Sunday 27 September, 2020

صحيفة الاستقلال

تقرير الحالة العربية: أغسطس/آب 2020

منذ 2020/09/03 20:09:00| الحالة العربية ,دولي ,
تقرير شهري يتناول أبرز القضايا المتعلقة بالوطن العربي وما يتصل به داخليا وخارجيا
حجم الخط
المحتويات
مقدمة
 المحور الأول: جائحة كورونا في الوطن العربي
  • السعودية
  • العراق
  • قطر
  • مصر
المحور الثاني: الحالة السياسية
  • الحالة الإماراتية
تطبيع ومحاولة للخداع.
التطبيع يخدم الجميع.. عدا الفلسطينيين.
تأزيم الصراعات الإقليمية.
  • الحالة المصرية
ترسيم الحدود البحرية.. والصراع الإقليمي.
  • الحالة اللبنانية
زيارة ماكرون.. دوافع إنسانية أم إعادة استعمار؟
مؤتمر المانحين.. الجدوى والدوافع.
صراع نفوذ حول المدينة المنكوبة.
خلافات حول تشكيل الحكومة.
  • الحالة الليبية
مبادرة وقف إطلاق النار.
قضايا عالقة بين المبادرتين.
نظرة إلى المستقبل.
  • الحالة التونسية
مواقف الأحزاب المبدئية عقب التكليف.
ماذا بعد إعلان تشكيل الحكومة؟
وضع سياسي متأزم.
مبادرة "تعالوا إلى كلمة سواء".

المحور الثالث: الاقتصاد العربي

  • الجوانب الاقتصادية للتطبيع بين الإمارات وإسرائيل
  • السيسي وحقيقة الإصلاح الاقتصادي في مصر
المحور الرابع: الحالة الفكرية
  • مخاطر التطبيع على الأجيال القادمة وكيف نحميهم؟
  • سيد قطب.. المفكر الإسلامي  (في ذكرى استشهاده)
خاتمة

مقدمة

قادت الإمارات ومصر هذا الشهر حالة من الإرباك في المنطقة العربية والشرق الأوسط، إثر إعلانها التطبيع الكامل مع إسرائيل، وتوقيع اتفاقيات في مجالات الاقتصاد والمعلومات، وهو ما أوجد حالة من الاستغراب في الشارع العربي.

كانت هناك علاقات ممتدة مع إسرائيل وعدد من الدول الخليجية والعربية، لكنها كانت بشكل غير معلن، وعلى صعيد الحكومات، لكن النقلة الإماراتية، خلصت إلى فرض حالة من التطبيع بين المجتمعين الإماراتي والإسرائيلي، ما يمهد لدول خليجية أخرى أن تعلن عن تطبيع علاقاتها مع إسرائيل، وهو ما أكده تصريح الرئيس الأميركي دونالد ترامب.

أما الحالة الثانية من الإرباك، فكانت من قبل مصر بتوقيعها اتفاقية لترسيم الحدود مع اليونان، ما خلق حالة من التوتر الإقليمي والدولي في منطقة شرق المتوسط،

وتزيد من حالة الصراع والتوتر مع تركيا، خاصة وأن الأخيرة حافظت على المصالح المصرية إبان توقيعها على اتفاقية لترسيم الحدود مع ليبيا.

تقرير الحالة العربية ركز ضمن محاوره هذا الشهر على هاتين القضيتين، بالإضافة إلى تناول باقي الموضوعات التي تهم المنطقة على الصعد السياسية والاقتصادية والفكرية، بالإضافة إلى التركيز في المحور الأول على تطورات جائحة كورونا في المنطقة العربية.

 


المحور الأول: جائحة كورونا في الوطن العربي

بمرور نحو ما يزيد عن 8 أشهر منذ ظهور فيروس (COVID-19) المعروف باسم كورونا، ضربت الجائحةُ معظم دول العالم، وبلغت عدد الإصابات المكتشفة ما يبلغ قرابة 25.5 مليون حالة حول العالم منذ بداية الأزمة في ديسمبر/ كانون الأول 2019 حتى نهاية أغسطس/ آب 2020، توفي منهم ما يربو على 849 ألف إنسان.

كان نصيب العالم العربي من هذه الإصابات نحو مليون و238 ألف إصابة، بنسبة قدرها 4.9% من مجمل الإصابات المكتشفة حول العالم، وبلغت الوفيات في الدول العربية نحو 23.010 وفاة، أي بنسبة بلغت 2.7% من إجمالي وفيات العالم جراء هذا الفيروس (كل الأرقام التي وردت، وسترد، في هذه الورقة، مستمدة من موقع "Worldometer" الإحصائي العالمي).

وبما أن نسبة سكان الوطن العربي إلى سكان العالم تبلغ نحو 6.6%. فإن هذه الأرقام تعني -نظريا- أن العالم العربي في حال أفضل من الأقطار الأخرى، أو أن منظومته الصحية قد استطاعت السيطرة على المرض بشكل كبير. بيد أنه من المعلوم في الإحصاء أن الأرقام والإحصاءات لا تعبر -بالضرورة- وحدها عن الواقع، بل قد تبدو الأرقام -أحيانا- مغايرة لما عليه الواقع، فلا بد من النظر وراء هذه الأرقام حتى نستطيع النظر ما إذا كانت دلائل هذه الأرقام صحيحة أم لا.

ومن المعلوم أن عدد الإصابات -على وجه التحديد- لا يعبر عن نجاح أو فشل الدولة أو المنظومة الصحية في مواجهة الفيروس، بل إنه العامل الأقل أهمية على الإطلاق في التقييم، تتعدد العوامل التي تمثل أهمية أكبر بالنسبة للتقييم، فنسبة الوفيات إلى المفحوصين، عدد الفحوصات اليومية، نسبة الفحوصات المجراة إلى عدد السكان، الإجراءات الاحترازية التي اتخذتها الحكومة قبيل انتشار المرض، الإجراءات التي تتخذها الحكومة بعد انتشار المرض، كذلك نسبة المصابين إلى المفحوصين، كل هذه العوامل وغيرها لا بد أن توضع في الميزان حتى يكون التقييم أكثر انضباطا وواقعية.

تحاول هذه الورقة استكمال ما بدأ في الأشهر الماضية من رصد وتحليل للأرقام المعلنة من قبل الحكومات العربية حول فيروس كورونا ومدى انتشاره في بلدانهم.

بشكل عام، فإن عدد الإصابات المكتشفة في الدول العربية تصاعد خلال شهر أغسطس/ آب 2020، بنسبة 25% عن سابقه، حيث بلغ عدد الحالات المكتشفة في يوليو/تموز 2020، نحو 950 ألف مصاب، إلا أن الرقم تجاوز المليون و238 ألف مصاب هذا الشهر.

وتصاعدت الوفيات بنحو 30% خلال نفس الفترة الزمنية، حيث بلغت نسبة الوفيات إلى المصابين في العالم العربي نحو 1.8% الشهر الفارط، بينما بلغت النسبة هذا الشهر نحو 2.6%.

وأظهرت الإحصاءات أن نسبة الوفيات في العالم العربي أقل من نسبة الوفيات العالمية هذا الشهر، حيث بلغت نحو 3.4%.

تبدو نسبة الوفيات العربية إيجابية نسبيا بالنسبة للمعدل العالمي، إلا أنه لا ينبغي إغفال أن عدد الوفيات أو الإصابات المكتشفة يتأثر بشكل كبير بعدد فحوصات الـ PCR التي تجريها كل دولة، وفي حالة عدم إجراء الفحوصات، قد يموت الكثيرون دون معرفة السبب الحقيقي وراء موتهم، سواء كان كورونا أو غيره.

لمحاولة رصد ما وراء هذه الأرقام، سواء كانت إيجابية أو سلبية، سيحاول التقرير البحث في الأرقام الصادرة عن كل دولة على حدة. وسيعتمد التقرير على الترتيب التنازلي من حيث عدد الإصابات. وسيكتفي بأخذ الدول أصحاب المراكز الثلاثة الأولى من حيث أعداد الإصابات.

  • السعودية:

ما زالت السعودية صاحبة المركز الأول من حيث عدد الإصابات المكتشفة على مستوى الوطن العربي، واحتفظت بالمركز الرابع عشر عالميا. حيث بلغ عدد مصابيها هذا الشهر نحو 314.821 مصابا، بزيادة قدرها 40 ألف مصاب عن الشهر السابق. جدير بالذكر أن عدد الزيادة في الشهر السابق عن سابقه بلغت 92 ألف إصابة، مما يشير إلى تراجع معدل زيادة الانتشار في المملكة.

وبلغ عدد الوفيات 3.870 وفاة، بزيادة قدرها نحو 1.028 وفاة عن الشهر الماضي، أي بنسبة 1.2% من إجمالي المصابين في المملكة، ورغم أن هذه النسبة ارتفعت خلال الشهر نحو 0.2%، إلا أن النسبة لا زالت نسبة جيدة ومقبولة مقارنة بالنسب العالمية.

جدير بالذكر أن عدد الوفيات خلال الشهر الماضي فقط بلغت نحو 1300 وفاة، بينما تناقص هذا العدد خلال هذا الشهر، هو مؤشر إيجابي كذلك.

ومن ناحية فحوصات الـ PCR، بلغ عدد فحوصات المملكة منذ ظهور الفيروس مطلع مارس/ آذار الماضي حتى اللحظة 5.026.127 فحصا (منهم أكثر من مليون و700 ألف فحص خلال هذا الشهر فقط)، (144.015 فحصا لكل مليون نسمة). وبلغت نسبة المصابين إلى المفحوصين هذا الشهر نحو 2.4%، وهي نسبة جيدة.

  • العراق:

استمر تصاعد الحالات في العراق، وكذلك احتفظت بترتيبيها العربي والعالمي، حيث تعتبر ثاني البلدان عربيا والحادي والعشرين عالميا. بلغ عدد الحالات الإيجابية المكتشفة منذ بداية الأزمة حتى الآن نحو 231.177 ألف حالة، بزيادة قدرها نحو 110 آلاف إصابة عن الشهر السابق. وبلغت وفياتها 6.959 وفاة، بزيادة بلغت 2.288 حالة عن السابق.

