"نيويورك تايمز" تكشف تفاصيل لقاءات مهّدت لإتمام اتفاق السودان

نشرت صحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية، مقالا لمدير مكتبها في القاهرة، ديكلان والش، تناول فيه التطورات في السودان وما جرى من اتفاق بين المجلس العسكري والقوى السياسية والثورية الممثلة للحراك الشعبي، على تقاسم السلطة بين الطرفين لمدد معلومة.
وكتب الصحفي مقالا بعنوان "لقاءات سرية وغضب شعبي عارم دفع باتجاه اتفاق تقاسم السلطة في السودان" قال فيه: إن "التطورات الأخيرة التي حدثت خلال الأيام الماضية كانت نتيجة دفع لقاءات سرية بين الأطراف الفاعلة في المشهد السوداني، إضافة إلى موجات الغضب الشعبي العارم الذي اجتاح السودان، كل هذه الأمور دفعت الفرقاء السياسيين بالبلد إلى الاتفاق على تقاسم السلطة".
وأضاف، أن الأوضاع في السودان كانت محبطة وكارثية منذ شهر، عندما اقتحمت القوات شبه العسكرية اعتصام قوى الحرية والتغيير وقامت بضرب وقتل المعتصمين، وإطلاق النار على المعتصمين، بل وصل الأمر بهم إلى رمي جثث الضحايا في النيل، ثم قطع الإنترنت في عموم السودان.
أمل هش للديمقراطية
وفي سياق متناقض، كما ذكر الكاتب، فوجئ العالم بأن قادة قوى الحرية والتغيير جلسوا وجها لوجه مع قادة المجلس العسكري في غرفة واحدة، وفي غضون يومين توصلوا لاتفاق تقاسم السلطة لإدارة السودان حتى تتم الانتخابات في غضون فترة لا تزيد عن ثلاث سنوات.
وأكد الكاتب، أنه على الرغم من أن تفاصيل الاتفاق لا تزال في طور الإعداد، إلا أن الاتفاق قد أعطى للشعب، في واحدة من أكبر وأهم الدول الإفريقية من الناحية الإستراتيجية، أملا هشا للتحول الديمقراطي بعد 30 عاما من الديكتاتورية تحت حكم الرئيس السابق عمر البشير الذي أُطيح به في أبريل/نيسان الماضي.
وكان لابد لزعماء الاحتجاجات، كما يؤكد الكاتب، أن يقدموا تنازلات عديدة، فسيدير السودان جنرال عسكري لمدة 21 شهرا، يليه قائد مدني للبلاد لمدة 18 شهرا، ولكن يبدو أن الكثيرين أصابهم الشك في أن المجلس العسكري سيتقاسم السلطة على الإطلاق، وسيتم تشكيل المجلس السيادي المكون من خمسة مدنيين، وخمسة قادة عسكريين، بالإضافة إلى العضو الحادي عشر الذي سيتم الاتفاق عليه.
وأشار الكاتب إلى أنه في الوقت الذي تدخّل فيه الوسطاء من الاتحاد الإفريقي لرعاية الاتفاق النهائي لتقاسم السلطة في السودان، فقد تم الاتفاق على تقاسم السلطة تأسيسا على عدة عوامل منها، أسبوع هائل من الغضب الشعبي العارم الذي اجتاح جميع ربوع السودان.
وأردف: تدفق مئات الألاف من المتظاهرين إلى شوارع السودان مطالبين بتسليم السلطة لقيادة مدنية، ومنددين بالوحشية العسكرية التي تعامل بها المجلس العسكري الحاكم مع المحتجين، ليس هذه فقط، ولكن جرت جولات من المحادثات الدبلوماسية والسياسية في الغرف المغلقة، توسط فيها تحالف كبير متنوع من القوي الأجنبية، التي كانت في السابق مختلفة حول تفسير مآلات الأمور ومصير السودان.
بلورة الاتفاق باجتماع سري
وعن كواليس التوصل للاتفاق، أكد الكاتب، أن دبلوماسيين من الولايات المتحدة وبريطانيا والإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية التقوا قادة المجلس العسكري وقادة قوى الحرية والتغيير في أول اجتماع يجمعهم من المذبحة التي ارتكبها المجلس العسكري بفض الاعتصام في الثالث من يونيو/حزيران، والتي راح ضحيتها 128 شخصا، وفقا لتقرير الأطباء.
وأشار الكاتب الى أنه حتى انعقاد هذا الاجتماع، كان السعوديون والإماراتيون داعمين للمجلس العسكري وإجراءاته القمعية تجاه المحتجين، لكونهم قلقين من كون انتصار المحتجين على المجلس العسكري قد يُشكّل سابقة خطيرة لحكمهم الاستبدادي، في الوقت الذي كان فيه الأمريكيون والبريطانيون داعمين للمحتجين ودافعين أقوياء باتجاه الديمقراطية.
