سياسات بن سلمان وإعلام بن زايد.. طريق الباحثين عن الإلحاد

الإلحاد ظاهرة ليست جديدة على المجتمع السعودي، لكن تعالي وتيرتها وانخفاضها مرهون بخروج حالات تعلن إلحادها على الملأ، أو أخرى متخوفة من البوح بذلك، في حين تضيع الحقيقة وراء أسباب تنامي الظاهرة بين إلقاء اللوم على السلطات، أو المجتمع، أو الملحد نفسه أو أهله وذويه.
طرح ظاهرة الإلحاد "الاعتقاد بعدم وجود إله" في السنوات الماضية كان مقترنا بالبحث عن آليات للحد من انتشارها وتحجيمها، أما في عهد ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، فالإعلام السعودي الذي يدار من أبو ظبي استباح الترويج للإلحاد كعقيدة يجب احترامها في المجتمعات الخليجية، وأتاح لأهل البدع الحديث عن أفكارهم.
خلال لقائه برئيس أساقفة "كانتربري" زعيم الكنيسة الإنجليزية، جاستن ويلبي، الخميس 8 مارس/آذار 2018، أظهر "بن سلمان" التزاما قوياً بتوفير أجواء من الحرية لمعتنقي مختلف المعتقدات والحوار بين الأديان داخل المملكة وخارجها.
في المقابل، ركزت السلطات السعودية وإعلامها على الإساءة إلى أهل السنة والجماعة، وتشويه الدعاة، وملاحقتهم والزج بهم في السجون، واغتيال المدافعين عنهم، أو دفعهم إلى الهروب خارج البلاد بحثا عن ملاذ آمن.
لا تتوفر دراسات حديثة تشير إلى النسب الحقيقية للإلحاد داخل المملكة، لكن دراسة أعدها معهد غالوب الدولي منذ 2014، كشفت أن نسبة الإلحاد في السعودية تتراوح بين 5 و9 بالمئة من مجموع عدد سكان المملكة، ومنذ ذلك الحين تظهر الحالات واحدة تلو الأخرى.
أفكار مشوهة
الترويج بقوة للإلحاد كعقيدة جاء عبر برنامج ليوان المديفر الذي يقدمه الإعلامي عبد الله المديفر على قناة روتانا خليجية، حينما استضاف الكاتب السعودي المجنس إماراتياً منصور النقيدان الثلاثاء في 21 مايو/آيار 2019، ليصرح بأن الإلحاد عقيدة، ويجب أن يتم احترامه، لأنه خيار للإنسان، متطاولا على عقيدة أهل السنة والجماعة.
النقيدان ادعى أن العقائد التي تدرس في المدارس والمساجد عبارة عن مدونات كُتبت في القرن الثالث وتولى تدوينها نخبة من أهل الحديث والأثر وخرج عن هؤلاء المعتزلة وغيرها – حسب زعمه -.
برنامج "المديفر" الحواري، الذي بدأ بثه بداية شهر رمضان الماضي، أثار الجدل باستضافته لشخصيات تراجعت عن أفكارها وبدلت مواقفها ودعت لأفكار مشوهة وحملت مغالطات كثيرة، وأتاح البرنامج لـ"النقيدان" أن يعلن أنه من غلاة المرجئة، الذين يرون أن الإيمان القلبي الذي هو أساس الفطرة هو الإيمان الحقيقي.
ترويج للإلحاد
قناة روتانا خليجية التي أفسحت المجال لضيوفها للترويج للإلحاد على أنه عقيدة وتهجمت على أهل السنة والجماعة، تحظى بنسب مشاهدة ومتابعة عالية، خاصة في شهر رمضان، حيث يشترك في صفحتها على تويتر حوالي 4 مليون ونصف، وحصلت حلقة "النقيدان" على 179 ألف مشاهدة - حتى كتابة هذه السطور-.
"النقيدان" من الشخصيات المقربة من تركي الدخيل مدير قناة العربية الممولة سعوديا والمتصلة مباشرة بالديوان الملكي، والتي تُبث حاليا من الإمارات، وأحد أبرز المقربين من دائرة الحكم في السعودية ويتولى الآن منصب سفير السعودية لدى الإمارات.
استطاع الدخيل استقطاب النقيدان وإقناعه بالعمل معه في الإمارات عبر تدشين مظلة بحثية جمعته مع اثنين آخرين هم مشاري الذايدي وعبد الله بن بجاد، تحت لواء واحد وكان ذلك عام 2005.
تلك المظلة عرفت بمركز "المسبار للدراسات والبحوث"، الذي وجّه أهدافه نحو رصد وتفكيك الحركات الإسلامية، وأسسه الدخيل، وتولى "النقيدان" منصب مدير المركز.