تبلغ نسبة الوفيات نحو 2% من إجمالي الحالات الإيجابية المكتشفة هذا الشهر فقط. بينما تبلغ نسبة الوفيات نحو 3% من إجمالي الحالات الإيجابية المكتشفة منذ بداية الأزمة.

أجرت العراق ما يقترب من المليون ونصف المليون فحص منذ بداية الأزمة (منهم نحو نصف مليون خلال هذا الشهر)، بنسبة بلغت 32.326 فحصا لكل مليون نسمة. وهي نسبة منخفضة مقارنة بالنسب العالمية، أو حتى بمعظم الدول العربية. إلا أن المؤشرات تدل على تحسن أداء المنظومة الصحية في العراق عن الأشهر السابقة، وهذا لا ينفي أنها لا زالت منظومة ضعيفة بالمقارنة ببقية الدول.

  • قطر:

احتفظت قطر بمركزها الثالث عربيا من حيث عدد الحالات الإيجابية المكتشفة، وتراجعت 3 مراكز عالميا لتصل إلى المركز 26. بلغ عدد الإصابات منذ ظهور الفيروس فيها مطلع شهر مارس/ آذار نحو 118.575 مصابا.                                                                    

وارتفعت الوفيات هذا الشهر 26 وفاة عن سابقه، لتصل إلى 197 وفاة منذ مطلع الأزمة. ومن ناحية فحوصات الـ PCR، أجرت قطر 624.609 فحصا خاصا بفيروس كورونا (منهم أكثر من 130 ألف فحص هذا الشهر فقط)، (222.455 فحصا لكل مليون نسمة). ومن حيث النسب، فثبتت نسبة الوفيات إلى المصابين عند 0.1% كالشهر السابق، كما انخفضت نسبة المصابين إلى المفحوصين بنسبة 2.2% هذا الشهر لتصل إلى 19%، وهي لا تزال نسبة مرتفعة ومؤشرا غير جيد، إلا أنها نسبة جيدة نسبيا مقارنة بالشهر السابق، والشهر الذي يسبقه، حيث بلغت فيه النسبة 27.04%.

  • مصر:

احتفظت مصر بالمركز الرابع عربيا، وبلغ ترتيبها الحادي والثلاثين عالميا من حيث عدد الإصابات المكتشفة، وبلغت عدد الحالات الإيجابية المكتشفة منذ بداية الأزمة حتى الآن نحو 98 ألفا، بزيادة قدرها نحو 3000 مصاب عن الشهر السابق. بينما كانت إصابات الشهر الماضي فقط نحو 30 ألفا، وهذا يعني أن الإصابات تراجعت بنسبة 90% خلال هذا الشهر، طبقا لبيانات الحكومة، وهو رقم غير منطقي على الإطلاق، فلم تحدث أن بلغت أي دولة من دول العالم هذه النسبة الضخمة من التراجع خلال شهر واحد.

وبلغت الوفيات 5.376 وفاة، بنسبة بلغت نحو 5.5% من إجمالي المصابين، وهي نسبة مرتفعة مقارنة بالمعدلات العالمية والعربية، كما هو الوضع في مصر منذ مطلع الأزمة.

بينما استمرت سياسة انعدام الشفافية التي تدير بها مصر أزمتها منذ البداية، فالحكومة لا تعلن عدد الفحوصات الحقيقية التي تجريها، إلا أن الأشهر الثلاثة الأولى كانت الفحوصات فيها منخفضة للغاية مقارنة بعدد السكان، ما يشير إلى أن الأشهر التالية لم تكن بأفضل حالا منها. علاوة على أن الأخبار المتواردة من الشارع تدل على وجود أزمة في إجراء الفحوصات في مصر. هذا بالإضافة إلى أن نسبة الوفيات المرتفعة مقارنة بغيرها من الدول العربية، كل ذلك يلقي بظلال الشك والتساؤل عن الأداء الحقيقي والقدرة الفعلية للمنظومة الصحية في مصر.


المحور الثاني: الحالة السياسية

في أغسطس/ آب 2020 لا صوت يعلو فوق صوت التطبيع، ومثَّل إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن التوصل إلى اتفاق لتطبيع كامل للعلاقات بين الإمارات ودولة الاحتلال الإسرائيلي صدمة كبيرة للشعوب العربية والإسلامية. حيث لم تضع الإمارات الفلسطينيين ومصالحهم في اعتباراتها حين قررت تطبيع العلاقات، بل إن القرار قد خدم الجميع، ولم يضر إلا الفلسطينيين.

حاول محمد بن زايد، الحاكم الفعلي للإمارات، خداع الشعوب بزعمه أن التطبيع جاء ليوقف خطط إسرائيل في ضم أراضي الضفة الغربية، بيد أن الإسرائيليين نفوا ذلك وأكدوا على استمرار خططهم، مع التأكيد على أن "تأجيل" الضم جاء بطلب أميركي.

قرار التطبيع من شأنه تأزيم الصراعات الإقليمية، فالإمارات تحزبت في نفس الصف مع الكيان المحتل، بالإضافة إلى ترحيب حلفائها، مصر والبحرين، وصمت خجول من قبل السعودية، مقابل هجوم وانتقاد تركي على قرار التطبيع، وكذلك تهديد إيراني لجارتها الإمارات.

على ذكر الصراعات الإقليمية.. يأتي الإعلان المصري عن ترسيم الحدود البحرية بينها وبين اليونان ليعلن تأزيم الصراعات الإقليمية وتصعيدها بشكل أكبر على جبهة شرق المتوسط.

انفجار مرفأ بيروت وما نتج عنه من مأساة إنسانية وكارثة اقتصادية دفع العديد من البلدان إلى تقديم العون والمساعدة إلى المدينة المنكوبة، إلا أن عددا من هذه المساعدات لم تكن بدوافع خيرية إنسانية فقط، حيث يحاول البعض استغلال الفرصة للانقضاض على لبنان وإعادة استعماره والسيطرة عليه.

وبخصوص الوضع الليبي، سادت روح من التفاؤل الحذر بين جميع الأطياف الفاعلة في الساحة الليبية جراء إعلان مبادرتين متزامنتين من قبل فائز السراج، رئيس حكومة الوفاق الوطني، وعقيلة صالح رئيس برلمان طبرق، وتدعو المبادرتان إلى وقف إطلاق النار والتوصل إلى حل سياسي سلمي للصراع، إلا أن الاختلافات بين المبادرتين وموقف حفتر السلبي خيّبا آمال المتفائلين.

لا تزال التجربة الديمقراطية التونسية الوليدة تعاني من تشرذم الأحزاب والنخب السياسية عقب إعلان رئيس الحكومة المكلف هشام المشيشي عن تشكيل حكومته، التي لم تحصل على ثقة البرلمان حتى كتابة هذه السطور (يفترض عقد جلسة الثلاثاء 1 سبتمبر/أيلول 2020). إلا أن المشهد السياسي في ظل المناخ الحالي مستمر في التأزم.

حركة الشعب التونسية قدمت حلا وسطا بين الأحزاب وبين حكومة المشيشي تهدف فيه إلى عقد هدنة سياسية ومجتمعية بين الأطراف السياسية التونسية، ولم تبد أي من الكتل أو الأحزاب استجابة لهذه المبادرة حتى لحظة كتابة هذه السطور.


الحالة الإماراتية

  • تطبيع.. ومحاولة للخداع

فوجئ العالم في 13 أغسطس/ آب 2020 ببيان للرئيس الأميركي، دونالد ترامب، يعلن فيه التوصل لاتفاق "تاريخي" بتطبيع كامل للعلاقات بين الإمارات ودولة الكيان الصهيوني[1]، لتكون الإمارات بذلك ثالث دولة عربية -بعد مصر والأردن- تصل إلى التطبيع الكامل والعلني.

ولي عهد أبوظبي والحاكم الفعلي للإمارات، محمد بن زايد، أعلن أنه اتُّفِق على "إيقاف" ضم إسرائيل للأراضي الفلسطينية[2]، بالرغم أن بيان ترامب نص على "تعليق" وليس "إيقاف" خطة الضم، فيما بدا أنه محاولة إماراتية لتسويق الاتفاق على أنه لصالح القضية الفلسطينية، وذلك بغية تسويغ وتبرير قرار التطبيع الذي ترفضه غالب شعوب المنطقة العربية والإسلامية.

ورغم ما صاحب إعلان القرار من ترويج واسع من قبل المسؤولين الإماراتيين ووسائل الإعلام الإماراتية والموالية لها بأن التطبيع جاء مقابلا لإيقاف خطة الضم، إلا أن تصريحات المسؤولين الإسرائيليين أنفسهم لم تترك فرصة لترويج هذه "الأكاذيب"، طبقا لما أبرزته "صحيفة الاستقلال" في تقريرها المنشور بعنوان "كيف فضحت إسرائيل أكاذيب ابن زايد؟"[3].

فرئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، نفى بنفسه هذا الادعاء، قائلا في مؤتمر صحفي بثته قناة "كان" الإسرائيلية: إن "خطتنا لتطبيق السيادة الإسرائيلية على مستوطنات الضفة الغربية المعروفة إعلاميا باسم الضم، لم تتغير، رغم توقيع اتفاقية السلام مع أبوظبي". مضيفا: أن قرار "تعليق الضم" جاء بناء على طلب من الرئيس ترامب، مما يشي أنه حتى القرار الذي حاول المسؤولون الإماراتيون التغني به لم يكن قرارهم ولا نتاج طلبهم، لكنه طلب الإدارة الأميركية، كما صرح نتنياهو.

تقرير "الاستقلال" أبرز أن قرار تأجيل الضم لم يكن في الأساس أمرا جديدا ولم يكن نتاج قرار تطبيع العلاقات كذلك، إنما هو قرار  قد اتُّخذ عدة مرات في السابق لأجل "اعتبارات أمنية". فبعد الإعلان عن الخطة في سبتمبر/ أيلول 2019 أثناء الحملة الانتخابية لنتنياهو، أُعلن بعدها بثلاثة أشهر تجميد مناقشات خطط الضم، وذلك عقب قرار المحكمة الجنائية الدولية بالبدء في تحقيقات حول جرائم حرب إسرائيلية ضد الفلسطينيين.

