تداعيات خطيرة.. هذه أسباب دمج الحشد الشعبي مع الجيش العراقي

يوسف العلي | منذ ٧ أعوام

12

طباعة

مشاركة

أثارت قرارات رئيس الحكومة العراقية، عادل عبدالمهدي، القاضية بإغلاق جميع مقرات "الحشد الشعبي" (مليشيات شيعية مسلحة) داخل المدن وخارجها، تساؤلات عدة حول دوافعها، وما ستؤول إليه المؤسسة العسكرية بعد إذابة الفصائل الشيعية فيها، وكذلك مصير قادة المليشيات الذين لا يحملون رتبا عسكرية.

قرارات عبدالمهدي المفاجئة، جاءت عقب تقارير أمريكية بإطلاق مليشيات عراقية، طائرات مسيرة قصفت منشآت نفطية سعودية، وكذلك اقتحام سفارة البحرين ببغداد على يد مليشيا "كتائب حزب الله" في العراق.

دوافع القرار

تباينت التحليلات في تفسير هدف عبدالمهدي من قرار دمج "الحشد" في جسم المؤسسة العسكرية الممثلة بالجيش العراقي، ففيما اعتبرها البعض محاولة لتمكين المليشيات من القرار العسكري بالبلد أكثر منها خطوة لضبط السلاح المنفلت، وصفها آخرون بأنها التفاف على ضغوط أمريكية تستهدف حلّ قوات الحشد الشعبي.

وفي حديث لـ"الاستقلال" قال الأكاديمي العراقي وأستاذ الإعلام فائق الدوري: إن "قرار عبدالمهدي خطير جدا، وهدفه إخضاع المؤسسة العسكرية لإرادة قادة الحشد الشعبي القريب من إيران".

وأضاف الدوري: إن "قيادات الحشد الشعبي الحالي وعلى رأسهم أبو مهدي المهندس نائب رئيس الحشد، لا يحمل رتبة عسكرية ومعروف أنه كان عضوا في الحرس الثوري الإيراني أيام معارضته لنظام صدام وإقامته في إيران".

ولفت إلى أن "قرار رئيس الحكومة، فيه التفاف كبير على الضغوط الأمريكية والدولية لحل الحشد الشعبي، وبالتالي سيكون أمامه خياران إما حلّ هذه القوات بالفعل، أو دمجها في القوات الأمنية، لكنه فضّل الذهاب إلى الخيار الثاني الذي يمثل خطورة كبيرة على المؤسسة العسكرية".

ويتفق مع هذا الرأي تقرير نشرته مجلة "فورين بوليسي" الأمريكية، للباحث ريناد منصور، توقع فيه أن يمهّد الأمر الديواني الذي أصدره عبدالمهدي لسيطرة الحشد الشعبي على عمق الدولة العراقية.

وتساءل الباحث البريطاني من أصل عراقي: إن كان "عبدالمهدي وجد حلا لما اعتبر مشكلة مستحيلة، وهل ستتخلى الفصائل عن أسمائها الفردية والانتماءات السياسية الأخرى، وبدلا من ذلك تتبنى أرقام الألوية والكتائب العسكرية في الجيش؟ وهل سوف يغلقون أيضا مكاتبهم الاقتصادية ويلتزمون باتباع قيادة رئيس الوزراء كقائد عام للقوات المسلحة؟".

وعلق منصور: يحتفل الكثيرون في العراق وفي جميع أنحاء المنطقة بهذه الأخبار، مستدركا؛ تجدر الإشارة إلى أنه من بين المحتفلين قادة الجماعات شبه العسكرية أنفسهم، إذ دعم قيس الخزعلي، الذي يتزعم (عصائب أهل الحق)، القرار كخطوة في الاتجاه الصحيح. وبالمثل، أصدر رجل الدين الشيعي مقتدى الصدر، بيانا بالدعم وأعلن حل (سرايا السلام) التابعة له".

