Monday 10 May, 2021

صحيفة الاستقلال

عرقلوها ثم تمسكوا بها.. ما قصة طبقة لبنان الحاكمة مع مبادرة فرنسا؟

منذ 2020/11/19 08:11:00 | تقارير
يعيش لبنان أسوأ أزمة اقتصادية منذ نهاية الحرب الأهلية وزادت سوءا منذ انفجار المرفأ في 4 أغسطس/آب 2020
حجم الخط

زيارة باتريك دوريل، مستشار الرئيس الفرنسي لشؤون شمال إفريقيا والشرق الأوسط، إلى لبنان، أعادت إحياء الحديث عن المبادرة الفرنسية لدعم الاستقرار السياسي في بيروت، من قبل نفس الجهات المتهمة بعرقلتها.

في 6 أغسطس/ آب 2020، بعد يومين من انفجار مرفأ بيروت، زار الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لبنان، والتقى رؤساء الأحزاب الكبيرة، ليطلق بعدها "مبادرة" بلهجة تهديد وإعطاء تعليمات، تشمل مهلة زمنية لتشكيل حكومة جديدة، وإصلاح النظام المصرفي.

انتهت المهلة دون تشكيل الحكومة، فيما اعتبرت أطراف سياسية لبنانية مبادرة ماكرون تدخلا في شؤون لبنان، لتضع أمامها العراقيل ويتم الإعلان عن فشلها، لتخرج نفس الجهات للتأكيد على التمسك بها.

وفي 12 نوفمبر/تشرين الثاني 2020، جدد كل من الرئيس اللبناني ميشال عون ورئيس البرلمان نبيه بري وحزب الله، في بيانات وتصريحات منفصلة، تمسكهم بالمبادرة الفرنسية لمعالجة الأزمتين السياسية والاقتصادية.

المبادرة الفرنسية

وقال عون خلال لقائه مستشار الرئيس الفرنسي لشؤون شمال إفريقيا والشرق الأوسط، بحضور سفيرة باريس لدى بيروت آن غريو: إن "لبنان متمسك بالمبادرة الفرنسية لما فيها مصلحة لبنان، وهذا لن يتحقق إلا من خلال حكومة موثوق بها وقادرة على إنجاز الإصلاحات المطلوبة".

بدوره، قال رئيس البرلمان اللبناني نبيه بري، خلال لقاء مع المسؤولين الفرنسيين في ذات اليوم: إن خلاص لبنان من أزماته يكون عبر حكومة مشكلة من وزراء اختصاصيين.

وأوضح أن "البرلمان ينتظر تشكيل حكومة بفارغ الصبر من أجل العبور بلبنان إلى بر الأمان أمام الموجات العاتية داخليا وخارجيا"، في إشارة إلى الأزمات التي تمر بها البلاد.

ووصف بري اللقاء بـ"الجيد"، مؤكدا موقفه الداعم للمبادرة الفرنسية، وضرورة تطبيق الإصلاحات لا سيما في مجال الكهرباء ومحاربة الفساد.

كما قال "حزب الله" اللبناني: إن زيارة ‏باتريك دوريل، إلى لبنان، "مهمة استطلاعية في موضوع تشكيل الحكومة"، وأن لقاء الحزب معه "أكد على استمرار المبادرة الفرنسية". 

وفي 22 أكتوبر/ تشرين الأول 2020، كلف الرئيس عون، سعد الحريري بتشكيل حكومة جديدة عقب اعتذار مصطفى أديب، وقال الحريري حينها: إنه يسعى لتشكيل "حكومة اختصاصيين وفقا للمبادرة الفرنسية، مهمتها إنقاذ لبنان من الأزمة الاقتصادية".

ويعيش لبنان، منذ شهور، أسوأ أزمة اقتصادية منذ نهاية الحرب الأهلية (1975 ـ 1990)، واستقطابا سياسيا حادا، في مشهد تتصارع فيه مصالح دول إقليمية وغربية، بينها فرنسا.