ونقل التقرير عن قناة إسرائيلية تسريبات لنتنياهو في جلسة مغلقة مع أعضاء حزبه الليكود مفادها أن هناك إمكانية لتأجيل الضم لأجزاء من الضفة الغربية بسبب ما أسماه نتنياهو "اعتبارات سياسية وأمنية"، هذا علاوة على تصريحات وزير الجيش الإسرائيلي، بيني غانتس، خلال لقائه بوفد أميركي بأن توقيت قرار الضم ليس "تاريخا مقدسا"، ويمكن تأجيله.

إذن، قرار الضم لم يكن نتاج التطبيع الإماراتي مع دولة الكيان المحتل، ولم يكن كذلك بضغط إماراتي، إنما بسبب طلب أميركي، واعتبارات سياسية وأمنية إسرائيلية.

  • التطبيع يخدم الجميع.. عدا الفلسطينيين

لا وجود لأي ضمانات مؤكدة بعدم ضم إسرائيل للأراضي الفلسطينية مستقبلا، هذا ما أقر به مساعد وزير الخارجية والتعاون الدولي للشؤون الثقافية بالإمارات، عمر غباش[4]. وهو ما أكده السفير الأميركي في إسرائيل ديفيد فريدمان بقوله: "مختلف الأطراف اختارت الصياغة بدقة. توقف مؤقت، وليس استبعاد الأمر نهائيا"[5].

القرار الإماراتي لم يكن مدفوعا من الرغبة في تحقيق مصالح الفلسطينيين، ولم يكن متعلقا بالفلسطينيين بأي شكل من الأساس[6]، كما أنه لن يحقق أي مكاسب للفلسطينيين، فضلا عن وجود أضرار لاحقة بهم وبقضيتهم جراء القرار. التقارير الأجنبية جميعها عزت الاتفاق إلى مصلحة أميركية إسرائيلية في المقام الأول، وأخرى إماراتية في المرتبة الثانية.

حيث اعتبرت "فورين بوليسي" الاتفاقية انتصارا واضحا لإسرائيل وإدارة ترامب، لأن نتنياهو لم يضطر أن يقدم أي تنازلات كبيرة للحصول على اعتراف من دولة عربية، فهو لم يتنازل عن ما أسمته "حقه" في ضم أجزاء من الضفة الغربية، لكنه أجل التنفيذ مؤقتا فقط. كما اعتبرت أن هذه الاتفاقية توفر لنتنياهو المساحة السياسية التي يحتاجها للتراجع عن مخطط الضم وتبرير ذلك أمام الداخل الإسرائيلي، وتحديدا مجموعات المستوطنين واليمينيين[7].

كما اعتبرت الصحيفة أن هذه الصفقة هي أول نجاح دبلوماسي لا لبس فيه بالنسبة لترامب[8]، حيث إنه سيتغنى بالإنجاز التاريخي الذي استعصى على جميع الرؤساء الآخرين منذ 1994، في إشارة إلى معاهدة وادي عربة بين الأردن والكيان المحتل برعاية الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون.

كما عزا معهد "بروكنجز" الاتفاق إلى ما أسماه "عامل بايدن في الاتفاق الإماراتي الإسرائيلي"[9]، حيث ذكر تقرير المعهد أن الحكومتين، الإسرائيلية والإماراتية، مقربتان من إدارة ترامب، وأن قادة الحكومتين يتابعون عن كثب نتائج استطلاعات الرأي الأخيرة التي ترجح كفة المرشح الديمقراطي المفترض، جو بايدن، والذي لا يخفي توجهاته الداعمة لبرامج الانتقال الديمقراطي في الشرق الأوسط كما كان الحال في عهد إدارة الرئيس باراك أوباما، وكذلك معارضته لسياسة "الضغط الأقصى" التي يستخدمها ترامب ضد إيران، وانتقاده للممارسات الإماراتية السعودية في اليمن.

وعليه، فإن مصلحة الحكومتين الإماراتية والإسرائيلية تكمن في إعادة انتخاب ترامب في الانتخابات الأميركية القادمة في نوفمبر/ تشرين الثاني 2020، نظرا لتوافق السياسات والمصالح بين الإدارات الثلاث. وهو ما حدا بالحكومتين -طبقا لتقرير المعهد- إلى الإسراع في الاتفاق الذي يعد نجاحا لترامب في سياسته الخارجية، ليكون ذلك داعما له في حملته الانتخابية القادمة، وهنا تكمن مصلحة ترامب.

بينما المصلحة الإماراتية تكمن في كون أن الديمقراطيين الذين ينتمي إليهم بايدن صفقوا للاتفاق مرحبين به، كونهم ينادون دائما بتطبيع العلاقات مع إسرائيل، ولأنهم يرفضون الضم كذلك، وبذلك تكون الإمارات قد وضعت نفسها في طريق يخفف من ضربات الديمقراطيين ضدها إذا ما وصل بايدن إلى الرئاسة.

والمصلحة الإسرائيلية متمثلة في قرار تعليق مخططات الضم الذي يرفضه بايدن والديمقراطيون، فعلاوة على كونه مبررا يقدمه نتنياهو للمتشددين في الداخل الإسرائيلي، فإن تنفيذ الضم كان سيعني أن حكومة نتنياهو ستبدأ علاقة متوترة وخاطئة مع إدارة ديمقراطية جديدة، حال فوز بايدن، وهو ما لا تريده الحكومة الإسرائيلية بالتأكيد.

فائدة أخرى تعود على دولة الاحتلال من وراء الصفقة، فالإمارات تعد مصرفا ثريا جديدا لأسلحتها وصناعاتها. صحيفة "هارتز" الإسرائيلية اعتبرت أن الصفقة الحقيقية لإسرائيل والإمارات هي تجارة الأسلحة، حيث اعتبرت الإمارات شريكا مثاليا يمكنه تعويض خسارة المبيعات الكبيرة في الصناعات الدفاعية الإسرائيلية التي منيت بها خلال الأشهر الماضية، كون أن الإمارات -حسب الصحيفة- لها جيوب "مليئة" وتصرف ببذخ على ميزانيتها العسكرية، حيث تقدر ميزانيتها السنوية للدفاع بنحو 23 مليار دولار، كما أنها محكومة من قبل نظام "استبدادي" يمكنه اتخاذ قرارات سريعة بشأن شراء الأسلحة، طبقا للصحيفة[10].

المصلحة الإسرائيلية تكمن أيضا في أن مصالحها وسياساتها الإقليمية تتطابق مع المصالح والسياسات الإماراتية، واتحاد الطرفين يمنحهما قدرة أكبر وتنسيقا أشمل في تحقيق مآربهما في المنطقة.

فاتحادهما في وجه النفوذ الإيراني يعطيهما أدوات جديدة في مواجهة ذلك النفوذ، كون إسرائيل استطاعت الوصول إلى اتفاق مع أحد جيران إيران الأقوياء، وكون الإمارات حازت على دعم خصم إيران القوي المدعوم أميركيا.

علاوة على النفوذ الإيراني.. يبدو أن هناك همًّا آخر يدور في مخيلة قادة البلدين وعزز من رغبتهما في إعلان التطبيع، وهو النفوذ التركي المتصاعد في المنطقة، في ظل العلاقات الهشة والمتوترة بين تركيا وإسرائيل خلال السنوات الأخيرة، وكذلك في ظل تقاطع المصالح الإقليمية بين تركيا والإمارات في شتى القضايا.

حيث أدرجت إسرائيل مؤخرا الدولة التركية على قائمة المنظمات والدول التي تهدد الأمن القومي الإسرائيلي[11]، علاوة على التقارير والتسريبات التي نقلها التلفزيون الإسرائيلي عن تنسيق إسرائيلي سعودي إماراتي لشيطنة تركيا، معتبرين خطرها -في ظل حكم رجب طيب أردوغان- أكبر من خطر إيران، حيث نقلت القناة على لسان رئيس الموساد، يوسي كوهين، قوله في اجتماع جمعه مع مسؤولين عرب مطلع عام 2019: "القوة الإيرانية هشة، لكن التهديد الحقيقي يأتي من تركيا"[12].

  • تأزيم الصراعات الإقليمية

في مقابل تحزب الإمارات مع إسرائيل في وجه خصومهما الإقليميين، وفي ظل ترحيب مصر كحليف إستراتيجي للإمارات وخصم لتركيا في هذه الآونة[13]، يبدو أن الصراعات الإقليمية متجهة إلى التعقد أكثر فأكثر، بعكس ما ذكره ترامب من أن هذه "المقاربة الدبلوماسية التاريخية ستعمل على تعزيز السلام في منطقة الشرق الأوسط".

إيران بدورها هاجمت الاتفاق الإماراتي الإسرائيلي، حيث وصفه الرئيس الإيراني، حسن روحاني، بأنه "خطأ فادح وخيانة لإرادة الشعب الفلسطيني والمسلمين"، محذرا أنه لو سمحت الإمارات لإسرائيل بالحصول على موطئ قدم في المنطقة، فإن "التعامل سيكون مختلفا"، ومضيفا أن الإماراتيين يعتقدون أنهم إذا اقتربوا من الولايات المتحدة وإسرائيل فسيتم ضمان أمنهم وسينمو اقتصادهم، "وهذا خطأ تماما"، حسب قوله[14]. واستنكرت وزارة الخارجية الإيرانية الصفقة ووصفتها بأنها "غباء إستراتيجي من أبوظبي وتل أبيب".

التهديدات الإيرانية جاءت بشكل أكثر صراحة من خلال صحيفة "كيهان" الإيرانية المقربة من الحرس الثوري الإيراني، والتي عين المرشد الأعلى آية الله خامنئي رئيس تحريرها، حيث أوردت الصحيفة في افتتاحية صفحتها الأولى في عددها الصادر يوم 14 أغسطس/ آب 2020 أن "خيانة الإمارات الكبرى للشعب الفلسطيني ستحول هذا البلد الصغير الغني، الذي يعتمد بشكل كبير على الأمن، إلى هدف مشروع وسهل بالنسبة لنا"، في تهديد واضح باستهداف الإمارات[15].

