشروع العراقي وتحقيق مصلحة الشعب، فلا يساوم عليها ولا يتراجع عن المطالبة بتحقيقها".
من يجلس تحت أقدام #الرهبر لا يمكنه أن يكون تاجاً على رؤوس العراقيين!
— GHAITH ALTAMIMI (@altamimi1981222) September 10, 2019
مع الأسف عليك أبو هاشم، على الرغم من كونك غير مرتاح كما يبدو في الصورة ولكنك قللت قيمتك وقدرك عند العراقيين! pic.twitter.com/l90tfU2c93
لم تمرّ زيارة الصدر إلى إيران دون جدل على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث علَّق القيادي المنشق من التيار الصدري غيث التميمي على "تويتر" قائلاً: "من يجلس تحت أقدام الرهبر (تعني الزعيم أو القائد بالفارسية) لا يمكنه أن يكون تاجاً على رؤوس العراقيين!".
وأضاف: "مع الأسف عليك أبو هاشم (مقتدى الصدر)، على الرغم من كونك غير مرتاح كما يبدو في الصورة ولكنك قلَّلت قيمتك وقدرك عند العراقيين!".
وعلى نحو آخر، تهكّم المتحدث السابق باسم الحراك السني في العراق الشيخ فاروق الظفيري على وصف كُتاب ومُغردين سعوديين وإماراتيين في وقت سابق للصدر بأنَّه عروبي ويحارب التغول الإيراني بالعراق، قائلاً: "العروبي مقتدى الصدر، يحضر بدعة عزاء الحسين مع سليماني في مجلس الخامنئي في إيران، واضح أنَّه عروبي ومحارب للتغول الإيراني في العراق. من يصدق هؤلاء على عقله العفا".
العروبي مقتدى الصدر
— الشيخ فاروق الظفيري (@alduferi1969) September 10, 2019
يحضر بدعة عزاء الحسين مع سليماني في مجلس الخامنئي في إيران
واضح أنه عروبي ومحارب للتغول الإيراني في العراق
من يصدق هؤلاء على عقله العفا https://t.co/KjYSo8jW2a
المصادر
- وسائل اعلام ايرانية تنشر صورة للصدر بموكب عزاء في ايران بحضور الخامنئي
- التيار الصدري يعلق على توسط زعيمه خامنئي وسليماني في ايران
- أول رد إيراني على زيارة مقتدى الصدر للسعودية
- إعلام إيران ينتقد زيارة الصدر للسعودية ويتساءل عن سبب التقارب
- مقتدى الصدر: الرياض بمثابة الأب للجميع
- الصدر يحصد اصوات بغداد وانصاره يهتفون "ايران برة برة"
- أتباع مقتدى الصدر يهتفون ضد إيران وقاسم سليماني (شاهد)
