وزادت أوضاع لبنان سوءا بوقوع الانفجار، في 4 أغسطس/آب 2020، حيث أودى بحياة أكثر من 200، وأصاب ما يزيد على 6 آلاف آخرين، بجانب دمار مادي هائل، حتى باتت بيروت بحاجة إلى مليارات الدولارات لإعادة إعمارها.

مشكلة الحكومة

وفي خضم هذه التصريحات الإيجابية حول أهمية المبادرة الفرنسية، يرى مختصون لبنانيون أن مشكلة تشكيل الحكومة تتمثل أولا في شروط حزب الله المدعومة من تيار رئيس الجمهورية.

وأبرز العقبات أمام مسألة التشكيل هي التمسك بحقيبة المالية من طرف الثنائي الشيعي، رئيس مجلس النواب، رئيس "حركة أمل" نبيه بري، وجماعة "حزب الله"، حليفة إيران.

ومما لا شك فيه أن "سيد الإليزيه" كان يعتمد ضمنا على الصلة التي نسجها مع إيران وربما راهن على أن موقفه المنفتح تجاهها ودفاعه عن "الاتفاق النووي" يسهلان له الأمر مع وكيلها اللبناني "حزب الله" النافذ في المؤسسات بمجرد "الحوار معه والاعتراف بالتمثيل الشعبي لجناحه السياسي"، وفق ما يقول المحلل السياسي خطار أبو دياب.

واستدرك دياب في مقاله نهاية سبتمبر/أيلول 2020: "تبين مع الوقت أن المنظومة السياسية التي كادت تتعرض لضربة قاضية بعد فضيحة المرفأ استفادت من المبادرة الفرنسية لتعويم وضعها، وأن حزب الله الذي كان في وضع صعب اشترى وقتا ثمينا ولم يتم الإيفاء بالتعهدات التي التزم القادة السياسيون باحترامها حينما اجتمعوا بماكرون في قصر الصنوبر".

وكما كان متوقعا، سهل هؤلاء الممسكون بتلابيب النظام اللبناني، الدور الفرنسي عبر الموافقة على اختيار أديب رئيسا مكلفا للحكومة عشية زيارة ماكرون الثانية للبنان، لكنهم عادوا وأغرقوا المبادرة الفرنسية بمساعدة شيطان التفاصيل وكانت عقدة حقيبة وزارة المالية وشاغلها بمثابة الشجرة التي تحجب غابة أزمة النظام والتجاذبات الخارجية المعطلة، يقول دياب.

وعن هذا الأمر، يقول المحلل السياسي زياد عبد الصمد: "حفاظا على ماء الوجه ولكي لا يتحمل أي طرف مسؤولية فشل المبادرة الفرنسية، يصرحون دائما أنهم يرتكزون إليها ويشجعونها لأنها قد تفتح المجال لقدوم المساعدات والقروض عبر صندوق النقد الدولي، من أجل معالجة الأزمات".

لكن تمسك الأقطاب السياسية بدءا من ميشال عون مرورا بصهره جبران باسيل وحزب الله وغيرهم بالوزارات يتناقض مع روح المبادرة، حيث يضع هؤلاء العصا بالدواليب ويعرقلون إمكانية نجاحها، وفق ما يضيف عبد الصمد لـ"الاستقلال".

وتوقع المحلل السياسي "فشل المبادرة من جديد، في حال لم تكن الحكومة مستقلة ومن خارج جميع الأحزاب"، مبينا أن "الأقطاب السياسية لن تتنازل عما حققته خلال الفترات الماضية من مواقع ونفوذ وأموال". 

وأردف: "قبل البدء بالإصلاح، هناك تحديد مسؤوليات، فعلى سبيل المثال: حتى الآن لم يتم الاتفاق على حجم الخسائر لأن الحكومة المستقيلة لديها تقييم وآلية للمعالجة على حساب المصارف، في حين أن الأخيرة لا توافق على تحمل المسؤولية". 

وتابع: "الأقطاب السياسية ترفض إجراء تدقيق جنائي في مصرف لبنان، لأن ذلك يمكن أن يكشف عن قضايا كثيرة ومتورطين بالفساد، وهو أمر غير مرغوب فيه حاليا".

