بيان غامض وواقع متغير.. المجلس الانتقالي باليمن أمام اختبار ما بعد الإمارات

شدوى الصلاح | منذ ٥ ساعات

12

طباعة

مشاركة

بعد ساعات من إعلان الإمارات سحب قواتها المتبقية من اليمن، عقب تأييد السعودية دعوة طالبت بمغادرة القوات الإماراتية البلاد خلال 24 ساعة، أصدر المجلس الانتقالي الجنوبي، المدعوم من أبوظبي، بيانا غامضا تحدث فيه عن «إعادة انتشار» وتسليم مواقع للقوات الحكومية في محافظة حضرموت.

وأعلن المجلس الانتقالي، مساء 31 ديسمبر/كانون الأول 2025، التوصل إلى اتفاق يقضي بنشر قوات حكومية أخرى في المناطق التي سيطر عليها خلال الأسابيع الماضية في حضرموت. مؤكدًا في الوقت ذاته عدم انسحابه من المحافظة.

وقال المتحدث باسم «قوات الانتقالي» محمد النقيب، في بيان مصور نشره على حسابه في منصة «إكس»: إن القوات المسلحة التابعة للمجلس ستواصل عملياتها في تلك المناطق، لكنها ستنسق عملها مع قوات «درع الوطن» التابعة للحكومة اليمنية والتحالف.

وأوضح البيان: «بدأت اليوم عملية إشراك زملائنا الجنوبيين في قوات درع الوطن للاضطلاع بالمسؤوليات والمهام الملقاة على عاتق قواتنا المسلحة، جنبًا إلى جنب مع إخوانهم من منتسبي مختلف تشكيلات قواتنا المسلحة الجنوبية».

وأضاف النقيب أن اللواء الأول من قوات «درع الوطن» أعاد تموضعه في منطقة ثمود، على أن يتبعه تموضع وحدات أخرى في منطقتي رماة ومناطق إضافية في محافظتي حضرموت والمهرة، «وفقًا لما تمَّ الاتفاق عليه، وبما يضمن تأمين الأراضي كافة».

وكان المجلس الانتقالي قد جدد في وقت سابق رفضه قرارات رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي. مشددًا على بقاء قواته في مواقعها واستعدادها لمواجهة أي تهديد.

في المقابل، استعاد مقاتلون قبليون معسكرًا كانت قوات مدعومة من الإمارات قد سيطرت عليه في وقت سابق من الشهر الجاري، بمحافظة حضرموت شرقي اليمن. وأفادت مصادر محلية بأن مقاتلين من «حلف قبائل حضرموت»، وهو تكتل قبلي مناوئ للإمارات، استعادوا السيطرة على معسكر «نحب» في مديرية غيل بن يمين، شرق مدينة المكلا.

وأظهرت مقاطع مصورة متداولة بدء قوات المجلس الانتقالي الجنوبي الذي يسعى إلى إنهاء الوحدة مع الشمال، إعادة تموضع وانسحابها من عدد من المواقع التي كانت تنتشر فيها داخل المحافظة الغنية بالنفط.

من جانبه، قال محافظ حضرموت سالم الخنبشي: إن استجابة المجلس الانتقالي لطلب الحكومة سحب قواته من المناطق التي استولى عليها لا تزال «محدودة». وطالب في مقابلة مع قناة الجزيرة بسحب قوات الانتقالي من حضرموت وإعادتها إلى مواقعها السابقة. معربًا عن رغبته في تجنب إراقة الدماء.

وعلى منصات التواصل الاجتماعي، برزت تحليلات واسعة لبيان المجلس الانتقالي؛ إذ رأى ناشطون فيه محاولة للالتفاف على واقع الانصياع لقرارات مجلس القيادة الرئاسي، بينما سادت موجة سخرية عدّت البيان محاولة لحفظ ماء الوجه عقب طرد قوات الانتقالي من بعض المواقع.

وتداول ناشطون عبر منصات «إكس» و«فيسبوك» وسومًا عدة، من بينها #اليمن_يطرد_الإمارات و#المجلس_الانتقالي، ناقشوا خلالها ما وصفوه بمشروع الإمارات في اليمن، وأهداف التطويق والتقسيم التي سعت إلى تمريرها، ويرون أن خروج أبوظبي السريع يعكس دخول مشروعها التوسعي مرحلة انحسار تاريخي، وأن إرادة اليمنيين باتت أكثر حضورًا ونفوذًا.

حالة تناقض

وتحليلا للبيان الصادر عن الناطق العسكري للمجلس الانتقالي المتمرد، قال فياض النعمان، إنه كشف عن حالة تناقض واضحة والحديث عن إشراك زملاء جنوبيين في قوات درع الوطن يتعارض مع واقع أن درع الوطن تتبع القائد الأعلى للقوات المسلحة اليمنية، ولا تخضع لأي مسميات مناطقية أو سياسية وهي محاولة إلباس القرار طابع الشراكة ليست سوى التفاف لغوي على توجيهات سيادية واضحة.

