الصين تلغي رسوم واردات إفريقيا.. لماذا تنازلت عن 1.4 مليار دولار سنويا؟

سُيسمح للسلع الإفريقية بدخول الصين دون أي رسوم جمركية
في خضمّ التوترات التجارية العالمية والسباق على النفوذ في إفريقيا، فاجأت بكين الأسواق بإعلانها في 14 فبراير/شباط 2026 تطبيق مبدأ "صفر رسوم" على كل الواردات القادمة من 53 دولة إفريقية.
سينفذ القرار ابتداءً من مطلع مايو/أيار 2026، ويستثني دولة في واحدة في القارة هي إيسواتيني لاحتفاظها بعلاقات مع تايوان التي تعدها بكين جزءا من أراضيها.
فما أهداف الصين من هذه الخطوة؟ وأي الدول الإفريقية يرجح أن تكون الأكثر استفادة؟ وما حجم التجارة بين بكين وهذه القارة؟

تفاصيل القرار
بحسب القرار، سُيسمح للسلع الإفريقية بدخول الصين دون أي رسوم جمركية، وهو توسع لبرنامج سابق كان يغطي نحو 33 دولة من أقل البلدان نموا.
المخطط الجديد يضم دولا متوسطة الدخل مثل جنوب إفريقيا، ونيجيريا، ومصر، والمغرب وكينيا، التي كانت تدفع رسوما تصل إلى 25 بالمئة على بعض السلع.
السفارة الصينية في جنيف أكّدت أن بكين ستتفاوض أيضا على اتفاقات شراكة اقتصادية وستحسن القناة الخضراء للسلع الإفريقية، ما يعني تسريع التخليص الجمركي والتقليل من التكاليف اللوجستية.
وتأتي المبادرة في سياق منافسة الصين للولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي على النفوذ في إفريقيا، وفي ظل فرض إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب رسومًا جمركية عالمية بنسبة 10 بالمئة ثم رسوما خاصة تتراوح بين 11 و50 بالمئة على صادرات 57 دولة بينها نحو 20 دولة إفريقية.
ومن خلال إزالة العوائق المالية أمام الصادرات غير النفطية، تُرسخ بكين مكانتها بقوة كشريك اقتصادي لا يُنازعه أحد على المدى الطويل لدول الجنوب العالمي، لتملأ الفراغ الذي خلفه تصاعد الحمائية الغربية.
معهد هورن للبحوث، أشار في فبراير 2026، إلى أن بكين تريد نقل العلاقة مع إفريقيا من "بناء البنية التحتية" إلى التكامل التجاري، لتحسين صورتها كشريك طويل الأجل بديلٍ لبرامج غربية مثل قانون النمو والفرص في إفريقيا (AGOA) الأميركي الذي يخضع للتجديد بصعوبة ويستثني بعض الدول.
كما تسعى الصين إلى مواجهة الانتقادات المستمرة بشأن فائضها التجاري الضخم مع إفريقيا عبر إتاحة أسواقها للسلع الإفريقية بلا رسوم، ما قد يسهم في تخفيف الفجوة.
وكان زعماء أفارقة، مثل الرئيس الجنوب إفريقي سيريل رامافوزا ونظيره الأوغندي يويري موسيفيني، طالبوا في مؤتمرات سابقة بتسهيل وصول صادراتهم إلى الصين.
ويقدر معهد هورن أن الصين ستتخلى عن نحو 1.4 مليار دولار سنوياً من الإيرادات الجمركية نتيجة إلغاء الرسوم.
وأظهر تقرير المكتب العام للجمارك الصينية (GACC) أن حجم التجارة بين الصين وإفريقيا بلغ 348.05 مليار دولار عام 2025، بزيادة 17.7 بالمئة عن 2024.
فقد بلغت قيمة الصادرات الصينية لإفريقيا 225.03 مليار دولار (نمو 25.8 بالمئة)، بينما بلغت الواردات من القارة السمراء 123.02 مليار دولار (زيادة 5.4 بالمئة).
نتيجة لذلك، اتسع العجز التجاري لصالح الصين إلى 102.01 مليار دولار، بزيادة 64.5 بالمئة. أما في 2024، فقد بلغت التجارة 295.56 مليار دولار وفق وكالة شينخوا الصينية (زيادة 4.8 بالمئة مقارنة بـ2023).

