طلب اللجوء في الخارج.. طوق النجاة الوحيد للمعارضين السعوديين

ارتفاع كبير في أعداد اللاجئين السعوديين شهدتها الأعوام القليلة الماضية، كان أعلاها بعد العام 2015، حسبما أظهرت آخر الأرقام الرسمية لمفوضية شؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة، أو ما يُعرف بـ"UNHCR".
فبين عامي 2015 و2016 ارتفع عدد اللاجئين وطالبي اللجوء السعوديين بنسبة 52 في المائة، إلى 1963 شخصا، مقارنة بمعدل ارتفاع سنوي نسبته 13 في المائة خلال العقد الماضي، وفي العام 2017 ارتفع الرقم بنسبة 23.55 في المائة ليصل عدد اللاجئين وطالبي اللجوء إلى 2392.
ووفقا للأرقام العامة للمفوضية فإن عدد اللاجئين السعوديين العام 1993 كان يبلغ 7 أشخاص، وذهبوا للإقامة في كل من الأردن واليونان والسويد، ليرتفع عدد اللاجئين وطالبي اللجوء في العام 2017 إلى 2392 شخصا، حيث استقبلت أمريكا 1143 شخصا وكندا 453 وأستراليا 191 شخصا بالإضافة إلى بريطانيا التي استقبلت 184 شخصا وألمانيا التي استقبلت 147 شخصا.
منفى اختياري
يعتقد أن ارتفاع وتيرة اللجوء سببه قمع السلطات السعودية للمعارضين، غير أن هذه الزيادة ليست مرتبطة بتولي الأمير محمد بن سلمان ولاية العهد عام 2017، بل سجلت الزيادة قبل ذلك العام، وفق مجلة إيكونوميست البريطانية.
وحسب تقرير للمجلة نشر في يناير/كانون الثاني الماضي 2019، فإن طلبات اللجوء التي تسجلها المفوضية السامية لشؤون اللاجئين لا تعكس الحقيقة كاملة، إذ إن طلب اللجوء خطوة لا يجرؤ على اتخاذها الكثير من السعوديين غير الراضين عن أوضاعهم أو الأوضاع داخل المملكة.
وتستدل المجلة على ما ذكرته بحالة الصحفي السعودي جمال خاشقجي، الذي قتل في قنصلية بلاده بإسطنبول في أكتوبر/تشرين الثاني 2018، فهو لم يطلب اللجوء لأنه لم يكن يرى نفسه معارضا للنظام السعودي، ولكنه هرب إلى الولايات المتحدة خوفا على نفسه من الأذى بسبب كتاباته المنتقدة لعدد من الممارسات في الرياض.
وتشير المجلة البريطانية إلى أن حالة المنفى الاختياري الذي سلكه خاشقجي سار عليه العديد من السعوديين الليبراليين، الذين هاجروا إلى لندن أو واشنطن، اللتين يستقر بهما الكثير من المعارضين السعوديين.
بدورها، أشارت منظمة العفو الدولية إلى أن العدد المتنامي لطالبي اللجوء السعوديين وقمع ناشطين ومنتقدين للحكومة، تعد علامة تحذيرية لوضع حرية الرأي في المملكة.
وحسب بيانات الهيئة الأوروبية للإحصاء (يوروستات)، فإن عدد السعوديين الذين تقدموا بطلبات لجوء إلى ألمانيا خلال الأعوام الثلاثة الماضية بلغ نحو 160 شخصا، وبلغ هذا العدد نحو 700 شخص على مستوى أوروبا خلال الأعوام الأربعة الماضية. هذا فيما كان يندر في الأعوام قبل 2014 أن يتقدم سعوديون بطلبات لجوء.
ردع السلطة
الداعية السعودي سعيد بن ناصر الغامدي قال: "رغم أن أعداد الهاربين من المملكة في تزايد مستمر إلا أن الذين أعلنوا عن مواقفهم حتى الآن لا يمثلون 5% من الباحثين عن لجوء والعازمين على المعارضة، حيث لا يمكن المعارضة الداخلية لشدة بطش النظام وقمعه".
وأوضح في حديثه مع "الاستقلال" أن الهروب من المملكة غير ممكن إلا لمن يتحمل متاعب التنقل والاختفاء، لافتا إلى أن العوائل والأطفال لا يمكنهم ذلك.