‏ورأى أن القول بإعادة تموضع اللواء الأول درع وطن في ثمود ثم الحديث عن إعادة انتشار وحدات أخرى في رماة ومناطق بحضرموت والمهرة يؤكد الارتباك وما يجري فعليا هو تسليم مواقع وانسحاب تدريجي وليس إعادة انتشار كما يحاول البيان تصويره والفرق بين المصطلحين جوهري ولا يمكن القفز عليه.

وأضاف النعمان، أن التأكيد على الثبات في مسرح ما يسمى عملية المستقبل الواعد يتناقض مع الوقائع الميدانية والثبات لا ينسجم مع التحرك خارج نطاق المهام ولا مع تسليم المعسكرات لقوات الدولة، وهذا تناقض صريح يعكس محاولة الجمع بين خطاب التحدي وخطاب التراجع في آن واحد.

‏وأكد أن توجيهات العليمي لا تحتمل التأويل ولا تحتاج إلى فهلوة إعلامية فالقرار واضح بتنفيذ المهام العسكرية وفق الدستور والقانون وليس وفق رغبات فصائل متمردة أو حسابات ضيقة لمشاريع دخيلة على اليمن وتظليل الرأي العام بهذه الصياغات لن يغير من حقيقة الأمر شيئا.

‏وعدّ النعمان الانسحاب من حضرموت والمهرة خطوة إيجابية لو تم التعاطي معها بعقلانية وبإمكان الانتقالي الاحتفاظ بما حققه سياسيا لو التزم بالمسار السلمي واحترام سلطة الدولة، وهذا الخيار لا يزال متاحا إذا تم إغلاق ملف التصعيد والاجتياح للمحافظات الشرقية.

‏وأضاف أن الاستمرار في المراوغة ومحاولة فرض أمر واقع بالقوة فلن يقود إلا إلى نتائج قاسية والتصعيد سيغلق كل أبواب الحوار ويضع الانتقالي في مواجهة مباشرة مع التحالف العربي بقيادة السعودية والقوات المسلحة اليمنية وكل المكونات الوطنية اليمنية حتى إنهاء التمرد في كل المناطق المحررة.

ووصف محمد عبدالله العمودي الكلمات التي استخدمها الانتقالي في بيانه مثل "إشراك/إعادة تموضع" وغيرها بأنها كلمات فضفاضة من طرف واحد "الانتقالي" وبيان لحفظ ماء الوجه ويعني باختصار: (انسحاب تكتيكي على مراحل).

وأشار إلى أن الطرف الآخر "الشرعية" مازال حتى اللحظة موقفها واضحا: “عودة جميع القوات إلى أماكنها التي أتت منها”. قائلا: "ننتظر لنرى".

وقال يزن الحضرمي، إنه رسميا تم انسحاب قوات المجلس الانتقالي من حضرموت والمهرة والمناطق الحدودية، تحت مسمى "إعادة تموضع"؛ حفظا لماء الوجه وتسليمها بشكل رسمي لقوات درع الوطن استجابة لقرار التحالف والحكومة الشرعية.

وحث علي سعيد على عدم تصديق المتحدث باسم الانتقالي، قائلا: "بعد ما خرجت الإمارات من المشهد اليمني أصبح الانتقالي في موقف ضعيف جدا ولحفظ ماء الوجه  ولحكمة المملكة ومد حبل الصبر طويلا هو للمحافظة على حقن الدماء".

وأكد أن ما يحدث خروج سلس (إعادة تموضع بمحض إرادتنا).. وأي تمرد العصا الخضراء فوقه، قائلا: إن حضرموت في خير وإلى خير. 

ورأى محمد قيزان أن قرار مجلس الدفاع الوطني واضح ولا يحتمل التأويل: "الانسحاب الكلي لقوات الانتقالي من حضرموت والمهرة".

وعد الحديث عن إعادة تموضع جزئي وتسليم بعض المعسكرات لقوات درع الوطن، محاولة التفاف مكشوفة على قرار مجلس الدفاع الوطني، وعلى قرار قيادة التحالف، واستمرارا لفرض الأمر الواقع بوسائل ملتوية.

وأضاف قيزان، أن الالتزام بالقرارات السيادية لا يقبل التجزئة ولا المناورة، إما انسحاب كامل واحترام لهيبة الدولة، أو إصرار على التمرد وتحمل كامل تبعاته السياسية والقانونية.