الخارجية التركية انتقدت الاتفاق واعتبرت تصرف الإمارات تصرفا "منافقا"، مضيفة: أن الإمارات قامت "بخيانة القضية الفلسطينية بهدف تحقيق مصالحها الضيقة، وتعمل على إظهار الأمر وكأنه تضحية من أجل فلسطين"[16]. كما لوح الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان،  بإمكانية أن تتخذ بلاده خطوات لتعليق العلاقات الدبلوماسية مع إدارة أبوظبي أو سحب السفير التركي منها، كرد على تطبيع العلاقات مع إسرائيل[17].

إذن، يبدو أن صراعات النفوذ الإقليمية قد تزداد حدة وتوترا مع دخول إسرائيل على خط المواجهة في صف الإمارت ضد إيران وتركيا، وهو ما قد يقوض مساعي السلام في المنطقة ويزيد من اشتعالها.


الحالة المصرية

  • ترسيم الحدود.. والصراع الإقليمي

بعد عقود من الرفض المصري لترسيم حدودها البحرية في البحر الأبيض المتوسط مع اليونان، أعلن وزيرا الخارجية المصري واليوناني، سامح شكري ونيكوس دندياس، في 6 أغسطس/ آب 2020، تعيين المنطقة الاقتصادية الخالصة بين القاهرة وأثينا[18].

وحتى لحظة كتابة هذه السطور، لم تعلن أي من البلدين -على غير المتعارف عليه- عن تفاصيل الاتفاق، وكل ما يرد في المواقع والقنوات الإعلامية ما هو إلا محض توقعات وتحليلات سياسية غير مستندة لوثائق أو معلومات رسمية.

إلا أن الجهة الرسمية الوحيدة التي تحدثت عن تفاصيل الاتفاق ذكرت أن القاهرة خسرت بموجب هذا الاتفاق "صلاحيات من حدودها البحرية"، وفق بيان وزارة الخارجية التركية للتعقيب على الاتفاق المصري اليوناني، مشيرة إلى أن ما حدث في هذه الاتفاقية مشابه لخسارة مصر 11.500 كم مربع جراء اتفاق مماثل مع جمهورية قبرص (الجنوبية التي لا تعترف بها تركيا) عام 2003، حسب البيان[19].

في مقابل ذلك.. فإن مصر تستخدم عدم الإعلان ذريعة للرد على ما تسميه "الادعاءات التركية" دون أن تقدم هي الحقائق الرسمية.

وفي تعقيبه على بيان وزارة الخارجية التركية بشأن الاتفاق، صرح أحمد عبد الحافظ، المتحدث باسم وزارة الخارجية المصرية، بأنه "من المستغرب أن تصدر مثل تلك التصريحات والادعاءات عن طرف لم يطلع أصلا على الاتفاق وتفاصيله"[20].

عدم الإعلان من قبل الطرفين عن تفاصيل الاتفاق يلقي بظلال الشك حول ماهية هذا الاتفاق وأهدافه، وكذلك حول ما إن كان في هذا الاتفاق ما تريد كلا الدولتين إخفاءه هذه الآونة، إما عن شعوبهما أو خصومهما الإقليميين.

المؤكد في هذا الأمر أن الاتفاق المصري اليوناني ما هو إلا اتفاق يهدف إلى امتلاك أوراق قوة على طاولة المفاوضات، وأن أي اتفاقات في شرق المتوسط بين بلدين بمعزل عن الأطراف المتنازعة الأخرى، فإنه اتفاق مؤقت يفتقر إلى عوامل إنفاذه ونجاحه.

التحرك المصري أيضا لا يؤخذ بمعزل عن المناكفات السياسية الناتجة عن الصراعات الإقليمية، وأعلن ذلك وزير الخارجية المصري -ضمنيا- في المؤتمر الصحفي الخاص بإعلان الاتفاق، عندما صرح أن هذا الاتفاق يهدف إلى "مجابهة التهديدات والمخاطر الناجمة عن السياسات غير المسؤولة الداعمة للتطرف والإرهاب"، في إشارة لتركيا.

مما يبرهن على ذلك ما جاء من دعم سريع للاتفاق من حلفاء مصر الإقليميين، الإمارات[21][22] والبحرين[23]، رغم أن كليهما يبعدان آلاف الأميال عن المتوسط، وليس فيه ما يخص أيا منهما، إلا أن ما يجمعهما هو مناكفة أنقرة في ظل نزاع إقليمي بين المحور الثلاثي وتركيا على عدة مستويات وفي قضايا شتى.


الحالة اللبنانية

  • زيارة ماكرون.. دوافع إنسانية أم إعادة استعمار؟

كان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أول من زار لبنان من القادة السياسيين عقب انفجار 4 أغسطس/ آب 2020 الضخم في مرفأ بيروت[24]، والذي خَلَّف نحو 170 قتيلا و أكثر من 6000 جريح، علاوة على تشريد نحو 300 ألف مواطن لبناني[25]. هذا بالإضافة إلى الخسائر الاقتصادية التي منيت بها المدينة جراء الانفجار، والتي قدرت بـ 3 مليارات دولار -كحد أدنى- من قبل خبراء اقتصاديين، بينما قدرها آخرون بنحو 15 مليارا.

زيارة ماكرون للبنان وتجوله في المدينة وسط المواطنين وتصريحاته عقب هذه الجولة، وكذلك دعوته لمؤتمر دولي للمانحين لدعم، كل هذه التحركات أثارت تساؤلات حول دوافع التحركات الفرنسية في لبنان: هل هي مساعدات إنسانية خالصة، أم إعادة هيمنة واستعمار؟.

تنوعت الرسائل التي أراد ماكرون إيصالها خلال زيارته، حيث صرحت مصادر سياسية شاركت في اجتماعاته في بيروت لوكالة الأنباء "المركزية" اللبنانية، بأن زيارة ماكرون ذهبت في اتجاهات ثلاثة: أولها اتجاه سلطوي تمثل في الرسائل القاسية التي أبلغها إلى المسؤولين، وثانيها شعبي من خلال تخصيص مساحة واسعة من زيارته القصيرة للاستماع الى صرخات اللبنانيين، أما  ثالثها فهو اتجاه سياسي نحو زعماء الأحزاب ورؤساء الكتل النيابية لحثهم على الخروج من شرنقة الولاءات للخارج والسياسات الكيدية[26].

فعلى الاتجاه السلطوي تجاه المسؤولين.. قال ماكرون في خطاب موجه إلى القادة السياسيين في لبنان: إنه "آن الأوان لأن يكون المسؤولون في لبنان عند مستوى المسؤولية"، مضيفا: أن هؤلاء القادة "لا يحظون بثقة شعبهم" وأنه ينتظر من السلطات اللبنانية "أجوبة واضحة حول تعهداتها"، مؤكدا أنه سيعود ليتحقق من تنفيذ الإصلاحات المطلوبة في الأول من سبتمبر/ أيلول 2020، محذرا أنه في حال لم يتمكنوا من القيام بذلك، فإنه سوف يتحمل ما أسماه "مسؤوليته السياسية"، في تصريح ذي دلالة، ولهجة ذات مغزى.

والتاريخ هنا كذلك له دلالته، حيث يعد هذا التاريخ الذكرى المئوية الأولى لوضع لبنان تحت الانتداب (الاحتلال) الفرنسي، وإعلان الجنرال غورو دولة لبنان الكبير.

ومن حيث الاتجاه الشعبي.. زار ماكرون المرفأ المحطم والتقى بالمواطنين الغاضبين الذين هتفوا أمامه "ثورة.. ثورة.. الشعب يريد إسقاط النظام"، مطالبين إياه ألا تصل المساعدات المالية إلى الحكومة "الفاسدة"[27]، في مشهد وصف أنه أقرب للاحتفاء والاستجداء.

جدير بالذكر أن خطوة زيارة المرفأ والالتحام بالمواطنين وسماع شكواهم لم يتخذها أي من المسؤولين السياسيين في لبنان.

ومن حيث الاتجاه السياسي.. جمع ماكرون قادة الفصائل السياسية معا على طاولة واحدة في قصر الصنوبر، مقر السفارة الفرنسية في بيروت، في مشهد وصفته وكالة الأنباء الأميركية "أسوشيتد برس" بأنه "مشهد نادر".

الوكالة ذكرت أن بعض هؤلاء القادة لا يزالون أعداء لدودين لبعضهم بعضا منذ الحرب الأهلية (1975-1990)، كما نقلت عن السياسي اللبناني والبرلماني السابق سمير فرنجية قوله: إن ماكرون جمع السياسيين كـ "تلاميذ مدرسة" ووبخهم على عدم القيام بواجباتهم[28].

لا شك أن أسلوب ماكرون في تعامله مع الشعب ولهجة خطابه الموجه إلى السياسيين والمسؤولين، وكذلك دلالاته التاريخية، كل ذلك يجعل من العسير النظر إلى التحركات الفرنسية بمعزل عن مصالحها ومطامحها في استعادة نفوذها الذي تقلص في المنطقة خلال السنوات الأخيرة لصالح قوى إقليمية أخرى.

"كأن إيمانويل ماكرون نسي أن لبنان لم يعد محمية (مستعمرة) فرنسية".. بهذه الكلمات بدأ تقرير نشرته "أسوشيتد برس" لمناقشة دوافع التحركات الفرنسية في لبنان، حيث أورد التقرير مشهد زيارة ماكرون لبيروت وطريقة تعامله مع السياسيين هناك وتصريحاته تجاه المسؤولين والشعب كدلائل على أن تعامل ماكرون مع الأزمة ليس من قبيل المساعدات الإنسانية فقط[29].