واستطرد قائلا: إن مقر جمعية رجال الأعمال في السودان استضاف اجتماعا سريا حضره الدبلوماسيون بهدف إذابة الجليد بين طرفي الأزمة في السوان، قيادات المجلس العسكري، وقيادات قوي الحرية والتغيير، الذين كتبوا أسطر كتاب خلافاتهم بمداد الدم.
وزاد الكاتب، أن سُحبا من التوتر قد ظللت الاجتماع، حيث وجد قادة قوى الحرية والتغيير جالسين وجها لوجه مع اللواء محمد حمدان المعروف بـ"حميدتي" المتهم بإصدار الأوامر إلى القوات العسكرية بفض الاعتصام بطريقة وحشية، أسفرت عن مقتل عشرات المحتجين في الثالث من يونيو/حزيران الماضي، ما أدى الى صدمة كبيرة بين صفوف المحتجين، للدرجة التي جعلت من حميدتي العدو الأكبر ومحور كراهية المحتجين، في الوقت الذي قام بنشر قواته في كافة ربوع البلاد لتأكيد سلطته الغاشمة وهيمنته على مقاليد الأمور في السودان.
وذكر، أن مسؤولين غربيين وسودانيين، لم يتم التعرف عليهم، بسبب الطبيعة الحساسة للمفاوضات، قد ذكروا تفاصيل عن الاجتماع، الذي كشف عنه، للمرة الأولى، المبعوث الأمريكي إلى المنطقة، دونالد بوث، في مقابلة مع إحدى الصحف الإمارتية في الأول من يوليو/تموز.
وأكد الكاتب، أن الاهتمام المفاجئ لكل من السعودية والإمارات بالشأن السوداني وحرصهما على تقريب وجهات النظر بين الفرقاء السودانيين كان قد جاء بسبب ممارسات الجنرال حميدتي الوحشية، والتي كانت قاسية إلى حد بعيد، حتي على بلدين تواجها الكثير من الانتقادات جراء سلوك قواتهما باليمن، في الوقت الذي أدركا فيه، وفقا لمسؤولين غربيين، أن السودانيين انقلبوا على ممارسات حميدتي، مما دفع دول الخليج لانتهاج نهج دبلوماسي مع الحفاظ على دعمها للجيش.
ماذا عن السعودية والإمارات؟
وحتى وقت قريب، كان الحكام السعوديون والإماراتيون يدعمون علنا جنرالات السودان، متعهدين بتقديم 3 مليارات دولار للمساعدة في تعزيز قواتهم، إضافة الى استقبال ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، ونظيره الإماراتي، محمد بن زايد جنرالات السودان في عواصمهم.
ورأى الكاتب، أن من بين الأسباب التي تدفع حكام السعودية والإمارات الى دعم جنرالات السودان هو تعزيز قواتهم ومشروعهم العسكري في اليمن، حيث يقود الجنرال حميدتي قوة سودانية كبيرة تقاتل إلى جانب التحالف السعودي الإماراتي في اليمن ضد قوات الحوثيين المتمردين منذ عام 2015.
وأوضح والش، معللا الموقف السعودي والإماراتي، أنه بسبب ارتفاع أعداد ضحايا المجزرة التي ارتكبها المجلس العسكري في فض الاعتصام أوائل يونيو/حزيران الماضي، دفعت السعوديين والإماراتيين إلى القول بأنهم مذعورين من العنف غير المبرر، والانضمام الى الجهود الدبلوماسية لجمع الشتيتين على مائدة مفاوضات لإيجاد حل للأزمة.
وذكر الكاتب، أن اجتماع الأطراف السودانية في مقر رجال الأعمال في الخرطوم لم يكن نجاحه مضمونا، ففي الوقت الذي انفض فيه الاجتماع لالتقاط الأنفاس والراحة، داهمت قوات اللواء حميدتي مكاتب المعارضة في الخرطوم، ومرة أخرى تخسر كافة الرهانات في حل الأزمة، إلا أنه، وفي اليوم التالي، أدت الحشود الضخمة للجماهير في الشوارع، الى تغيير إستراتيجية التفاوض، مئات الألاف من الجماهير- في بعض التقديرات وصلوا الى مليون شخص- الغاضبة والمحتجة تحتل شوارع السودان لأول مرة منذ مذبحة فض الاعتصام في الثالث من يونيو/حزيران الماضي، محتجين ومنددين بالمذبحة ومطالبين بتسليم السلطة إلى المدنيين، بينما ذكر مسئولون سودانيون أن الحشود الضخمة في الشوارع قد فاجأت وصدمت جنرالات المجلس العسكري الحاكم.