كان النقيدان عضوا في جماعة "إخوان بريدة"، امتداد للجماعة السلفية المحتسبة، التي اعتمدت تغيير المنكر باليد في السعودية، وهو ما أدى لارتدادت داخلية واسعة عبّرت عنها عدد من الحوادث في بداية التسعينيات داخل المملكة.
كان النقيدان، مع آخرين من باحثي المركز، ضمن هذا التيار الذي يصفه متابعون باعتباره "شديد التطرف والإقصاء" في الداخل السعودي، والذي مال إلى الشدة وتحريم كل مظاهر التقنية الحديثة حتى ساهم في خلق مناخ شديد الحذر تجاه الوسائل التكنولوجية، بصفة خاصة ما اتصل بالهاتف والتلفاز والفيديو والكاسيت، حتى وإن كان ذا محتوى ديني.
اتُّهم التيار الذي انتمى إليه النقيدان بأنه يناصب العداء للسلطات السعودية، حيث انخرط النقيدان في حملات تكسير محلات الفيديو في المملكة، قبل أن يتم اعتقال النقيدان لمدة عامين و8 أشهر بسبب صدامه مع مواطنين في بريدة ضمن حملات تكسير محلات الفيديو، مع الاعتقال بتهمة الانتماء لتنظيم سريّ انخرط فيه النقيدان ومشاري الزايدي وعبد الله بجاد.
وكان هذا التنظيم مسؤولا عن تفجيرات الرياض بحسب شهادة المنظّر الجهادي الشهير أبي محمد المقدسي. ولم يخجل "النقيدان" من الإعلان عن تنازله عن الجنسية السعودية وحصوله على الجنسية الإماراتية.
#فيديو#المديفر يسأل الكاتب #منصور_النقيدان: كيف استطعت أن تتنازل عن الجنسية السعودية؟#منصور_النقيدان_في_ليوان_المديفر pic.twitter.com/JI4WBQuPjT
— الليوان (@Fealsora) May 21, 2019
ليقرأ المشهد الآن أن "النقيدان مواطن سعودي ومعتقل سابق ومتبنٍ لأفكار عنف ومذبذب في اتجاهاته الفكرية، تخلى عن جنسيته السعودية وفضل حمل الجنسية الإماراتية، ليظهر بعد سنوات من الاختفاء على قناة سعودية متهما الأجهزة الأمنية بسجنه ظلما في السابق ويروج لأفكار غير متزنة.
النقيدان يشكك في المعتقدات الإسلامية ويشوه أركان الإسلام ويخلط الأمور على المشاهدين، ويعلن إلحاده وينادي باحترام الإلحاد ويعتبره عقيدة وخيارا"، لتبدو الصورة أكثر وضوحا، ويتضح أن الإمارات هي من تدير المشهد وتسخّر جنودها ممن اشتروا جنسيتها ليشوهوا أفكار ومعتقدات المجتمع السعودي.
ردة النقيدان
بعد أن نجح ولي العهد في تشويه الدعاة وتغيبهم، لم يترك أحدا ليرد على ادعاءات وأباطيل "النقيدان" كما كان في السابق، وغاب عن دولة مفترض أنها تحكم بالشريعة الإسلامية الحكم الشرعي على المرتد، حيث أصدر رجال دين سعوديون في فبراير/شباط 2003 بيانا بـ"ردّة" النقيدان.
ووقع على البيان المطول 4 من المشايخ وهم: علي بن علي الخضير، وحمد بن ريس الريس، وحمد بن عبد الله الحميدي، وأحمد بن حمود الخالدي، ونشر البيان في الموقع الرسمي والشخصي للشيخ الخضير على الإنترنت.
وسبقه بيان آخر فتوى أصدرها الشيخ ناصر الفهد، قال فيها بردّته وزندقته، واصفا فيها حديثا للنقيدان أدلى به إلى منتدى "الوسطية" بأنه: "كفر بواح وردّة ظاهرة وزندقة مكشوفة يجب على المسئولين أن يستتيبوا صاحبها فإن تاب وإلا قتل مرتدا كافرا لا حرمة له"، ناعتا إياه بـ "المريض"، إذ أنه "سلك الطريق الذي يفضي به إلى الزندقة" -بحسب فتوى الفهد-.
كانت الفتاوى والمواقف السابق الإشارة إليها حين كانت السعودية تحتفظ بسمْتها الإسلامي المحافظ، أما الآن وفي عهد الملك سلمان ونجله فلم يصدر أي رد فعل تجاه ما صرح به "النقيدان"، ولم يخرج من داخل السعودية، من يرده عن أفكاره أو يواجهه بخطئه أو يطالب باستتابته أو مناظرته أو ردعه أو على الأقل يمنعه من الظهور في الإعلام والترويج لأفكاره.