ونقل التقرير عن جاك لانغ، وزير سابق في الحكومة الفرنسية، قوله: "إننا نسير على حافة الهاوية، علينا مساعدة ودعم الشعب اللبناني، ولكن في الوقت نفسه لا ينبغي أن نعطي انطباعا بأننا نريد إنشاء مستعمرة جديدة". كما انتقد -ضمنيا- رئيس حزب الخضر اليساري الفرنسي، جوليان بايو، مشهد وقوف ماكرون مع المواطنين اللبنانيين، حيث غرد بايو على تويتر قائلا: "نهاية الحماية الفرنسية على لبنان عام 1941. الاستقلال، 1944. يجب أن يكون التضامن مع  لبنان غير مشروط"[30].

  • مؤتمر المانحين.. الجدوى والدوافع

دعا الرئيس الفرنسي في ختام جولته إلى مؤتمر دولي لحشد التبرعات العاجلة للبنان، عقد المؤتمر في 9 أغسطس/ آب 2020، وانبثق عنه تبرعات بنحو 300 مليون دولار كمساعدة طارئة غير مشروطة[31]. إلا أن ماكرون أكد أن المساعدات لن تصل إلى الحكومة، ولكنها ستصل مباشرة إلى "من يستحقها" عبر المنظمات الإغاثية ومنظمات المجتمع المدني بالتنسيق مع الأمم المتحدة وهيئة الصليب الأحمر.

شارك في المؤتمر الافتراضي نحو 30 من القادة الدوليين والمسؤولين الحكوميين. وحسب بيان الرئاسة الفرنسية الصادر عقب المؤتمر، فقد حضر الاجتماع كل من: الولايات المتحدة الأميركية، الصين، ألمانيا، فرنسا، المملكة المتحدة، إيطاليا، كندا، فرنسا، إسبانيا، أستراليا، بلجيكا، البرازيل، قبرص، الدنمارك، فنلندا، اليونان، النرويج، اليابان، السويد، سويسرا. ومن الدول العربية حضر كل من: المملكة العربية السعودية، مصر، الإمارات، قطر، الأردن، لبنان، الكويت، العراق[32].

وحول جدوى المنحة المقدمة من المؤتمر على الاقتصاد اللبناني ومعالجة الآثار السلبية وتعويض الخسائر الناجمة عن الانفجار، فمن البدهي أن المبلغ المقدم في المنحة (300 مليون دولار) لن يساهم في تغيير الوضع الاقتصادي المزري بأي حال من الأحوال، حيث إن خسائر الانفجار فقط قدرت بـ 3 مليارات دولار على أقل تقدير، فضلا عن الديون الخارجية والداخلية والأوضاع الاقتصادية المتردية في الأساس منذ سنوات عدة قبل الانفجار.

إذن، المبلغ الذي وفره المؤتمر الذي دعت إليه فرنسا لن يغير من الواقع اللبناني شيئا، ولن يساهم في تحسين الأوضاع الإنسانية السيئة للبنانيين. ولن تقدم مساعدات أخرى إلا إذا وافقت الحكومة على شروط وأجندات المانحين.

كما أن هذه المساعدات المقدمة لا تكون في إطار المساعدات الإنسانية فقط، حيث إن ما جرت عليه العادة في مؤتمرات المانحين أن المؤتمر المبدئي يكون تمهيدا لما بعده، وأن المنح لا بد وأن تكون مشروطة بأجندات سياسية أو اقتصادية أو مزدوجة، وهو ما أكدته تصريحات المسؤولين.

"التمويلات موجودة.. ولكنها تنتظر الإصلاحات".. كانت هذه كلمة ماكرون في المؤتمر الصحفي الذي عقده في بيروت قبيل انتهاء زيارته، كما أكد أن فرنسا لن تقدم "شيكا على بياض" للقادة اللبنانيين[33]. تصريح الرئيس الفرنسي جاء مطابقا للتصريحات التي نقلتها صحيفة "فاينانشيال تايمز" عن كريستالينا جورجيفا، المديرة العامة لصندوق الدعم المنبثق عن مؤتمر المانحين، حيث ذكرت جورجيفا أن دعمها مرهون بالإصلاحات[34].

كما جاء في البيان الختامي للمؤتمر أنه "علاوة على المساعدة الطارئة، يقف الشركاء على أهبة الاستعداد لدعم الانتعاش الاقتصادي والمالي في لبنان، الأمر الذي يتطلب -كجزء من إستراتيجية طويلة- أن تلتزم السلطات اللبنانية التزاما كاملا بالإجراءات والإصلاحات". مضيفا أن هذه الإصلاحات هي -وحدها- التي ستمكن المجتمع الدولي من العمل بفاعلية إلى جانب لبنان لأجل إعادة الإعمار[35].

وللدلالة على زيادة التداخل الفرنسي في الشأن الداخلي اللبناني، أصدر وزير الخارجية الفرنسي، جان إيف لودريان، عقب استقالة حكومة حسان دياب، بيانا دعا فيه إلى "تشكيل سريع للحكومة"، مضيفا: أن الحكومة يجب أن "تثبت فعاليتها" من خلال إجراء "إصلاحات يتجه البلد بدونها نحو الانهيار الاقتصادي والسياسي والاجتماعي".

علاوة على ما ورد في الآونة الأخيرة من أنباء تفيد أن ماكرون أعطى السياسيين في لبنان "خريطة طريق" تتناول خطوات وإجراءات سياسية واقتصادية ضرورية من أجل السماح بتدفق المساعدات الأجنبية وإنقاذ البلد من أزماتها العديدة[36].

تكرار حديث المسؤولين الفرنسيين عن دعم مشروط بإصلاحات "داخلية" في لبنان، دون الإفصاح بشكل واضح عن ماهية هذه الإصلاحات وآثارها على الشعب اللبناني يلقي بظلال الشك حول الدوافع الكامنة وراء التحرك الفرنسي، وحول ما إن كانت هذه التحركات نابعة عن رغبة أوروبية وأميركية في تحجيم النفوذ الإيراني في لبنان، من خلال تضييق الخناق على "حزب الله" الموالي لطهران.

  • صراع نفوذ حول المدينة المنكوبة

التحركات الفرنسية أخذت طابع صراع حول النفوذ الإقليمي، حيث صرح ماكرون لمحطة تلفزيون BFM الفرنسية أن إيران أو تركيا أو السعودية سيتدخلون في الشأن اللبناني إذا لم تلعب فرنسا دورها، مدعيا أن بلاده هي القوة التي تؤمن بالديمقراطية والتعددية، وتؤمن بمصالح الشعب اللبناني[37]. وهو ما يعد استفزازا صريحا للدول المذكورة.

في مقابل ذلك.. يبدو أن اللاعبين الإقليميين ارتأوا أن التحركات الفرنسية مدفوعة برغبات ومصالح سياسية تحاول فرنسا جنيها من خلال مواقفها في الأزمة، حيث بدا المسؤولون الإيرانيون منزعجين من الطريقة التي تعامل بها ماكرون، برز ذلك في تصريح محمد جواد ظريف، وزير الخارجية الإيراني، حين سئل عن زيارة ماكرون لبيروت، فقال: إن هناك دولا "تحاول تسييس هذا الانفجار لمصالحها الخاصة"[38].

ونشرت صحيفة "ديلي صباح" التركية تقريرا بعنوان "إيران قلقة من تقلص نفوذها في لبنان عقب استقالة الحكومة"، وذكرت فيه الصحيفة أن الإيرانيين يعتقدون أن زيارة الرئيس الفرنسي لبيروت عقب الانفجار تعد تهديدا لنفوذ إيران الإقليمي. كما اتهمت صحيفة "كيهان" الإيرانية المقربة من الحرس الثوري الإيراني ماكرون بمحاولة "إضعاف المقاومة اللبنانية"، واصفة مؤتمر المانحين بأنه "خدعة"[39].

ومن ناحية أخرى.. يبدو أن تصرفات ماكرون وتصريحاته أزعجت الأتراك كذلك، مما حدا بوزير الخارجية التركي، مولود تشاووش أوغلو، إلى الهجوم على التحركات الفرنسية -في لقاء مع صحيفة "ديلي صباح" التركية- قائلا: إن فرنسا لا تزال تطبق سياستها "الاستعمارية" في لبنان وإفريقيا والشرق الأوسط، مستشهدا بزيارة ماكرون إلى بيروت، ومضيفا: أن تحركات فرنسا ما هي إلا "انعكاس لسياسة فرنسا لزعزعة الاستقرار في المنطقة"[40].

الخارجية التركية ترى أن فرنسا تعتبر هذه المنطقة ساحة للمنافسة، "وهو ما يعاكس الرؤية التركية التي تقدم المساعدة دون أن تطلب أي شيء مقابل ذلك"، حسب تصريحات تشاووش أوغلو.

فؤاد أقطاي، نائب الرئيس التركي، اعتبر أن فرنسا تتدخل في الشؤون الداخلية للبنانيين، مؤكدا أن اللبنانيين في مواجهة دولتين، إحداهما مستعدة لتقديم المساعدة دون أي مقابل، والأخرى كانت تهزأ بهم وتستغل موارد البلاد، مؤكدا أن الفرق بين البلدين المساعدين هو "عقلية الاستعمار"، في إشارة إلى فرنسا.

وفضلا عن التوتر الفرنسي التركي، برز على الخط صراع إقليمي آخر طرفاه الإمارات والسعودية من جهة، وتركيا من جهة أخرى، حيث رصدت "صحيفة الاستقلال" في تقرير لها بعنوان "قرار منح لبنانيين الجنسية التركية.. لهذا انزعجت الرياض وأبوظبي"، انزعاجا خليجيا على مستوى الدوائر الإعلامية الرسمية وشبه الرسمية من توجيهات الرئيس التركي بمنح الجنسية لكل مواطن لبناني يقدم ما يثبت أن له أصولا عثمانية، طبقا لتصريحات وزير الخارجية التركي أثناء زيارته للبنان عقب الانفجار[41].

إذن.. يبدو أن ماكرون قدم إلى لبنان حاملا معه ذاكرة فرنسية تبغي استعادة الهيمنة والنفوذ، مستحضرا في ذلك تاريخها الاستعماري، ومصطحبا كذلك معه أجندة الصراعات الإقليمية في المنطقة، متمثلة في الصراع في ليبيا وسوريا وشرق المتوسط، ويبدو أن هناك من يحاول جر لبنان إلى نفس المستنقع.