وقال الناشط الإعلامي راشد معروف: "خذوها من الأخير المملكة التي ضحّت من أجل حضرموت بأكبر حلفائها، دولة الإمارات، وكانت ولا تزال مستعدة للذهاب إلى أقصى مراحل التصعيد مع أي طرف يحاول أن يتحدّاهم أو يتجاهل تحذيراتهم، فلا تفكّر بأنها ستفرّط أو تقدّم أي تنازلات في موقفها وشروطها في ملف حضرموت والمهرة".

وأضاف أن موقف السعودية واضح منذ البداية: "انسحاب كلي وغير مشروط". مؤكدا أن ما يُنشر من بيانات وأخبار مضلِّلة حول حقيقة الاتفاق مجرد مصطلحات ومراوغات سياسية هدفها تضليل الجمهور وتفادي الفضيحة والانتكاسة المدوّية.

وتساءل عوض العولقي: “لو كان المجلس الانتقالي حريصًا فعلًا على اللُّحمة الجنوبية، ولو كان تسليمه المواقع لقوات درع الوطن خطوة طوعية أو نتيجة تفاهم وإعادة تموضع مسؤولة، فلماذا اتجه إلى هضبة حضرموت؟”

وتابع تساؤلاته: “لماذا اختار - الانتقالي- طريق السلاح، وقتال أبناء حضرموت وشيوخها، وارتكاب إعدامات بحق أسرى من قوات حماية حضرموت، وهم لم يحملوا مشروع انفصال ولا دافعوا عن وحدة أو أجندة خارجية، بل خرجوا فقط للمطالبة بحقوق حضرموت المشروعة والدفاع عن أرضهم وكرامتهم؟”

وأكد العولقي، أن هذا السلوك وحده كافٍ لنسف رواية "الحرص" و"التفاهم"، ويكشف أن ما جرى لم يكن إعادة تموضع سياسية، بل محاولة فرض بالقوة فشلت وانقلبت على أصحابها. وقال: إن الحريص على اللُّحمة لا يوجّه سلاحه إلى أهله، ولا يحوّل الخلاف السياسي إلى دمٍ وثأر، ولا يقتل الأسرى ليغطي عجزه عن الإقناع.

ورأى العولقي، أن الحقيقة التي لا يمكن القفز عليها هي أن الانسحاب لم يكن ليحدث لولا التحرك السعودي الحازم، والرسائل الواضحة التي حملت التهديد والضغط والجاهزية لاستخدام القوة. 

وأضاف أن عندها فقط تغيّر الخطاب، وتبدلت اللغة، وانتقل المجلس من التصعيد إلى الانسحاب، ومن الادعاء بالسيطرة إلى تسويق التراجع.

وخلص العولقي إلى أن ما جرى في حضرموت يثبت أن المشكلة لم تكن يومًا في "إعادة التموضع"، بل في نهجٍ قائم على القوة والتضليل، سقط أولا أمام صمود أبناء حضرموت، ثم أمام ميزان الإقليم والدولة، حين تقرر أن زمن الفوضى قد انتهى.

وسخرية واستهزاء بإعلان الانتقالي سحب قواته من مناطق عدة وتسمية الانسحاب بـ"إعادة تموضع وتنظيم انتشار"، قال السياسي والحقوقي عبد الكريم عمران: "الخلاصة: انسحب وانتهى.. الانصياع خير من الضياع، ولا يهم بأي اسم يسوق انسحابه.. يسميه حتى «تقدمًا».

واستنكر الناشط السوري عمر مدنية، إعلان المجلس الانتقالي انسحابه من حضرموت والمهرة ومنطقتي ثمود الحدودية، ورماة، تحت مسمى "إعادة تموضع"، قائلا: "ذكرتني، عندما كان ينسحب جيش بشار الأسد -الرئيس السوري المخلوع- من المحافظات تلو الأخرى ويقول إعادة تموضع".

ووصفت زهراء اليمن بيانَ الانتقالي بأنه "هزيل" يحمل في طيَّاته الكثير من التناقضات التي حاول الانتقالي من خلالها تضليل الرأي العام لتغطية هزيمته وتبرير انسحابه من حضرموت بحجة تسليمها لمليشيا درع الوطن التي زعم دمجها ضمن قواته الجنوبية مع أن العالم كله يعلم أنها تابعة للسعودية.

حرب تصريحات

وفي قراءة للسجال السياسي والإعلامي بين الرياض وأبو ظبي، قال المحامي خالد الأنسي: إن استمرار الهجوم السعودي على الإمارات على الرغم من تظاهر الإمارات بالانحناء للسعودية له دلالات على أن السعودية توفرت لديها معلومات عن مخاطر تفوق ما يحدث في اليمن والسودان.

وأكّد أن التحرك السريع والمفاجئ للسعودية لم يهدف فقط لإرباك الإمارات ولخبطتها أوراقها في اليمن وإنما يدل على أن ما لم يكشف عنه أكبر.