الصادرات والمستفيدون
بحسب البيانات الرسمية، تتكون الصادرات الإفريقية إلى الصين من المواد الأولية مثل النفط الخام، والنحاس، والكوبالت وخام الحديد، وهي تمثل نحو 40 بالمئة من التجارة مع القارة.
في المقابل، تصدر الصين إلى إفريقيا آلات ومعدات إلكترونية ووسائل نقل ومنتجات تكنولوجية خضراء مثل الألواح الشمسية، مما يسهم في تعزيز الاعتماد الإفريقي على السلع المصنعة الصينية.
هذه التركيبة تسبب اختلالاً هيكلياً، إذ تستورد إفريقيا منتجات ذات قيمة مضافة عالية وتصدّر مواد أولية، ما يفسر الفجوة الكبيرة في الميزان التجاري.
موقع مبادرة “مشروع الصين والجنوب العالمي (CGSP)” الإعلامي يشير إلى أن 90 بالمئة من صادرات القارة إلى الصين تأتي من 20 دولة فقط، حيث تشكّل جنوب إفريقيا وجمهورية الكونغو الديمقراطية وأنغولا 55.4 بالمئة من تلك الصادرات.
في المقابل، فإن 86 بالمئة من الصادرات الصينية إلى القارة تذهب إلى 20 دولة، تتصدرها نيجيريا وجنوب إفريقيا ومصر، وهو تركيز يعني أن أي تغيير في التعرفة سيؤثر على عدد محدود من الدول بشكل كبير، وفق ذات المصدر.
أما قائمة المستفيدين من القرار فتشمل بشكل أساسي جنوب إفريقيا وهي أكبر مصدر إفريقي للصين؛ إذ تشمل صادراتها المعادن والحمضيات التي كانت تواجه رسوماً تصل إلى 14 بالمئة في بعض المنتجات.
كما تعد مصر والمغرب المصنعتان للمنسوجات والملابس والأجزاء الميكانيكية من أبرز المستفيدين؛ حيث كانت هذه المنتجات تواجه تعريفات 12–25 بالمئة حسب السلعة، وفق مؤسسة بروكينغز البحثية.
ووفقا لنظام إحصاءات التجارة داخل الاتحاد الأوروبي" إيريس"، فيمكن لدول مثل كينيا وإثيوبيا وتونس التي تمتلك قطاعات تصنيع أو تصدير زراعي متطور، أن تستفيد أيضا من إلغاء الرسوم؛ لأنها كانت تدفع رسومًا مرتفعة سابقًا.
أما دول مثل الكونغو الديمقراطية التي تصدّر النحاس والكوبالت والذهب أو أنغولا التي تصدر النفط الخام، فإنها لن تستفيد بشكل كبير كون الرسوم على هذه المواد والمعادن كانت منخفضة نسبيا، لكن إزالة أي تعرفة متبقية قد يحفز الاستثمار ويعزز الصادرات.
ورغم إزالة التعرفة، يلفت تقرير بروكينغز إلى وجود حواجز غير جمركية قد تعيق وصول جميع الصادرات الإفريقية مثل متطلبات الصحة النباتية ومعايير الجودة، وبطء الإجراءات اللوجستية.
كما يفتقر العديد من المنتجين الأفارقة إلى القدرة الإنتاجية والاستثمارات في سلسلة القيمة، ما يجعلهم غير قادرين على تلبية الطلب الصيني بالكمية والجودة المطلوبين.
ويشير إلى أنه يتعين على الدول الإفريقية السعي لإبرام اتفاقات ثنائية لتسهيل المعايير الفنية وتبسيط قواعد المنشأ، على غرار اتفاق كينيا مع الصين الذي يضمن 98 بالمئة من صادراتها دون رسوم.

ما الأهداف؟
تربط الصين تقديم الامتيازات التجارية بمواقف الدول من قضية تايوان؛ فإعلان “صفر رسوم” شمل جميع شركائها الأفارقة باستثناء إيسواتيني، ما يوضح أنّ العرض التجاري جزء من إستراتيجية دبلوماسية أوسع تعزز مبدأ "الصين الواحدة" ويُضعف الحضور الدبلوماسي لتلك الجزيرة في القارة.