  • خلافات حول تشكيل الحكومة

وإلى جانب المحاولات الخارجية لإقحام لبنان في صراعات لا ناقة لها فيها ولا جمل، تستكمل الطبقة السياسية مسلسل شرذمة لبنان جراء عدم تمكنها من التوافق على تشكيل حكومة تحقق آمال الشعب وتستطيع انتشاله من براثن الفقر والمرض.

فبعد استقالة حكومة حسان دياب يوم 10 أغسطس/ آب 2020 إثر ضغط من الشارع المنتفض ضد الطبقة السياسية الحاكمة عقب أيام من انفجار مرفأ بيروت[42]، تولد الخلاف السياسي المعهود بين الطوائف والمذاهب والأحزاب حول ماهية الحكومة القابلة وشكلها ورئيسها. وهو خلاف يتوقع له أن يطول.

وحتى كتابة هذه السطور.. لم تلح أي بوادر في الأفق للتوافق على اسم رئيس الحكومة أو شكلها أو طبيعة تكوينها.

جريدة "الأخبار" اللبنانية المقربة من حزب الله قالت: إنه "بخلاف الأجواء الإيجابية التي شاعت الأسبوع الماضي بشأن التوافق على تأليف الحكومة في وقت قريب، لم تفد الاجتماعات السياسية الأخيرة إلى أي تقدم في المفاوضات، وبالتالي ما زالت كل الأمور عند النقطة صفر"[43].

وعددت الجريدة أبرز النقاط الخلافية التي تؤخر الاتفاق بين الأطراف السياسية، أولها: اسم رئيس الحكومة المقبل، وثانيها: شكل الحكومة وطبيعة وزرائها، وثالثها: برنامجها.. قائلة: إن هذا الخلاف يحصل "في ظل غياب كلمة مرور أميركية واضحة فيما يخص اسم الرئيس المقبل، وفي ظل فيتو سعودي على سعد الحريري".
جدير بالذكر أن الصحافة تناولت ترشيح اسم سعد الحريري للعودة لرئاسة الوزراء مرة أخرى، إلا أن الحريري أعلن في بيان رفضه لتداول اسمه في قائمة الترشيحات[44].

الأزمة التي تعصف باللبنانيين تحتاج من الطبقة السياسية الحاكمة أن تحيد بنفسها عن الصراعات الإقليمية والدولية، وتتعالى على انتماءاتها الحزبية والدينية والمذهبية والطائفية، ولا تضع نصب أعينها إلا مصلحة الشعب اللبناني والسعي إلى تحسين أوضاعه الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والصحية.


الحالة الليبية

  • مبادرة وقف إطلاق النار

في ذكرى نجاح الثورة الليبية وسقوط معمر القذافي، وتحديدا في 20 أغسطس/ آب 2020.. صدر بيانان متزامنان من رئيس المجلس الرئاسي الليبي لحكومة الوفاق الوطني، فائز السراج[45]، ورئيس مجلس النواب المنعقد في طبرق، عقيلة صالح[46]، يدعوان فيه إلى مبادرة لوقف إطلاق النار واستئناف إنتاج النفط والتوصل إلى تسوية سياسية للصراع الليبي.

قوبلت المبادرتان بترحيب دولي كبير، سواء من الدول الداعمة لحكومة الوفاق أو تلك المؤيدة لمليشيات حفتر مثل فرنسا ومصر والإمارات وروسيا.

وهنا لا بد أن يُطرح السؤال حول ما إن كانت هذه المبادرة قادرة على الوصول إلى حل "نهائي" للصراع الليبي المشتعل منذ عقد من الزمان، أم أنها ستكون كسابقاتها من مبادرات ومباحثات لم ينبثق عنها أية حلول؟.

لا شك أن استعراض البيانين الصادرين في نفس اليوم والنظر في مضامينهما سيفيد في الإجابة عن هذا السؤال من خلال تحديد مساحات التوافق والاختلاف بين المبادرتين.. وكذلك فإن النظر إلى تداعياتهما وردود الفعل حولهما سيساهم في عملية استشراف مآلات الصراع.

  • قضايا عالقة بين المبادرتين

يتوافق بيانا السراج وصالح في أن كليهما يرتئي ضرورة وقف إطلاق النار، إلا أن ما يختلفان فيه هو أن بيان السراج قد جاء بصيغة أنه "أصدر أوامره وتعليماته" بوقف إطلاق النار، بينما "طلب" صالح من "الجميع" وقف إطلاق النار.

وهو ما يبدو بديهيا نظرا لموقع الرجلين ومدى تأثير كل منهما في معسكره، فصالح يرأس السلطة التنفيذية ويملك سلطة إصدار الأوامر في المعسكر الغربي، بينما الآخر لا يملك من أمر الواقع شيئا، حيث إن القوات تأتمر بأوامر المتمرد حفتر، وما صالح في الشرق إلا واجهة سياسية يستخدمها الجنرال لإضفاء شرعية قانونية أو سياسية على وجوده أمام المجتمع الدولي، وليس له أي سلطة في إصدار الأوامر.

وعليه، فإن جزءا كبيرا من نجاح هذه المبادرة يعتمد على موقف حفتر وتعاطيه معها. وهو ما لا يبدو إيجابيا حتى اللحظة. فبينما لم يعلق حفتر على المبادرة نحو 3 أيام، جاء الرد الأول على لسان أحمد المسماري، المتحدث باسم قوات حفتر، رافضا مبادرة السراج ومعتبرا إياها "مبادرة للتسويق الإعلامي"[47].

في بيان السراج.. وقف إطلاق النار يقتضي أن تصبح منطقتا سرت والجفرة منزوعتي السلاح، وتقوم الأجهزة الشرطية من الجانبين بالاتفاق على الترتيبات الأمنية داخلهما. يتوافق بيان صالح -ضمنيا وبشكل جزئي- مع موقف السراج من "سرت"، حيث يرتئي الأول أن تقوم قوة أمنية من مختلف المناطق بتأمين المدينة، مما يشير ضمنيا وواقعيا إلى توقف القتال فيها وجعلها منطقة محايدة، وهو موافق لما ذكره السراج.

إلا أن رئيس البرلمان (طبرق) تجاهل منطقة الجفرة التي تحدثت عنها الوفاق، وهنا نقطة خلاف مهمة، حيث تعد الجفرة نقطة حيوية وهامة بالنسبة لحكومة الوفاق، نظرا لأهمية موقعها الإستراتيجي، وكذلك نظرا لوجود قاعدة جوية إستراتيجية ينتشر فيها مرتزقة "فاغنر" الروس.

كما اشترط صالح أن تكون سرت مقرا للمجلس الرئاسي الجديد، ولم يصدر أي تعليق من الغرب بخصوص هذا المقترح بالسلب أو الإيجاب، إلا أنه من المستبعد الموافقة على هذه المسألة، لأنها تضع أعضاء المجلس تحت نفوذ مليشيا حفتر.

اتفق البيانان على ضرورة الوصول إلى العملية الديمقراطية والاحتكام إلى الشعب للخروج من المرحلة الانتقالية، لكن اختلافهما في التفاصيل -حتى الآن- يجعل بينهما البون شاسعا. فالسراج يدعو إلى انتخابات رئاسية وبرلمانية خلال شهر مارس/ آذار القادم، وهي فترة قصيرة تعكس رغبة الوفاق في إنهاء المرحلة الانتقالية بشكل سريع والوصول إلى تمثيل حقيقي للشعب الليبي من خلال صناديق الاقتراع.

بينما لم يشر بيان صالح الأخير إلى أي تفاصيل بخصوص العملية الديمقراطية، إلا أنه أكد التزامه بإعلان القاهرة، والتي اقترح على إثره صالح أن تمر البلاد بفترة انتقالية جديدة تمتد بين 18 و24 شهرا، مما يعني توسيع الفترة الانتقالية والدخول في مرحلة جديدة قد تساهم في إطالة أمد الأزمة لسنوات أخرى[48].

إلا أن البيانين تطابقا -وهذه نقطة التطابق الكامل الوحيدة- فيما يتعلق باستئناف إنتاج النفط وتصديره، وكذلك تم حل إشكال كبير بالنسبة للتصرف في مصارف أموال النفط المتنازع عليها، فاتفق البيانان على أن إيرادات النفط ستودع في حساب خاص لدى المصرف الليبي الخارجي، ولا يجري التصرف فيها إلا بعد التوصل إلى تسوية سياسية شاملة.

كلا البيانين تحدثا عن ضرورة استرجاع السيادة الوطنية الكاملة، وتفكيك المليشيات وخروج القوات والمرتزقة الأجانب، إلا أن كلا منهما يختلف عن الآخر في تفسير هذه المصطلحات.

فالشرق يرى أن القوات التي تقاتل أمامها مليشيات متطرفة إرهابية، والغرب يرى أن حفتر ومن معه مليشيات متمردة مسلحة ينبغي القضاء عليها. كذلك فإن القوات الأجنبية تعني عند الغرب خروج فاغنر والجنجويد وغيرهم من المرتزقة الذين يقاتلون في صفوف حفتر، بينما يتهم الشرق المعسكر الآخر بجلب تركيا لمرتزقة سوريين للقتال بجانب جيش الوفاق. فأي التفسيرات سيعمل بها؟.

لا شك أن المبادرتين كانتا نتيجة لجهود دبلوماسية قامت بها الدول الكبرى، وخاصة ألمانيا، وكذلك إثر مباحثات موسعة على مدار الشهرين الماضيين بين تركيا وروسيا والولايات المتحدة وفرنسا، وكذلك لا تُستبعد التواصلات الاستخباراتية بين القاهرة وأنقرة[49]، من المساهمة في الخروج بهاتين المبادرتين.

  • نظرة إلى المستقبل

بالعودة إلى السؤال الرئيس حول إمكانية أن تصل هذه المبادرات إلى حل سياسي "نهائي" للأزمة في ليبيا، ففي ضوء ما سبق، وتحديدا في ظل تعنت قوات حفتر، يبدو أنه لا جديد حتى اللحظة في الجبهة الليبية الداخلية يمكن أن ينبئ عن حل نهائي.