وأشار إلى مقتل 11 شخصا على الأقل خلال الاحتجاجات، ولكن ظهور الدعم الشعبي لمطالب قوى الحرية و التغيير، نجم عنه دحض مزاعم جنرالات المجلس العسكري بأن الاحتجاجات تتضاءل وأن نسبة قليلة من الشعب السوداني تتجاوب مع دعوات الاحتجاج، مما دفعه إلى الحديث.
وذكر مسؤولون أنه، في الأربعاء الماضي، وافق قادة قوى الحرية والتغيير على التخلي عن شروطهم السابقة، وفتح الباب للمفاوضات لمدة 72 ساعة، قاصرين الحديث في التفاوض على وضع المجلس السيادي، بحسب الكاتب.
وتابع: في الساعات الأولى من صبيحة الجمعة، أعلن وسيط الاتحاد الإفريقي، محمد حسن ليبات، أن الفرقاء توصلوا إلى اتفاق، مما دفع الجماهير السودانية إلى إطلاق أبواق السيارت في الشوارع احتفالا بالاتفاق الذي سيخرج البلاد من أزمتها.
من يكون القائد المؤقت؟
وأكد الكاتب، أن تفاصيل الاتفاق في طور الصياغة الآن، ومن المتوقع توقيع الاتفاق مطلع الأسبوع المقبل، حيث يقول مسؤولون سودانيون وغربيون أنه من المتوقع وقوع الاختيار على اللواء عبد الفتاح البرهان قائدا مؤقتا للبلاد، كما أنه من المتوقع تشكيل حكومة تكنوقراط تدير شؤون البلاد، إلا أن المقترح السابق بتشكيل هيئة تشريعية يسيطر عليها المدنيون قد تم تعليقه.
ونوه إلى أن هناك الكثير من الغموض يلف الاتفاق، حيث إنه ليس من الواضح متى سيتم إعادة الإنترنت للبلاد، إضافة إلى ضبابية إمكانية إجراء تحقيق مستقل من هيئة حقوق الإنسان التابعة للاتحاد الإفريقي، أو هيئة محلية في مجزرة فض الاعتصام في الثالث من يونيو/ حزيران الماضي.
وذكر الكاتب، أنه بات من غير الواضح ما سيحدث لو تم إثبات تورط اللواء حميدتي بعمليات قتل المعتصمين إبان مجزرة الثالث من يونيو/حزيران، الأمر الذي من الممكن أن يصيب العملية السياسية برمتها في مقتل، إلا أن قواته قد قلصت من وجودها في شوارع الخرطوم، ولكن يبدو أن سُحبا من الشك لا تزال تسيطر على المشهد حيال الرجل الأكثر شهرة في السودان، صاحب الطموحات السياسية الغامضة، هل يهدف الى إدارة البلاد، أم أنه يهدف الى تأمين مصالحه الاقتصادية مثل مناجم الذهب في غرب دارفور؟
وخلص بعض المحللين إلى أن المدنيين استسلموا أكثر من اللازم، حيث ونقل الكاتب عن بايتون كنوبف، مستشار برنامج إفريقيا بمعهد السلام بالولايات المتحدة، قوله: "لا يوجد ما يشير إلى أن هذا يمنح السيطرة للمدنيين على الموارد وصنع القرار بشكل أساسي، أو سيطرة المدنيين على الأجهزة الأمنية، فقط الاتفاق يمنح الجيش والجنرال حميدتي الوقت لتعزيز قوتهم".
بينما قال آخرون إنها خطوة أولى ضرورية، فقد نقل الكاتب عن أحمد سليمان، وهو متخصص في شؤون السودان في "تشاتام هاوس" وهو معهد للسياسات، قوله: "يُنظر إلى حميدتي كخط أحمر للبعض في المعارضة. "لكن لا توجد آلية لإزاحته من الصورة الآن، أو في المستقبل القريب. وتسيطر على المشهد حالة من التطلع إلى الصالح العام، لصالح الديمقراطية الشاملة ".
واختتم ديكلن والش مقاله في "نيويورك تايمز" ناقلا عن أحمد سليمان قوله: "إنه إذا تم الانتهاء من الاتفاق في نهاية هذا الأسبوع، فسيمثل هذا تحديا كبيرا لإحلال التوافق في السودان، وبدخول الاتفاق حيز التنفيذ، تبدأ المرحلة الصعبة في السودان".


