واستطرد الباحث قائلا: "قد يتوقع المرء انتقادات شديدة من هؤلاء الزعماء، بالنظر إلى أن المصالح الاقتصادية والسياسية لمجموعاتهم تبدو مهددة بشكل مباشر من قبل رئيس الوزراء. لكن يبدو أنهم يفهمون شيئا لم يفهمه معظم المراقبين: على الرغم من أن السياسة الجديدة تنص على أن قوات الحشد الشعبي تدمج مع الدولة العراقية، لكن الخطر قد يكون هو أن الدولة تخضع نفسها للجماعات شبه العسكرية، وليس العكس". وأشار إلى أن "قرار عبدالمهدي يقدّم فرصة لتعزيز السلطة من داخل الدولة".

وزاد منصور موضحا: "في اجتماعاتي مع كبار قادة الحشد على مر السنين، كانوا يصرون دائما على أن أحد أهم أهدافهم هو الحصول على اعتراف رسمي من الدولة العراقية. من ناحية أخرى، كانت هناك حوافز مالية مرتبطة باكتساب السيطرة الرسمية على الوزارات والهيئات الحكومية. من هنا رأت الجماعات شبه العسكرية أن الانضمام إلى الدولة هو السبيل الواعد نحو كسب الشرعية العامة".

وتابع منصور: "هناك هدف بتحويل الفصائل إلى قوة موحدة خلال السلم، ولإكمال هذا التحول، كان هدف قادة الحشد تأمين اتصال أوثق بالدولة ويمثل إعلان عبدالمهدي، خطوة نحو هذا الهدف وتجاه تعزيز التسلسل الهرمي الداخلي للحشد، إنه يدرك أنه لا تزال هناك مجموعات من الحشد لا تطيع أمره. على سبيل المثال، لم يتم إصدار أمر بهجوم صاروخي على السفارة الأمريكية في شهر أيار/ مايو الماضي من القيادة المركزية للحشد، التي سعت لمعرفة كيف حدث الهجوم؟"

وبيّن أنه "من خلال السيطرة على موارد الدولة –وكيفية توزيعها داخل مجموعته– أصبح لدى قادة الحشد الآن نفوذ لإنشاء سيطرة أكبر على الحشد"، لافتا إلى أن "السبب الوحيد الأهم وراء دعم القيادة العليا لقوات الحشد في هذه المرحلة للمرسوم الجديد لرئيس الوزراء هو عبدالمهدي نفسه. على عكس رئيس الوزراء السابق حيدر العبادي، الذي عمل في بعض الأحيان ضد الحشد".

وزاد منصور قائلا: يدين المهدي بسلطته للجماعات شبه العسكرية التي دعمت ترشيحه. ليس لديه حزب سياسي يدعمه. ومنذ انتخابه، سعت القيادة السياسية للحشد الممثلة عبر كتلة "الفتح" إلى كسب النفوذ داخل مكتب رئيس الوزراء، وأعطى تعيين كبير موظفي مكتب رئيس الوزراء، محمد الهاشمي، والمعروف باسم أبو جهاد، المهندس والحشد حليفا قويا في مكتب رئيس الوزراء".

ونقل منصور عن محللين أمنيين قولهم، إن "أبو جهاد" هو الذي كان وراء قرار الدمج وقبل أسابيع من إعلانه رسميا، شرح أبو جهاد الفكرة لي في اجتماع في مكتبه ببغداد، حيث رددها كرد فعل على الانتقادات بشأن إصلاح القطاع الأمني.

وأعرب منصور عن اعتقاده بأنه "بالنسبة لقيادة الحشد، فإن الهدف الرئيسي هو أن تصبح جزءا من الدولة كخطوة لتعزيز السلطة والسيطرة على الدولة. سيتم دمجهم بشروطهم الخاصة حتى لا يفقدوا الحكم الذاتي. وهكذا، بدلا من كبح جماح الجماعات شبه العسكرية، يمكن أن يكون قرار عبد المهدي خطوة أخرى في عملية تمكينهم".