كلا الطرفين لم يأت بجديد، فالسراج وصالح يدعوان بين الفينة والأخرى إلى مبادرات للخروج من الأزمة بشكل سياسي سلمي، بينما الواقع لا يستجيب لهذه المبادرات بالقدر الكافي. كما أن الطرفين لا يزالان عند رؤاهما وتفسيراتهما الخاصة التي لا يبدو حتى الآن أن هناك بوادر للتوافق حيالها، إلا أنه لا شك من أن المبادرة تكسب الطرفين المصدرين لها دعما أو شرعية دولية، وكذلك تزيد من عزلة حفتر ونبذه دوليا.

كما أن مصالح الأطراف الخارجية -الموجودة فعليا أو الراغبة في الوجود خلال الفترة القادمة- تبدو متعارضة ومتقاطعة بصورة كبيرة، وليس هناك أي بوادر تنبئ عن اقتناع أي منها بضرورة حل "نهائي" للصراع. إلا أن ذلك لا ينفي أن الوضع المتشابك الحالي قد يدفع هذه الأطراف نحو الوصول إلى حل ما بشكل مؤقت.

قد تسفر المبادرتان، بما لهما من دعم دولي كبير، عن هدنة مؤقتة سرعان ما تجد أطراف الصراع مبررا للنكوص على أعقابهم فيها كما حدث في كل الهدنات السابقة، إلا أنهما بالتأكيد لن يسفرا عن حل نهائي للصراع، ونجاح المبادرة سيبقى رهينا بتفعيل مفاوضات جادة وحقيقية حول القضايا العالقة المذكورة سلفا.


الحالة التونسية

حتى كتابة التقرير، كان التونسيون يترقبون مطلع سبتمبر/ أيلول 2020، إنهاء الأزمة السياسية المتصاعدة منذ نوفمبر/ تشرين الثاني 2019 حول القدرة على تشكيل حكومة تونسية مستقرة، فقد حُدِّد يوم 1 سبتمبر/ أيلول 2020 موعدا لانعقاد جلسة منح الثقة لحكومة رئيس الوزراء المكلف هشام المشيشي[50].

جدير بالذكر أن المشيشي أعلن تشكيل حكومته المقترحة في ساعة متأخرة من يوم الاثنين 25 أغسطس/ آب 2020، قبيل ساعات من انتهاء مدة الشهر المحددة له لينتهي من تشكيل الحكومة التي قرر لها أن تكون حكومة تكنوقراط مستقلة عن الأحزاب، وضمت تشكيلة الحكومة الجديدة 28 عضوا، ما بين وزير ووزير دولة[51].

  • مواقف الأحزاب المبدئية عقب التكليف

مسار تكليف المشيشي شابه الكثير من الجدل بين الأحزاب والقوى السياسية منذ البداية، حيث إن الرئيس قيس سعيد كان قد طلب من الأحزاب أن ترسل ترشيحاتها كتابيا إلى الرئاسة، إلا أنه اختار في النهاية أن يكلف المشيشي الذي كان خارج ترشيحات جميع الأحزاب. وهو ما جعل مواقف الأحزاب متباينة حول شخص المشيشي ومسار تكليفه.

فحركة النهضة (الكتلة الأولى في البرلمان، 54 نائبا من إجمالي 207 نواب) أعلنت قرارها منح الثقة للحكومة المقترحة لرئيس الحكومة المكلف هشام المشيشي قبل ساعات من طرحها على البرلمان لنيل الثقة.

وجاء قرار الحركة عقب اجتماع لمجلس الشورى، الهيئة الأعلى في الحزب، ليل الاثنين 31 أغسطس/ آب 2020، لتمنح بذلك أغلبية مطمئنة حسابيا للحكومة المقترحة وتجنيب البلاد لخيارات دستورية أخرى معقدة ومن بينها مخاطر حل البرلمان.

وانضم بذلك حزب الأغلبية في البرلمان إلى حزب "قلب تونس" وحزب "حركة تحيا تونس" وكتل برلمانية أخرى[52].

قبلها كانت الحركة قد أعربت على لسان سناء المرسني، النائبة عن النهضة في البرلمان عن وجود تحفظات حول مسار التكليف الذي اتبعه رئيس الجمهورية، معللة ذلك بأن الرئيس "لم يأخذ بعين الاعتبار كل الترشيحات المقدمة من قبل الأحزاب"[53].

وفي دلالة على تشكك النهضة في نوع المهمة التي سيؤديها المشيشي، صرح عبد الكريم الهاروني، رئيس مجلس شورى الحركة، في لقائه مع إذاعة "إكسبرس" التونسية، أنهم يحبون المشيشي كرئيس حكومة، وليس "كوزير أو أداة لرئيس الجمهورية"[54].

وفي موقف لا يختلف كثيرا عن موقف النهضة.. أعرب حزب "قلب تونس" (الحزب الثاني في البرلمان، 27 نائبا) عن عدم وجود أي تحفظ مبدئي على شخص المشيشي، وذكر رئيس كتلة الحزب في البرلمان، أسامة الخليفي، أنهم رأوا منه خيرا خلال فترة تعاملهم معه كوزير للداخلية[55]. إلا أنهم عقَّبوا كذلك على مسار التكليف الذي اتبعه الرئيس، ويعتقدون أنه كان الأفضل أن يكون المكلف من ضمن قائمة الأحزاب، حسب تصريح فؤاد ثامر، عضو البرلمان عن الحزب[56].

ووجه الحزب انتقادات ضمنية للرئيس، حيث اعتبر عياض اللومي، النائب البرلماني عن الحزب ورئيس اللجنة المالية بالمجلس، أن "قيس يواصل خرق الدستور"، مضيفا أنه لا يعتقد أن المشيشي يمتلك مجالا كبيرا للحركة بحرية وأخذ القرارات في تشكيل الحكومة، حيث إنها "حكومة الرئيس"، حسب قوله. كما أضاف: أن "الحكومة جاهزة في قصر قرطاج، ومستشارة الرئيس نادية عكاشة هي التي تقود المفاوضات"[57].

من ناحية أخرى،  رحب "التيار الديمقراطي" (الحزب الثالث في البرلمان، 22 نائبا) بتكليف المشيشي، مؤكدا أن هشام المشيشي سيمر مهما كانت التجاذبات[58]. وحول رؤية التيار للحكومة، أعلن هشام العجبوني، رئيس التيار الديمقراطي، رفضه لحكومة توجد فيها حركة النهضة.

حيث ذكر العجبوني -في لقائه مع إذاعة موزيك- عقب لقاء كتلته مع المشيشي في إطار المشاورات حول الحكومة أنه قال للأخير: "ما دامت النهضة في الحكم، فلن تكون هناك إمكانية للقيام بإصلاحات عميقة وجذرية"، معللا ذلك بزعمه أنها لا تؤمن بالإصلاحات، وتتعامل مع السلطة على أنها غنيمة، حسب قوله[59].

الحليف الرئيس للتيار الديمقراطي في الكتلة الديمقراطية أعلن ترحيبه كذلك باختيار الرئيس للمشيشي لتشكيل الحكومة، حيث اعتبر خالد الكريشي، القيادي في "حركة الشعب" (15 نائبا)، أن المشيشي هو "الرجل المناسب في المكان المناسب"، مضيفا أن الحركة ستتفاعل مع رئيس الحكومة المكلف بشكل إيجابي، وستشارك في حكومته[60].

وأعلنت كتلتا "الإصلاح" و"تحيا تونس" دعمهما للحكومة الجديدة. حيث أعرب رئيس كتلة الإصلاح، حسونة ناصفي، على صفحته على فيسبوك، عن تمنياته للمشيشي بالتوفيق لتشكيل الحكومة، مؤكدا أنه "شخصية مستقلة ورجل دولة وكفاءة تستحق الدعم والمساندة"[61]. كما أعلن رئيس حزب "تحيا تونس"، يوسف الشاهد، أن حزبه سيدعم الحكومة سواء كانت حكومة حزبية أو كفاءات مستقلة[62].

ورغم تعاطي كتلة "ائتلاف الكرامة" (19 نائبا) مع رئيس الحكومة المكلف بشكل إيجابي، إلا أنها تعاملت بلهجة أكثر قسوة مع المسار الذي اتبعه رئيس الجمهورية، خصوصا في إجراء المشاورات، حيث اعتبرت الكتلة -في بيان لها- أن طريقة المراسلة الورقية فيها "نزعة استعلاء وإهانة للسلطة ولممثلي الشعب"[63]، كما اعتبر رئيس الكتلة، سيف الدين مخلوف، أن رئيس الجمهورية تحول إلى "عبء حقيقي على الانتقال الديمقراطي"، حسب قوله[64].

وفي خطوة متفردة بين الأحزاب، رفضت كتلة "الحزب الدستوري الحر" تلبية دعوة رئيس الحكومة المكلف بإجراء مشاورات حول الحكومة، حيث أعلن الحزب أنه لن يشارك في أي مشاورات "تضم ممثلي تنظيم الإخوان"، في إشارة إلى حركة النهضة.

وفي بيان نشرته رئيسة الحزب، عبير موسي، على صفحتها على فيسبوك، أكدت أن الحزب لن يتفاعل إيجابيًّا مع الحكومة إلا إذا كونت حكومة كفاءات مستقلة فعليا وكليا عن الأحزاب[65].

  • ماذا بعد إعلان التشكيل؟

انسحب هذا التباين الحاد في مواقف الأحزاب من تكليف المشيشي إلى مواقفها عقب إعلانه تركيبة الحكومة كذلك. وخصوصا بسبب إصرار رئيس الحكومة على تجاهل ترشيحات الأحزاب وتشكيل حكومة تكنوقراط مستقلة عنها.

