الحراك ضدَّ النظام الجزائري يصل إلى المغرب.. هذا ما يجري

الرباط - الاستقلال | منذ ٧ أعوام

12

طباعة

مشاركة

في حراكٍ لم يهدأ مُنذ 22 فبراير/شباط الماضي، بدأ شُبَّانٌ من المغرب والجزائر، المطالبة بفتح حدود البلدين المغلقة، وسط تصاعد في أعداد المسافرين بين الجارين.

وصلت المطالبات ذروتها عندما فاز المنتخب الجزائري لكرة القدم بكأس أمم إفريقيا لعام 2019، إذ احتفل مواطنون من الشعبين على الحدود الفاصلة بينهما. لكن، هل تصلح الكرة ما أفسدته السياسة بين البلدين؟

احتفالات الفوز الكروي تلتها عريضة وقعها عدد من المثقفين الجزائريين، اعتبروا فيها أنَّ الحراك الشعبي المستمر بالجزائر، يُشكل دافعاً لاستنهاض إرادة الموقِّعين للدفع قُدماً نحو تأسيس علاقات مميزة.

الحملة لم تقتصر على العريضة، إذ أطلق جمهور البلدين من البلدين هاشتاج "خاوة خاوة" وتعني باللهجة المغاربية (إخوة إخوة)، ووجد طريقه نحو أرض الواقع، على الملاعب والمدن المصرية، التي استضافت البطولة في الفترة من 21 يونيو/ حزيران وحتى 19 يوليو/ تموز الماضيين.

بداية الأزمة

لكن كل المحاولات الشعبية دائماً ما تصطدم بأزمة سياسية أكبر، تتمثل في ملف إقليم الصحراء الذي بدأت قضيته عام 1975، بعد إنهاء الاحتلال الإسباني وجوده في المنطقة، ليتحول النزاع بين المغرب والبوليساريو إلى نزاع مسلح، استمرَّ حتى عام 1991، وتوقَّفَ بتوقيع اتفاق لوقف إطلاق النار، تراقبُه مُنذ ذلك الحين بِعثة للأمم المتحدة في تلك المنطقة. 

وتصرُّ الرباط على أحقيَّتها في "الصحراء"، وتقترح كحل حكمًا ذاتياً موسعاً تحت سيادته، بينما تطالب البوليساريو بتنظيم استفتاء لتقرير مصير الإقليم، وهو طرحٌ تدعمه الجزائر التي تُؤوي النازحين الفارين من الإقليم بعد استعادة المغرب له، إثر انتهاء الاحتلال الإسباني.

لم تتوقف الأزمة عند الإقليم، حيث تبعه إغلاق الحدود بين البلدين الجارين بعد تفجيرات مراكش عام 1994، إذ فرض الملك الراحل الحسن الثاني على الجزائريين التأشيرة لدخول المغرب وردَّت عليه الجزائر بغلق الحدود البرية بحُجة أنَّ قرار فرض التأشيرة "جاء أُحادي الجانب".

وفي تلك التفجيرات جرى استهداف فندق أطلس أسني بالمدينة الحمراء وقُتل وجُرح عدد من السياح، وضرب هذا التفجير في الصميم مجال السياحة بالمغرب واستمرَّ ذلك عدة سنوات، ولاحقاً قالت تحقيقات مغربية: إنَّ "إرهابيين جزائريين يحملون الجنسية الفرنسية هم من نفَّذ هذه التفجيرات"، وكانت بمثابة أول عمل إرهابي يتعرَّض له المغرب في النصف الأخير من القرن الماضي.

ومع أنَّ البلدين تراجعا عن فرض التأشيرة عام 2005، إلّا أنَّه لم يتم التراجُع عن إغلاق الحدود، بل زاد الطرفان معاً في تشديد المراقبة على الحدود، بوضع سياجات حديدية وجدران عازلة على جزء كبير من المناطق الحدودية المشتركة، ويرى مراقبون أنَّ السبب في ما حدث سياسي أكثر من كونه قضية أمنية.​

ورغم تأسيس اتحاد المغرب العربي في 1989 (يضم الجزائر وليبيا وتونس والمغرب وموريتانيا)، إلا أنَّه عجز عن الاجتماع في قمم اقتصادية، بسبب الخلاف السياسي بين الجارين. وعُقدت آخر قمة اقتصادية في 1994.