وأشار "الغامدي" إلى أن هناك طريقة يستعملها الأحرار الذين لديهم ابتعاث خارجي فيعلنون المعارصة أو الذين ليس عليهم منع فيخرجون بشكل طبيعي وفي الخارج يعلنون المعارضة.
وأكد أن ردع السلطات السعودية عن بطشها يستلزم زيادة الوعي في المجتمع وتكثير المعارضين في الخارج وتفعيل أدائهم.
قريب الحضيف
آخر الحالات التي أعلنت تمكنها من الخروج من البلاد، أحد أفراد عائلة الكاتب السعودي الدكتور محمد الحضيف المحكوم عليه بالسجن 5 سنوات بتهمة "التعدي على دول صديقة"، وذلك بسبب تحذيراته من خطر الإمارات على السعودية والمنطقة.
أحد أقارب محمد الحضيف وهو المعارض السعودي عبد العزيز الحضيف لجأ إلى كندا، معلنا في النصف الثاني من مايو/آيار الجاري، عبر حسابه بتويتر، أنه تمكن من الهروب من المملكة، قائلاً: "الحمد لله في يوم الخميس 16 مايو/آيار 2019 تم الهروب من مهلكة (مملكة) الدب الداشر (محمد بن سلمان) والحمد لله على الحرية.. ويارب الحرية لجميع المعتقلين والمعتقلات وأي شخص عايش بالمهلكة (المملكة)".
وتمكن عبد العزيز الحضيف عقب لجوئه إلى كندا من الحديث عن الدكتور محمد الحضيف، مقدما سلسلة تغريدات عنه تعريفا بنضاله وتذكيرا بتضحيته وصبره على الأذى الذي لاحقه 30 عاما من قبل الظالمین وإصراره على البوح بكلمة الحق وتحمل البلاء من أجلها.
جهاد الكلمة
وأكد أن الحضيف رغم تعیینه في الجامعة أستاذا مساعدا بوظیفة مرموقة یخاف علیها الراكنون للدنیا إلا أنه لم یتردد في الالتحاق بركب جهاد الكلمة ویدخل في عمق التشكیلة ودائرتها الصغیرة متمثلة في د. سعد الفقیه ود. محسن العواجي، وصار الثلاثة خلیة عمل أساسیة تركت أثرا في كل ما نعرفه الآن من نشاطات معارضة.
وأشار اللاجئ السعودي إلى أن الثلاثة وضعوا مشروع استئناف لجنة الدفاع عن الحقوق الشرعیة خارج البلد بعد أن قمعت في الداخل سنة 1993 وشاركوا في تهیئة الوضع وتهریب من یجب تهریبه وتهیئة الوضع الإداري والقانوني والمالي وبناء شبكة علاقات خارجیة داعمة، وكان للحضيف دور كبیر في ذلك كما شهد د. سعد الفقیه بذلك في مراجعاته.
وأوضح أن اللجنة انطلقت في لندن وكان هناك تفاعل شعبي معها رغم أنها اعتمدت على الفاكس فقط بلا فضائیات ولا إنترنت، مؤكدا تنامى هذا التفاعل حتى وصل ذروته في انتفاضة بریدة خریف سنة 1994 والتي قمعتها الدولة واعتقلت آلاف الأشخاص في مقدمتهم كبار المشایخ وشخصیات هامة بینهم د. الحضیف ود. العواجي.
وأنهى قريب الحضيف تغريداته، واعدا بأن تكون سلسلة التغريدات المقبلة عن ما حصل للحضيف في المعتقل وكيف تعقدت الأمور وتعاقب عليه الابتلاء، وكیف أطلق سراحه والمضایقات التي حصلت له بعد إطلاق سراحه، وكیف اعتقل مرة أخرى.
وكان عبد العزيز الحضيف مستبقا تغريداته عن الدكتور الحضيف بإعلان تعرض عائلته الصغيرة والكبيرة لضغوط لتتبرأ منه، مطالبهم بتنفيذ ذلك خوفًا عليهم من التهديدات وأنهم في حكم المكرهين.
أسباب الهروب
ولم تكن تلك هي الحالة الأولى التي يهدد فيها النظام السعودي عائلات المعارضين له بالخارج، فقد أعلن الناشط السعودي الحقوقي المقيم بالولايات المتحدة، حمزة الكناني، انقطاع الاتصال بعائلته عقب تهديدات ودعوات للتحقيق وصلت لهم من السلطات السعودية.