كما يأتي الإعلان في لحظة احتدام التنافس الأميركي–الصيني. دراسة للمعهد الفرنسي للشؤون الدولية والإستراتيجية “IRIS” لفتت إلى أن الخطوة جزء من إستراتيجية أوسع لتثبيت الصين بوصفها الشريك الاقتصادي الأول لإفريقيا في مواجهة الولايات المتحدة.
الدراسة أكدت أنّ بكين “تسعى لتأمين الموارد وتعزيز حضورها في أسواق سريعة النمو”، موضحة أن واشنطن رفعت الرسوم الجمركية إلى 50 بالمئة على سلع إفريقية في إطار سياسة "أميركا أولاً"، بينما ترد بكين بإزالة الرسوم لتقديم نفسها كحليف يتبنى التعاون والمنفعة المتبادلة.
لا يقتصر الدافع على السياسة، فبكين تحتاج لتأمين سلاسل إمداد مستقرة لمصانعها الضخمة. تقرير معهد IRIS أوضح أن الصين تتبع إستراتيجية مزدوجة تقوم على تأمين المواد الخام الضرورية لصناعاتها وتوسيع منافذ التسويق لسلعها في أسواق نامية.
ومن هنا فإن إزالة الرسوم تسهّل وصول الموارد الإفريقية– من معادن كالليثيوم والكوبالت والنحاس إلى محاصيل غذائية– إلى السوق الصينية دون أعباء جمركية، مما يساعد بكين على تنويع مصادر التوريد والحد من اعتمادها على موردين خاضعين للنفوذ الغربي.
كما أن سياسة فتح السوق للمنتجات الإفريقية تخلق فرصا لزيادة الطلب المحلي في الصين، وهو ما يتوافق مع أهداف خطتها الخمسية الجديدة لرفع حصة الاستهلاك في النمو.
في الوقت نفسه، يرى معهد بروكينغز أن هذه السياسة قد تشجع الاستثمار الأجنبي المباشر في إفريقيا؛ إذ قد تنقل شركات صينية وعالمية جزءاً من التصنيع إلى القارة للاستفادة من الدخول المعفي من الرسوم إلى الصين، وهو ما يسهم في تنويع سلاسل الإمداد بعيدا عن آسيا.
سياسة “صفر رسوم” ترتبط أيضاً بمحاولة الصين دعم قطاعاتها ذات الأولوية، خاصة الصناعات الخضراء والسيارات الكهربائية والرقائق الإلكترونية.
وذكر معهد هورن للشؤون الدولية أن بكين ترى الإعفاءات الجمركية جزءا من انتقالها من التركيز على البنى التحتية إلى التكامل الصناعي والتكنولوجي، حيث تسعى إلى إنشاء مناطق صناعية مشتركة وسلاسل قيمة إقليمية في مجالات كالطاقة النظيفة، المعادن النادرة وأشباه الموصلات.
وأيضا، تعمد بكين إلى تصوير نفسها كزعيم للتجارة الحرة و"صديق موثوق" للجنوب العالمي. معهد التنمية الخارجية “ODI” أشار إلى أن الصين تريد الاستجابة لمطالب قادة أفارقة بتحسين شروط التجارة وإصلاح الخلل بالميزان التجاري، وبالتالي تبرز نفسها كطرف يستمع لمطالب إفريقيا على عكس الغرب الذي يضع شروطا صارمة.
وأوضح أن العرض الصيني أكثر شمولاً من برامج الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، مثل "إيفريثينغ بات آرمز" أو قانون النمو والفرص الإفريقي (AGOA)، التي تُقيد الاستفادة بشروط سياسية أو اقتصادية.
ولذلك فإن فتح السوق أمام جميع الدول الإفريقية بغض النظر عن مستوى دخلها يزيد من الجاذبية السياسية لبكين ويضع الغرب في موقع المدافع عن برامجه.
المصادر
- China’s Zero-Tariff Policy Holds Strategic Promise in Africa as AGOA Falters
- The impact of Chinese preferences on Africa
- China-Africa trade hits record US$348bn as deficit balloons
- World Insights: Africa hails Xi's AU message for joint pursuit of modernization, Global South solidarity
- Top 20 African Exporters to and Importers From China in 2025
- China to Grant Zero Tariffs on South African Wine From May 1
- China Expands Duty-Free Imports, Opening Opportunities for Kenya and Africa
- Tariffs: Africa at the Heart of Sino-American Rivalry
- China courts Africa with tariff-free access: a new era of trade, or just the first step?

