دعوة وتجاهل

وفي محاولة لحلحلة الأزمة التاريخية، دعا الملك المغربي محمد السادس في 7 نوفمبر/تشرين الثاني 2018 إلى آلية سياسية مشتركة للحوار والتشاور مع الجزائر، مُؤكداً انفتاحه على الاقتراحات والمبادرات التي يمكن أن يتقدَّم به البلد الجار.

وقال العاهل المغربي في خطابه بمناسبة الذكرى الـ43 للمسيرة الخضراء السلمية، والتي نظَّمها العاهل الراحل الحسن الثاني لاسترجاع أقاليم الصحراء من الاستعمار الإسباني: "يشهد الله أنني طالبت، مُنذ توليت العرش، بصدق وحسن نية، بفتح الحدود بين البلدين، وبتطبيع العلاقات المغربية الجزائرية".

وردَّت الجزائر في نفس الشهر، بالدعوة إلى عقد اجتماع لمجلس وزراء خارجية الاتحاد المغاربي، "في أقرب وقت ممكن"، في حين تأسف المغرب من ما أسماه عدم الرد الجزائري على مبادرة الملك وشكَّك في دعوة اتحاد المغرب العربي للانعقاد.

ووقتها، علق سياسيون بالقول: إنَّه لا تُوجد أيُّ علاقة بين الدعوة رفيعة المستوى التي وجهها العاهل المغربي ومقترح الخارجية الجزائرية؛ لأنهما موضوعان مختلفان ومنفصلان، خصوصاً أنَّ المقترح المغربي يهم العلاقة الثنائية مع الجزائر، بينما الدعوة لعقد اجتماع وزراء خارجية اتحاد المغرب العربي يهم جميع الدول المنضوية تحت لواء هذا الاتحاد.

وربما يكون الحراك الحاصل في الجزائر، أحدُ الأسباب التي قد تفتح فرصةً جديدةً للحوار، عقِب الإطاحة بالرئيس عبدالعزيز بوتفليقة (82 عاماً) بعد عِقدين في الحكم، لكن في 16 مارس/أذار 2019، أي بعد شهر من انطلاق المظاهرات الجزائرية ضد النظام، أكَّدت السلطات المغربية على "عدم التدخل" في الشؤون الداخلية للجزائر.

ظاهرة متجددة

وبرغم ما سبق من توترات، أفاد تقرير لمكتب الهجرة الدولي التابع للأمم المتحدة، صدر في عام 2014، أنَّ المغرب من الوجهات المُفضلة للمهاجرين الجزائريين، حيث بلغ عددهم 20 ألفاً، وبالتالي أصبح ينافس الوجهات التقليدية لهؤلاء المهاجرين كفرنسا وبريطانيا وإسبانيا.

وأوضح التقرير أنَّ "الجزائريين هاجروا إلى المغرب بحثاً عن الأمن ومستوى عيش أفضل إذ أنَّ العشْرية الدموية التي هزت الجزائر وحالة عدم الاستقرار التي يعرفها البلد جعلت العديدين يبحثون عن ملجأٍ آمن".

عدم الاستقرار الذي تعيشه الجزائر مُنذ بداية عام 2019 الجاري، جعل عدد الوافدين إلى المغرب يزيد، وفي ظل غياب أرقام رسمية عن عددهم، وصف أستاذ العلاقات الدولية بجامعة محمد الأول بمدينة وجدة (شرق المغرب)، خالد شيات، الأمر بـِ"الظاهرة".

وعزاها الأستاذ الجامعي في حديث مع "الاستقلال"، إلى "عدم الاطمئنان الاقتصادي في الجزائر وواقع الجاذبية للمغرب"، موضحاً أنَّها ظاهرة مُتكررة في منطقة شمال إفريقيا، إذ حدث ذلك مع اندلاع الثورة التونسية أيضاً في 2011.

ويُلاحَظُ تمركز بعض الجزائريين في المغرب بمدن الدار البيضاء وطنجة وأي مدن أخرى جاذبة اقتصادياً، بحسب شيات، مع استثناء وحيد بحكم القرب الجغرافي وهو مدينة وجدة الشرقية، التي تمَّ تسجيل استثمارات عقارية فيها. 