وتبين لاحقا أن السلطات اقتحمت منزل عائلة "الكناني" عقب نشره مقطع فيديو يدعم فيه معتقلي الرأي من مقر الأمم المتحدة، وصادرت جميع مستلزماته الشخصية من عقود وكُتب وصور ومستندات، وجرى استدعاء أفراد أسرته وأبناء عمومته للتحقيق، وتهديدهم من أجل إقناعه بالتوقف عن نشاطه، والاعتذار والعودة وتسليم نفسه، إضافة إلى حظر السفر عليهم.
"الكناني" أكد أن المملكة أصبحت طاردة لأبنائها لأن أقنعتها بدأت تتكشف وتنهار، فلا احتفظت بعباءة الدين التي كانت تستر به سوأتها ونفاقها منذ أن تأسست، ولا تلك الوعود من سكن ووظائف وحريات وتطور وعدالة التي وعد بها المواطنون منذ القِدم تحولت إلى حقيقة.
"الكناني" أكد في حديثه مع "الاستقلال" أن كل ذلك مجرد مهدئات وزيادة في سلب الحريات وتضييق الخناق على المواطنين، بالإضافة إلى ذلك يجد المواطن البسيط نفسه يعاني الأمرين من دفع الضريبة للدولة وتحمل غلاء الأسعار وكل ذلك لسد الفراغ الاقتصادي الذي تسببت به الحكومة الحالية بقيادة محمد بن سلمان.
وشدد على أن العائلة الحاكمة لا يهمها سوى أن تكون في سدة الحكم وتتصرف بأموال الدولة وثرواتها حسب ما تريد، والمواطن إما الصمت أو السجن والاعتقال والأوفر حظاً من استطاع الخروج من البلاد.
أوراق الضغط
ووصف "الكناني" استخدام السلطات للأهالي كأداة ضغط واحتجازهم بأنها "طريقة جبانة" من النظام السعودي لتكميم الأفواه والسيطرة بالرعب على المواطنين، وهي نوع من الحروب النفسية على المعارض.
وأشار إلى أن النظام السعودي يعي أن الشعب يقوم على أساس الترابط العائلي القوي وأن الفرد قد يضحي بالغالي والنفيس من أجل عائلته فيتم استعمال العائلة كورقة ضغط، فإما أن تلزمه بالسكوت خوفا على عائلته من أن يحدث لهم مكروه أو يتكلم بما تريد الحكومة؛ والأمثلة على ذلك كثيرة.
وأوضح "الكناني" أن من الطرق الأخرى استعمال عائلة المعتقل/ المعارض ضده بطريقة أو بأخرى، مثل حرمان بعض أفراد وأقارب المعتقلين والمعارضين من بعض حقوقهم، أو مضايقتهم في أعمالهم، أو نقلهم من مدينة إلى أخرى بشكل سنوي، أضف إلى ذلك إيقاف الخدمات وتجميد حساباتهم في البنوك حتى يتوقف المعارض عن التحدث وعن كشف المزيد من أقنعة النظام الاستبدادي.
وبيّن أن من بين أدوات السلطات للحروب النفسية مع المعارضين والمعتقلين، تشويه سمعة المعارض كي يسقط من أعين المجتمع السعودي المحافظ فلا يقبل منه انتقاده ومطالباته، ونشر إشاعات تعذيب وقتل وحبس أحد أفراد الأسرة وغيرها، مما يؤثر نفسياً على المعارض.
الإقامة الجبرية
أغلب الانتهاكات والتضييقات السابق الإشارة إليها تعرضت لها أيضا عائلة المعارض السعودي علي هاشم الحاجي، اللاجئ في لبنان، حيث تضع السلطات السعودية أولاده الخمسة قيد الإقامة الجبرية ومنعتهم من السفر وتجديد جوازات سفرهم.
وقبل شهر استدعت السلطات والده، وطلبت منه أن يتواصل معه ويقنعه بالرجوع إلى البلاد وكتابة خطاب يطلب فيه الرحمة من الملك سلمان بن عبد العزيز العاهل السعودي.
وأوضح "هاشم" أن والده أجاب بأن ابنه لن يعود ولن يطلب الرحمة إلا من الله، قائلا: "آخر مرة رأيت فيها والدي كانت في مارس/آذار 2017".