جاء الرد من خارج السعودية وليس على المستوى الرسمي أيضا، فقد اتجه دعاة إلى قنواتهم بموقع اليوتيوب، لبث مقاطع فيديو ترد على ترويج "النقيدان" للإلحاد، حيث رد الدكتور نايف العجمي الداعية الإسلامي والأكاديمي بكلية الشريعة جامعة الكويت، على تصريحات "النقيدان" بمقطع فيديو أجهض فيه أباطيل "النقيدان"، وحصل المقطع على 41 ألف مشاهدة حتى كتابة هذه السطور.
العجمي وصف كلام النقيدان بأنه صادم لأهل الإيمان، موضحا أن إعلان "النقيدان" أنه من غلاة المرجئة، يعني أنه "جهمي" وهي فرقة ضالة منحرفة تقوم على بدع مكفرة بحسب ما نص عليه أكثر من 500 عالم من علماء المسلمين.
وأكد أن من يتبنى الأفكار التي حاول "النقيدان" تمريرها خلال حواره مع "المديفر" لا يريد إلا أن يعيش حياته بلا تكاليف شرعية لا أداء واجبات ولا اجتناب محرمات، ويريد أن يفعل ما يشاء ويمارس ما يريد.
خيار التعايش
وفي حين يواصل الساعون إلى الفتنة أعمالهم ويتم مكافأتهم ورفعهم وتلميعهم عبر القنوات الفضائية لتقديم نموذج للإسلام المشوه، تعلن السلطات تمسكها بـ"تطبيق الشريعة" حين يتوافق الأمر مع أهوائها فقط.
تحت دعوى تطبيق الشريعة، نفذت السلطات في أبريل/نيسان الماضي، حكما بالإعدام بحق 37 سعودياً مرة واحدة، بينهم 33 من الشيعة بعد أن أدانتهم بالإرهاب وبث الأفكار المتطرفة والفتنة الطائفية، كما يقبع في سجونها عدد كبير من العلماء والدعاة والمفكرين والمصلحين من أهل السنة والجماعة.
وبحسب ورقة بحثية، قدمها الدكتور محمد مختار الشنقيطي أستاذ الأخلاق السياسية وتاريخ الأديان، حرمت الإستراتيجية السعودية الفاشلة أهل السنة والجماعة بخطابها التكفيري التشهيري من خيار التعايش السلمي مع الشيعة وخذلتْهم سياسيا وعسكريا في خيار التدافع الفعال ضد التوسع الشيعي.
وأشار إلى أن السلطة السعودية ترتكب خطيئة الثورة المضادة وتوجيهها لطاقاتها السياسية والمالية ضد الشعوب منذ اندلاع ثورات الربيع العربي، وحربها الاستئصالية على القوى الإسلامية السنّية التي كانت رافعة تلك الثورات، وهو ما خلخل البناء العربي كله، وفتح ثغرات مُهلكة في الجسد العربي، وفي الكيان السني الأكبر، دخلت منها إيران وروسيا وغيرهما. وقد أسفرت الإستراتيجية السعودية الخرقاء عن تراجعات كبرى لقوة أهل السنة، السياسية والعسكرية.
وخلص الشنقيطي إلى أن السلطة السعودية ضيَّعت على أهل السنة خيار التعايش السلمي مع الشيعة، ثم ضيعت عليهم خيار التدافع الإيجابي معهم، وحاربت كل عناصر القوة المادية والمعنوية لديهم، وبذلت كل طاقتها لوأد ثورات الشعوب وإبقائها في سجون الظلمة، وتدَّعي نصرة الإسلام وحمل راية السنَّة.
وفي الوقت الذي تسخّر السلطات السعودية إمكانياتها وقدراتها لوأد أهل السنة وقمع الشيعة، تفشل في مواجهة تنامي ظاهرة الإلحاد، ففي 2014، تم الترويج عبر وسائل الإعلام السعودية الحكومية عن إعلان الجمعية العلمية السعودية لعلوم العقيدة والأديان والفرق والمذاهب، إنشاء مركز "يقين" لمعالجة النزعة الإلحادية واللادينية، ورصد أسبابها.
وقال الدكتور سعود الخلف رئيس الجميعة حينها، إن المركز سوف يتواصل مع المتأثرين بالنزعة الإلحادية ومحاورتهم لإقناعهم بالرجوع إلى جادة الحق، وتحصين الشباب من الوقوع فيه، والتواصل المباشر مع المتأثرين بهذا التيار سعيا لإصلاحهم وما إلى ذلك من أهداف كثيرة أعلنت حينها، إلا أن الحقيقة أن أيا من هذه الأشياء لم ينفذ.