هجرة الرأسمال

سُجلت هجرة رأسمال جزائري باتجاه المغرب مع الأزمة السياسية الأخيرة في الجزائر، بحسب الأستاذ الجامعي، الذي اعتبرها هجرة نوعية خاصة بالمستثمرين وليست هجرة اجتماعية. ويخضع هؤلاء للقانون كما هو شأن كل مستثمر.

ورغم وجود سوابق في عدم التفاهم بين البلدين راجع إلى "قانون المغربة" بعد الاستقلال، إلا أنَّ الوضع مختلف تماماً اليوم مع وجود المغرب في الرُتبة الثانية في منطقة تتمتع بالجاذبية التجارية.

الأمر، بحسب الباحث والأستاذ الجامعي، لا ينفي التحديات التي لا تزال تعرقل التعاون المغربي الجزائري؛ منها "اعتبار النظام الجزائري مثل هذا الوضع تحدٍّ عبَّر عنه بانفعال سياسي كما هو متوقع".

لكن من جانب آخر يمكن أن يساعد ذلك على المستوى المتوسط في ربط الاقتصادين معاً في أُفق تفعيل شكل اندماجي إقليمي ناجح.

ما بعد الحراك

وبحسب صحف محلية جزائرية، "مُنذ الجمعة الأولى للحراك -22 فبراير/شباط الماضي- لم تُسجل شواطئ البلاد الشرقية والغربية والوسطى، سوى 5 محاولات هجرة، ضُبط على إثرها 110 شخصاً". 

لكنها قالت إنَّ حَرَسَ السواحل الجزائري أوقف في يونيو/حزيران المُنصرم محاولات هجرة غير نظامية جديدة، ما قد يرتبط بتذبدب الوضع السياسي في البلد.

وفي إحصائيات نقلها معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، في مارس/ أذار 2019، قال: إنَّ عدد المهاجرين الجزائريين غير النظاميين سنوياً يفوق 17 ألفاً و500 شخص ممن نجحوا في الهجرة ووصلوا إلى الشواطئ الإسبانية والإيطالية ثم توزعوا منها نحو مختلف الدول الأوروبية. 

لا توجد أرقام مضبوطة للوافدين من الجزائر إلى المغرب بعد بداية الحراك في فبراير/ شباط المنصرم، إلا أنَّ مطارات المغرب تُسجل العشرات يومياً، خصوصاً من فئة الشباب، بحسب مصدر مطلع لـِ"الاستقلال".

أستاذ العلاقات الدولية المختصُّ في الشأن المغربي-الجزائري، ربط بين الأعداد الوافدة على المطارات وبين إغلاق الحدود البرية، وأوضح للصحيفة قائلاً:  إنَّ السبب هو أنَّ الحدود البرية مغلقة بين البلدين بقرار منفرد جزائري، لذى فإنَّ المنفذ الوحيد للدخول للمغرب هو الجو، وفق تعبيره.

وأفاد خالد شيات، بأنَّ هناك عائلات جزائرية كثيرة بالمملكة، إذ تُعَدُّ الجالية الجزائرية الأعلى عدداً بين الجاليات الأجنبية بالمغرب، والتعامل الاجتماعي هو العامل الأساسي لدخولهم.

وتنبَّأَ صندوق النقد الدولي مؤخراً بتوقعات مظلمة للجزائر هذه السنة، وضبط توقعاته الخاصة بالنمو لسنة 2019، حيث تحدَّث عن نسبة 2.3%، مقابل 2.7% في توقعات شهر أكتوبر/ تشرين الأول، على أن ينخفض النمو إلى 1.8% سنة 2020. وحسب الصندوق، فإنَّ التضخم في الجزائر الذي ظل سنة 2018 محصوراً في حدود 4.3%، سيرتفع إلى 5.6% سنة 2019 وإلى 6.7% سنة 2020.

ومع كل حملات التوجه نحو الرباط، يرى شيات أنَّه ليس في المغرب مكان متاح للاستقرار لصعوبة الوضع الاقتصادي فيها أيضاً.