وأضاف: "جرى التواصل معي عدة مرات يطلبون مني العودة إلى السعودية ورفضت، كل المضايقات التي يتعرض لها أهلي بسبب نشاطي السياسي وانتقادي لحرب اليمن ورفضي التمييز العنصري ضد الشيعة في السعودية وانتقادي إعدام رجل الدين الشيعي نمر النمر والمطالبة بحقوق الشعب وحريته".
وفي حديثه مع "الاستقلال" أوضح "هاشم" أن جميع من يرغب الآن في معارضة النظام السعودي يختار الهجرة مع عائلته "الزوجة والأبناء" لكن يبقى هناك أبوه وأمه وأخوه لن يسلموا من بطش النظام.
وقال: "في الداخل صعب جدا أن يعبر أي معارض أو ناشط برأيه حيث يعرض نفسه وعائلته للاعتقال وقد يصل الأمر إلى إعدامه وسلب عائلته جميع حقوقهم المدنية ومنعهم من السفر خارج السعودية"، مستطردا: "يوجد الكثير من معتقلي الرأي في السجون أطفالهم ونساؤهم محرومون من كل حقوقهم حتى أنهم لا يملكون هوية وطنية ولا تستقبلهم أي دائرة حكومية".
وتابع: "أيضاً جميع من تم إعدامهم أو اغتيالهم تم سلب جميع حقوق عوائلهم وحرمانهم من التعليم والصحة ومنعهم من السفر".
وأشار إلى أن عوائل المعارضين في الخارج لم يسلموا من انتهاكات النظام السعودي حيث يتم اعتقال الأب والأخ والزوجة والابن للضغط على المعارض أو الناشط ويتم حرمانهم من جميع الخدمات، كما يقدم النظام السعودي على اقتحام بيوت معتقلي الرأي والناشطين المهاجرين بشكل دوري كل أسبوع ويعبث ويخرب محتويات المنزل ويهين عوائل الناشطين والمعتقلين بكلام عنصري و بذيء.
حيل بن سلمان
ولأن السلطات السعودية تعي أن الهروب من المملكة أصبح الملاذ الآمن الوحيد للمعارضين وذويهم، فقد استحدث محمد بن سلمان، ضمن مساعيه لتأسيس منظومة القمع الجديدة، وسيلة المنع من السفر لأهالي المعتقلين، وهي الوسيلة التي لم تُستخدم على مدار السنوات الماضية، خصوصًا حيال ذوي المعتقلين، مما أتاح للسلطات تصعيد استخدامها على مدار السنوات الماضية، واعتبرتها المنظمات الحقوقية انتهاكا تعسفيا وغير قانوني.
في سبتمبر/أيلول 2018، قال مجلس جنيف للحقوق والعدالة، إن فرض المنع من السفر بحق الناشطين وعائلاتهم بما في ذلك معتقلي الرأي في المملكة يمثل جريمة حقوقية كبرى وانتهاك فاضح لأبسط حقوق الإنسان.
وذكر في بيان، أن المئات من أفراد عائلات معتقلي رأي ونشطاء حقوق الإنسان عمدوا إلى مغادرة المملكة وتقديم اللجوء السياسي في بلدان أوروبية هربا من بطش السلطات بحقهم، فيما لم يتمكن الغالبية من ذلك بسبب منع السفر الصادر بحق الكثير من عائلات المعتقلين.
وشدّد المجلس على وجوب إلزام السلطات السعودية بوقف إجراءاتها الانتقامية بحق عائلات المدافعين عن حقوق الإنسان والصحفيين والدعاة غيرهم ممن يتم اعتقالهم لمجرد التغريد ضد السلطات، كما يتعرضون لأشكال أخرى من الأعمال الانتقامية على غرار المنع من السفر وتجميد الأصول والترهيب والمضايقة.
المصادر
- تضاعف طالبي اللجوء السعوديين بـ318% في خمس سنوات
- العفو الدولية: تضاعف أعداد اللاجئين السعوديين بسبب القمع والوصاية
- أهاليهم في الداخل.. ورقة ضغط السلطات السعودية لإسكات المعارضين بالخارج
- السعودية: تصعيد إجراءات المنع من السفر لعائلات معتقلين انتهاك تعسفي وغير قانوني
- منع عائلات المعارضين من السفر.. هل ينقلب ابن سلمان على تاريخ القمع في بلاده؟
