"الاستقلال" حاولت في 29 مايو/آيار 2019 التواصل مع حساب "يقين" عبر موقع التواصل الاجتماعي تويتر من حسابين وهميين مختلفين، الأول لم يرد السلام والثاني لم يجب على أسئلتنا التي طرحناها عن أسباب الإلحاد؟ وطريقة التحصين وعن إمكانية مساعدتهم في حال قررت الاتجاه للإلحاد؟ بل حتى الآن لم تتم قراءة الرسالة من الأساس أو حتى تمرير رسالة إلكترونية تعد بالإطلاع عليها.
الدراسة والإعلام
الدكتورة فاطمة الوحش -الأكاديمية والباحثة السياسية، حمّلت السلطة الحاكمة في السعودية مسؤولية نشر الإلحاد لأنها ذات سلطة ونفوذ وقرار، بهدف إماتة العقل تمهيداً لتدميره وجعله غير قادر على الاستيعاب مما يسهل غزوه.
وقالت في حديثها لـ"الاستقلال": "المناهج الدراسية في السعودية تم استخدامها للتشكيك في تفسير الآيات القرآنية والحديث. والإعلام تم تفريغه من المحتوى الفكري والتركيز على الظواهر الخارجية الجاذبة والخلط ما بين التشريع والأحكام وفقه الحياة مع ثقافة المجتمع واللعب على وتر التقاليد والاستثناءات".
وأشارت إلى أن المناهج تم تفريغها من الشواهد النصية القرآنية والتي تحمل أهم الصفات وهي مفهوم الوحي والتخيل البرهاني الذي هو الأساس في العملية العقلية من الربط والتحليل والاستنتاج والتنبؤ.
وأضافت "الوحش": "من هنا ظهر الإلحاد لزيادة الشك وفقدان البرهان وغياب البيان والقرآن وحضور عواطف واتجاهات على المشهد العام في السعودية مما سهّل العبث الديني والفشل الأخلاقي".
المعارض السعودي محمد العتيبي، أرجع تزايد الإلحاد في السعودية إلى استخدام السلطة للدين كغطاء سياسي يتلون متى دعت الحاجة بحيث أصبح الشيخ يفتي فتاوى متناقضة ما بين ليلة وضحاها مما سبب ذلك وقوع الشك عند بعض الناس ممن لديهم ضعف في الوازع الديني.
ولفت في حديثه مع "الاستقلال" إلى أن الإنفتاح الإعلامي كان له تأثير قوي على مبادئ هذا الدين كظهور المشككين والملحدين خصوصاً في الآونة الأخيرة. بن سلمان جاهد في محاربة المشايخ المؤثرين في المجتمع وتغييبهم في السجون.
مضيفا أن "الابتعاث الخارجي كان له تأثير خاص على أفكار الشباب والبنات ممن كان يعاني داخل المجتمع من اضطهاد سياسي أو تضرر من الأعراف القبلية والأحكام الشرعية".
الكاتب محمد خير موسى قال إن الاستبداد المتذرع بالدين من أهم أسباب الإلحاد لأن الإنسان يريد التخلص من السلطة. وأكد في حوار له عبر صفحة الجزيرة مباشر، أن الخطورة تكمن في أن يكون الاستبداد السياسي مغلفا بثوب الدين وما جرى في السعودية خاصة ما يعرف بهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو استبداد باسم الدين وهذا أخطر وأسرع إلى الإلحاد.
المصادر
- بالفيديو : "النقيدان" أنا من غلاة المرجئة .. وإيماني إيمان الفلاسفة .. وتفسيري للصلاة مختلف!
- "توبة.. إلحاد.. واعتذار غامض".. أشهر 3 محطات لـ "ليوان المديفر"
- بيان من علماء سعوديين بتكفير منصور النقيدان
- كيف تتحكم أبو ظبي في إعلام السعودية ؟!
- الإعلام السعودي في عهد بن سلمان... تغييرات الأفراد والخطاب
- السعودية ترتدي ثوب الترفيه.. كيف زادت الجرعة في رمضان؟
- أوراق الربيع (27).. الحرب السعودية على أهل السنَّة
- "علماء السنة" تدين اعتقال علماء بالسعودية بينهم العودة
- السعودية تُعدم 37 شخصاً معظمهم شيعة وتصلب أحدهم ومفوضية حقوق الإنسان تندد
- الدخيل والمسبار.. كيف يهندس سعودي تشويه الحركات الإسلامية بأموال بن زايد؟
- تركي الدخيل: من قيادة قناة "العربية" إلى سفير السعودية لدى الإمارات
- محمد بن زايد يتحكّم بإمبراطورية الإعلام السعودي
- السعودية بين نقيضين.. الإلحاد والوهابية
- إنشاء مركز لمكافحة «الإلحاد»
- باحث شرعي: الاستبداد المتذرع بالدين من أهم أسباب الإلحاد
- قافلة الانفتاح تسير في السعودية.. هل ترفع نسب الإلحاد؟