قرار ليس عراقيا

رأى سياسيون عراقيون قرار رئيس الحكومة عادل عبدالمهدي، أنه جاء بضغط من الولايات المتحدة الأمريكية ولم يكن قرارا عراقيا، وإنما فرض على البلد، ولا سيما في هذا التوقيت.

وقال نائب رئيس الوزراء الأسبق بهاء الأعرجي: إن "الأحداث الأخيرة التي حصلت في العراق، ومنها ضرب السفارة الأمريكية واقتحام السفارة البحرينية، عجّل بهذا الموضوع، وأيضا زيارة أعضاء مجلس الأمن إلى بغداد".

وكشف الأعرجي، أن "أعضاء مجلس الأمن جلبوا معهم أدلة بالصور، من دول خليجية وأمريكا أيضا عن خروقات فصائل الحشد الشعبي وجرائم قتل، وعمليات تغيير ديموغرافي (منع الأهالي من العودة إلى ديارهم بعد استقرار الوضع) وهذا صحيح وليس كذبا".

وقبل ذلك، أعلن النائب العراقي السابق مشعان الجبوري، أن "الولايات المتحدة الأمريكية، أكدت لرئيس الحكومة العراقية أن طائرات مسيرة انطلقت من العراق، هي من قصفت المنشآت النفطية السعودية".

وأضاف الجبوري: أن "الجهات الأمنية الأمريكية، أكدت لعبدالمهدي المناطق التي انطلقت منها الطائرات المسيرة من العراق، وذهبت باتجاه السعودية واستهدفت شركاتها"، إلا أن رئيس الحكومة العراقية استبعد ذلك وقال: إن "جميع أجهزتنا لم تؤشر عندها أي خروقات".

من جهته، قال المحلل السياسي العراقي منذر المشهداني لـ"الاستقلال": إن "ضغوطات كبيرة من الدول الغربية تعرضت لها الحكومة العراقية، بعد هذه الخروقات أدت جميعها إلى اتخاذ عبدالمهدي لهذا القرار".

لكن المشهداني، شدد على أن القرار فيه خطورة كبيرة على المؤسسة العسكرية، ولن يتم الدمج بالمعنى الحقيقي، وإنما سيكون جسما مستقلا بذاته يعيش ويتغذى على موارد المؤسسة الحكومية".

وأفاد بأن "الجرائم والسرقات وعمليات النهب والتهريب التي تتهم بها فصائل من الحشد الشعبي بين الحين والآخر، ستكون أكثر رسمية، وإذا حصلت أية خروقات في المستقبل فإن الجيش سيكون المتهم".

ورأى المشهداني، أن "قرار دمج الحشد الشعبي مع الجيش، هو عنوان فقط، لكن المضمون هو وجود كيان عقائدي شيعي بمؤسسات توازي مؤسسات الجيش، وأنه اليوم لا يتم قبول أي شخص في الانضمام للحشد الشعبي، وإنما يختارون بعناية ويزكون من فصائل عقائدية بحتة".

واتهم سياسيون وحقوقيون عراقيون ومنظمات دولية قوات الحشد بارتكاب انتهاكات بحق عراقيين في مدن ذات غالبية سُنية كان تنظيم الدولة يسيطر عليها، بينما اعتبر القائمون على تلك القوات أنها "انتهاكات فردية".

صد الانقلابات

وبحسب تقرير نشرته صحيفة وزارة الدفاع الأمريكية، فإن "قوات الحشد سيتم سحبها من القواعد المتعددة، المنتشرة عبر البلاد، إلى تجمعات أكثر تركيزا، تنتشر على المناطق النائية حول بغداد، على شكل حزام، وفي محافظة ديالى، وكذلك في سامراء، وأخيرا الصحراء المحاذية لمحافظة كربلاء وحتى الحدود السعودية، أي أن الحشد الشعبي سيمثل قوة تفصل المناطق السنية، عن تلك الشيعية، في البلاد".