وأشار أحد المغردين إلى أنه لم يحدث أن وجّهت دولة ما إنذارا لدولة أخرى بهذا الشكل المهين والمذل!، قائلا: "أصدقائي.. قد تعتقدون أن ما حدث هو مجرد سجال سياسي عابر! إطلاقاً.. ما حدث هو تحجيم وتقزيم دور الإمارات ولا أعتقد أن الإمارات ستبلع هذه الإهانة".

وتحدث الإعلامي أسامة جاويش عن فتح الإعلام الإماراتي النار على السعودية ودلالاته على أن أبو ظبي لن تستسلم، كما تحدث عن الدعم الإسرائيلي لانفصال جنوب اليمن بقوات إماراتية على الأرض.

وأشار الكاتب إبراهيم حمامي إلى أن حرب التصريحات والتصريحات المضادة على أشدها بين الإمارات والسعودية.

كشف المستور

وتحت عنوان "سقط المشروع الخطير.. (انتقالي لاند يقابل صومالي لاند)"، قال الباحث الإستراتيجي عواض القرني: إن الأحداث الأخيرة في اليمن أثبتت أن الانتقالي لا يحمل مشروعا وطنيا لاستعادة الدولة كما يزعم ويخدع الشعب الجنوبي المُطالب بحقوقه المشروعة.

وأكد أن الانتقالي أساء للقضية، بعد أن انكشف الستار في ميناء المكلا، وأصبح اليمنيون والعرب تحديدا، يدركون أن مشروعاً خطيراً كان يُرتّب له في مضيق باب المندب، لخنق الدول المشاطئة للبحر الأحمر وتهديد أمنها.

وأوضح القرني أن ذلك يتم عبر الإمساك بمقابض التحكم في مندبه جنوباً لما يعبر لقناة السويس شمالاً، بل بجُزره وموانئه وتسيير كل ذلك لخدمة مشاريع إسرائيل ولفرض هيمنتها في المنطقة.

وقال: إنه بتوفيق الله وعونه ثم بشجاعة القيادة السعودية تم تدمير ذلك المشروع، والذي يؤكد بوضوح أن الاتفاقيات الإبراهيمية لا تؤدي إلى السلام وأنها يجب أن تتوقف؛ لأن مفهوم الأمن المُتبادل والتعايش السلمي بين الشعوب، ليس في قواميس إسرائيل.

وأعاد أحد المغردين، نشر تغريدة للصحفي الإسرائيلي إيدي كوهين، يسخر فيها من قصف أسلحة وعربات قتالية بعد وصولها من الإمارات إلى ميناء المكلا اليمني، قائلا: "من يظن أن شوية مفرقعات للألعاب النارية التي سقطت في ميناء المكلا قبيل ليلة رأس السنة سوف تنهي مشروع إعادة دولة الجنوب فهو أبله". 

وعلق قائلا: "عجبي على أبناء الجنوب الذين يؤيدون هذه المسرحية الرخيصة وبأن الإمارات تتمنى لهم الخير.. قلنا مراراً بأن وجود الإمارات في اليمن ليس سوى مشروع يخدم أجندة إسرائيلية، هدفه السيطرة على الشرق الأوسط وكوهين القذر يؤكد ذلك ".

وقال الكاتب حمد الصواعي: إن العبث بالجغرافيا العربية شيء مرفوض تمامًا لا سيّما يبقى السؤال كمحك حقيقي مهم لماذا يدفع الانتقالي الجنوبي المملكة العربية السعودية إلى اتخاذ خيار عنيف ضدهم ولا يمتلكون غطاء جويا يذكر، لم يستجيبوا لم محاولة المملكة احتواء الموقف. 

وأكد أن الهدف هو الدفع باليمن إلى حروب أهلية كهدف مستدام من خلال انتشار كامل لقواتهم المدججة في السهول والأودية كافة كمؤشر هام نستشفه، وغير مبالين تمامًا بقيمة الدم اليمني وغير معنيين بحضن الوطن ومكانته، بقدر ما هو تحقيق مكاسب شيء ما من طموحات سياسية حزبية ضيقة.

وأضاف الصواعي: "قد تكون كذلك في الوقت نفسه لبذور مخططات ممنهجة خارجية في الدعوة للانفصال والتقسيم وغيرها من الأهداف الخبيثة التي أصبحت مكشوفة ومتكررة في عدة دول أخرى".

وكتب أبو عبدالله الفجر: "الدور الخبيث الذي يمارسه شيطان الجزيرة ابن زايد بات يقضّ مضجع حتى حلفائه الذين شاركوه الثورة المضادة وإفرازاتها.. أحداث اليمن والصومال والسودان مؤذنة بإذن الله بتفكك حلف الثورة المضادة وإضعاف الدور الاماراتي الخبيث المتماهي مع المشروع الصهيو أميركي".