رهان على الوقت

أما المحلل السياسي باسل صالح فيعتقد أن "الرهان كان على الوقت حتى ما بعد الانتخابات الأميركية، ومعرفة الرئيس القادم"، مبينا أن الأمور "غير واضحة والسياق غير مفهوم".

وقال صالح لـ"الاستقلال": "يبدو أن هناك تبدلا على مستوى الإدارة الأميركية، ولذلك الأقطاب السياسية في لبنان تتجه نحو إعادة تعويم المبادرة من أجل شراء المزيد من الوقت"، مؤكدا أن الطبقة الحاكمة "لم تأخذ تلك المبادرة على محمل الجد بالمطلق".

على العكس من ذلك، أجهضت الطبقة السياسية المبادرة، وجرى تمرير الكرة صوب الملعب الأميركي من خلال التوجه نحو ترسيم الحدود مع إسرائيل، وفق صالح.

وتابع: "التعنت قائم والأمور في حالة مراوحة وإعادة خلط للأوراق، ولا توجد حكومة في الأفق المنظور، والثابت الأساسي هو أن الطبقة السياسية لا تستطيع إنتاج النظام أو أي صيغة من الحكم أو إعادة الأمور إلى نصابها ما قبل 17 أكتوبر/ تشرين الأول 2019"، وهو تاريخ انطلاق الاحتجاجات في لبنان ضد الفساد.

بدورها، قالت صحيفة المدن اللبنانية: إن زيارة المستشار الرئاسي الفرنسي، إلى لبنان "لم تحمل أي جديد، سوى التأكيد على أنه أصبح مكلفا بالملف اللبناني". 

وقالت في تقرير نشرته في 14 نوفمبر/تشرين الثاني 2020: إن "الفرنسيين أيقنوا أن مبادرتهم قد تشظت وأصبحت بحكم المنتهية، وهناك قناعة بأن الولايات المتحدة الأميركية لا تريد للمبادرة الفرنسية أن تنجح، منذ فرض العقوبات على الوزيرين علي حسن خليل ويوسف فنيانوس إلى العقوبات على جبران باسيل وما بينهما من ضغوط". 

وفرضت واشنطن عقوبات على المسؤولين الثلاثة خلال الشهرين الأخيرين، بدعوى "تورطهم في الفساد والعلاقات مع جماعة حزب الله".

وقالت صحيفة المدن: "لا تمانع باريس بعقد تسوية جديدة بين عون وسعد الحريري، لكن ذلك لا يزال بعيد المنال، في ظل تمسك باسيل بمبدأ اختياره الوزراء، ورفض الحريري القاطع".

ولم تعد المبادرة الفرنسية تحظى بأي دعم أو زخم خارجي، وأفرغت من مضمونها، لكن الأكيد أن باريس لن تتخلى عن دورها في لبنان، بحسب الصحيفة. 

وتقول الأوساط الفرنسية: إن سر تمسك ماكرون بمبادرته هو الالتزامات التي قطعها للشعب اللبناني ولمجتمعه المدني، وذلك رغم العوائق القائمة على طريقه، لكن تقديرات عربية ترى أن هذا الاهتمام مرده إلى الإرث الاستعماري والحصول على موطئ في البحر الأبيض المتوسط الذي يشهد تنافسا دوليا على الموارد الطبيعية.

ولم تفلح سياسة ماكرون التي حاول أن يقدم فيها قيادة كاريزمية كان يحلم بها عبر أسلوب "الخطيب على المنصة" في تغيير الوضع في لبنان، لتبقى مبادرته محكومة بالفشل.


تحميل

المصادر:

1

المبادرة الفرنسية في لبنان بين الاختراق والفشل

2

عون يجدد تمسك لبنان بالمبادرة الفرنسية

3

بري: خلاص لبنان عبر تشكيل حكومة اختصاصيين

4

“حزب الله” ومستشار ماكرون يؤكدان استمرار المبادرة الفرنسية

5

المبادرة الفرنسية تتهاوى ومفاوضات الترسيم تتعطل: إسرائيل “تستضعف” لبنان

كلمات مفتاحية :

الحكومة اللبنانية المبادرة الفرنسية الميشال عون جبران باسيل سعد الحريري فرنسا لبنان