وأوضحت أن "الحكومة العراقية ستحتفظ أيضا بقوة من الحشد داخل بغداد، لصد أي محاولات انقلاب قد يقوم بها الجيش العراقي (وزير الدفاع سني وفقا للمحاصصة) ضد النظام (الشيعي)، وفي ذات الوقت، لن تسحب الجيش الى خارج المدن، خوفا من الوقوع تحت سطوة الحشد المتبقي في العاصمة".

وأكد تقرير وزارة الدفاع الأمريكية، أن قرار عبدالمهدي "قد يؤدي في النهاية إلى زيادة سلطة أبو مهدي المهندس، على فصائل الحشد، عبر توحيدها تحت رعايته غير المباشرة، خصوصا وأن عملية الانضباط في داخل مؤسسة الحشد، يشرف عليها المهندس، وقيادي آخر باسم أبو زينب اللامي".

وفي تقرير نشرته صحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية، قالت فيه إنه لكون بعض المجموعات المسلحة على علاقة بإيران، فإن عبدالمهدي، يتعرض للضغط من أمريكا وبعض الدول العربية التي تخشى النفوذ الإيراني في العراق.

ولفتت الصحيفة إلى أن رئيس الوزراء السابق حيدر العبادي حاول في آذار/ مارس 2018 التقليل من استقلالية المليشيات، من خلال دمجها مع قوات الأمن، لكن بقيت تلك القوات مستقلة إلى حد كبير، مشيرة إلى أن عبدالمهدي قام بتأكيد الأمر الصادر عن العبادي، وأضاف إليه أن على المليشيات مغادرة مقراتها العسكرية المحلية، وإغلاق مكاتبها الاقتصادية.

ويجد التقرير أنه ليس من الواضح كيف سيقوم عبدالمهدي بفرض أوامره هذه، أو حتى إن كان بإمكانه تطبيقها، لافتا إلى أنه وضع مهلة محددة للالتزام بالأوامر مع حلول 31 تموز/ يوليو الجاري.

وتابعت الصحيفة، أن عبدالمهدي يحاول معالجة مشكلة متعددة الجوانب أصابت العراق منذ بدأ تنظيم الدولة بالسيطرة على الأراضي العراقية عام 2014، وشجع ذلك على تشكيل مجموعات مسلحة غير رسمية للمساعدة في قتال المتطرفين، وتم تبني بعض تلك المجموعات ابتداء من إيران، حيث يتم تمويلها ودعمها من طهران، لكنها بعد فترة تزايدت، وكثير منها لم تربطه إلا علاقة بسيطة بطهران، أو لم تكن لها أي صلة بها.

وأشارت إلى أن أمريكا أصبحت أكثر تشككا من الدور الذي تؤديه تلك المليشيات، وأدرجت كلا من كتائب "حزب الله" و"كتائب النجباء" على قائمة المنظمات الأجنبية الإرهابية، مؤكدة أنه عندما زار وزير الخارجية الأمريكي العراق في حزيران/ يونيو الماضي، عبّر عن قلقه من أن بعض المجموعات المرتبطة بإيران تشكل خطرا على القوات الأمريكية في العراق.

وأوردت الصحيفة نقلا عن المسؤولين الذين يعملون عن كثب مع عبدالمهدي، قولهم إنه أصدر القرار بوضع حد للمجموعات المسلحة تحت ضغط من أمريكا. وبيّن التقرير أن هذه المجموعات ستبقى تحت السيطرة المباشرة لرئيس الوزراء، بدلا من دمجها تماما في وزارة الدفاع أو الداخلية التي تسيطر على الشرطة.

ونوّه التقرير إلى أنه عندما حاول رئيس الوزراء السابق العبادي العام الماضي الحصول على السيطرة على قيادة المليشيا والتخفيف من سلطتها، فإنه زاد عددها في الواقع، فهناك الآن حوالي 30 مجموعة مسلحة، فيها ما مجموعه حوالي 130 ألفا إلى 150 ألف عضو.