النائب البرلماني والقيادي في حركة النهضة، محمد القوماني، صرح عقب إعلان تشكيل الحكومة المقترحة أنها "أضعف كفاءة وأقل استقلالية"، كما اعتبرها "حكومة الرئيس"، معللا ذلك بأنه عيَّن المكلف دون اعتبار للأحزاب والكتل ومقترحاتها، مؤكدا أن الرئيس "تدخل في تركيبتها بصورة واضحة"، إلا أنه أرجأ القرار النهائي بمنح الثقة من عدمه إلى قرار مجلس شورى الحركة الذي قال نه سينعقد خلال أيام (عقد بالفعل مساء الاثنين 31 أغسطس/ آب 2020، وقرر منح الثقة لحكومة المشيشي)[66].

كما أعلن خليل البرعومي، عضو المكتب التنفيذي للحركة والمكلف بالتحدث للإعلام، أن الحركة لديها الكثير من التحفظات والاحترازات على تركيبة الحكومة، مؤكدا أن الحكومة تنقصها الكفاءات والاستقلالية، مضيفا أنهم قالوا: "حكومة مصغرة وناجعة فوجدنا حكومة تضم 28 عضوا دون عرض البرنامج والأولويات"[67]. كما انتقد أسامة الصغير، النائب البرلماني عن الحركة، أن الحكومة بلا برنامج وبلا رؤية[68].

ومع بقاء تحفظات حزب "قلب تونس" (13% من البرلمان) على مسار تكليف الحكومة واعتبارها "حكومة الرئيس 2"[69]، إلا أن الحزب يميل إلى منح الثقة للمشيشي لتجاوز الأزمة الصحية واستكمال مؤسسات الدولة، حسب تصريحات محمد الصادق جبنون، الناطق الرسمي للحزب[70]، مؤكدا أن منح الثقة لا يعني إعطاء الحكومة "صكا على بياض"، وهو ما سيؤثر على مواصلتها، حسب قوله[71].

كما أشار أسامة الخليفة، رئيس كتلة الحزب في البرلمان، إلى أن أولوية الأولويات بالنسبة لحزبه هي رحيل رئيس حكومة تصريف الأعمال إلياس الفخفاخ[72].

ورغم أن التيار الديمقراطي (10.6% من البرلمان) رحب بتكليف المشيشي في بادئ الأمر، إلا أن الحزب لم ينتظر حتى إعلان تشكيل الحكومة ليغير موقفه منها، بل كان أول من أعلن رفض منح الثقة للحكومة المقترحة قبل يومين من إعلان الحكومة. بيان الحزب ذكر أن المشيشي اعتمد على مشاورات صورية شابها الغموض، ومحذرا أن مسار المشيشي يستهدف التجربة الديمقراطية الناشئة ويغيب دور الأحزاب السياسية، حسب البيان[73].

يبدو أن انقساما يدق أبواب الكتلة الديمقراطية، فالحليف الرئيس للتيار الديمقراطي يتخذ موقفا غامضا بعض الشيء، إلا أنه يقترب أكثر ناحية منح الثقة للحكومة المقترحة، اعتبارا لما أسمته حركة الشعب (7.3% من البرلمان) "اللحظة الحرجة التي تمر بها التجربة الديمقراطية في تونس"[74]. إلا أن ذلك لا ينفي وجود بعض التحفظات لدى الحركة على هيكلية الحكومة ودمج بعض الوزارات، وكذلك التشكك في استقلالية وكفاءة عدد من الأسماء الواردة في قائمة المشيشي المقترحة[75].

ولا يزال ائتلاف الكرامة (9.2% من البرلمان)على موقفه الحاد تجاه حكومة المشيشي الذي يعتبره الائتلاف ليس أكثر من "موظف سام" لدى رئيس الجمهورية، حسب تصريحات عبد اللطيف العلوي النائب البرلماني والقيادي في الائتلاف[76]، معتبرا أن هذه الحكومة إعلان موت وقتل للأحزاب السياسية[77].

واستمرت حركة "تحيا تونس" (4.8% من البرلمان) في دعمها للحكومة المقترحة، حيث أعلنت في بيان لها أنها ستمنح الثقة لحكومة المشيشي في جلسة البرلمان، ويأتي ذلك اقتناعا من الحركة "بضرورة دعم استقرار البلاد والقطع مع التجاذبات السياسية التي هزت ثقة المواطن في مؤسسات الدولة"، حسب البيان[78]. وبذلك تكون الحركة أكبر داعم صريح للمشيشي منذ تكليفه حتى اللحظة.

"الدستوري الحر" لم يبد موقفا نهائيا من الحكومة -حتى لحظة كتابة السطور، إلا أن عبير موسي أعلنت في مؤتمر صحفي عددا من التحفظات حول الحكومة التي "شهدت انحرافا خطيرا في الساعات الأخيرة".

وأعلن الحزب تحفظه على هيكلة الحكومة المقترحة نظرا لغياب وزارة التشغيل والتكوين المهني، وحقوق الإنسان، والتنمية. هذا بالإضافة إلى الاعتراض على بعض الأسماء، على غرار وزير الخارجية، عثمان الجرندي، لكونه شغل منصبا خلال فترة الترويكا، ووزير التكنولوجيا لقربه من حركة النهضة، وكذلك وزير الشؤون الدينية أحمد عضوم، كما شككت موسي في استقلالية الوزير المقترح المكلف بالعلاقة مع البرلمان، علي الحفصي، حيث زعمت أنه "عين الغنوشي داخل الحكومة"[79].

  • وضع سياسي متأزم

يظهر مما سبق التباين الحاد بين مواقف الأحزاب السياسية حول حكومة المشيشي، وكذلك ضبابية وتأرجح مواقف عدد منها، مما يجعل التنبؤ بنتيجة التصويت في البرلمان مطلع سبتمبر/ أيلول ضربا من الخيال. لكن المؤكد أن هذه الحكومة لا تمتلك حزاما سياسيا واسعا يدعمها، مما يجعل استمرارها -حال منحها الثقة- أمرا عسير التحقق في ظل المناخ السياسي التونسي الحالي.

ومن هنا نصل إلى أن أزمة النخبة السياسية آخذة في التصاعد حتى في ظل منح الثقة للمشيشي. فالحكومة لن تمارس مهامها بسهولة ولن تستمر طويلا في ظل المعطيات الحالية، وكذلك فإن عدم منحها الثقة يجعل الاحتمالات مفتوحة حول حل البرلمان وإجراء انتخابات نيابية مبكرة، وهو خيار غير مضمونة نتائجه، خصوصا أن الانتخابات ستجرى في ظل نفس القوانين الانتخابية التي أتت بالتركيبة الحالية للبرلمان، وعليه فإن التركيبة القادمة لن تكون مختلفة كثيرا.

  • تعالوا إلى كلمة سواء

المعطيات السابقة دفعت حزب الشعب إلى تقديم دعوة للفاعلين السياسيين إلى التوافق على منح الثقة للحكومة وفق الضوابط التالية[80]:

  • التزام رئيس الحكومة المـكلف بتقديم تصور واضح يضبط الإجراءات الكفيلة بوقف النزيف الاقتصادي والمالي والاجتماعي.
  • التزامه كذلك بتسقيف عمل حكومته في أجل أقصاه سنة ونصف يصار خلالها إلى التوافق بين الكتل البرلمانية على تشكيل المحكمة الدستورية وتعديل النظام الانتخابي.
  • التزام كل الأطراف بتنفيذ هدنة سياسية واجتماعية ومجتمعية إذا تم القبول بالإجراءات المـعلنة.

وفي نهاية هذه الفترة يتم التوافق بين الأطراف السياسية على أحد الخيارات التالية:

  • استمرار حكومة السيد المشيشي إلى نهاية العهدة البرلمانية وتنظيم الانتخابات التشريعية والرئاسية في موعدها الدستوري خريف 2024.
  • تكوين أغلبية برلمانية تتولى تشكيل حكومة سياسية.
  • الذهاب مباشرة إلى تنظيم انتخابات تشريعية سابقة لأوانها.

يبدو هذا النداء أهدأ النداءات وأكثرها عقلانية في ظل تشنج يغشى لهجة الساسة والأحزاب. إلا أنه رغم مرور نحو 4 أيام منذ إطلاق المبادرة حتى كتابة هذه السطور، إلا أن أيا من الأطراف السياسية لم يعلق أو يتفاعل مع المبادرة سواء بالسلب أو الإيجاب.


المحور الثالث: الاقتصاد العربي

من الطبيعي أن تكون الدلالات الاقتصادية في المنطقة العربية، انعكاسا للتراجع في مؤشرات الاستقرار السياسي والأمني، فكشفت الأحداث خلال الفترة الماضية، وبخاصة خلال فترة عمل التقرير في أغسطس/ آب 2020، عن جوانب كثيرة سلبية في الأداء الاقتصادي للدول العربية، بسبب سوء الأداء، وغياب المشروعات التنموية الحقيقية، التي تعمل على انتشال اقتصاديات المنطقة من دائرة التخلف.

شهد أغسطس/آب 2020، استمرار حالة التراجع الاقتصادي في دول الخليج، وكذلك في دول المغرب والمشرق العربيين، وكانت هناك محطتان مهمتان في هذه الفترة، بجوار الظواهر الاقتصادية الأخرى، كان الحدث المهم، هو إقدام حكومة الإمارات العربية المتحدة على الإعلان عن تطبيع علاقاتها بشكل كامل مع إسرائيل، عبر مظلة أميركية، وكذلك ادعاء السيسي في نهاية أغسطس/آب 2020، أن ما يشغله في مصر هو الإصلاح بشكل عام، والإصلاح الاقتصادي بشكل خاص، ومن هنا سوف تركز أعمال المحور الاقتصادي هذا الشهر على هاتين القضيتين.

الجوانب الاقتصادية للتطبيع بين الإمارات وإسرائيل

شأن الدول العربية السابقة التي قبلت بتطبيع علاقاتها بشكل كامل مع إسرائيل، أعلنت الإمارات بأنها أقبلت على هذه الخطوة من أجل الحفاظ على الحقوق الفلسطينية[81]، وكذلك الاستفادة من الخبرات الاقتصادية لإسرائيل. والحقيقة التاريخية، أن تجارب مصر والأردن باعتبارهما سبقتا في مضمار التطبيع، لم يغير الأمر شيئا من وضعهما الاقتصادي، فمصر بعد ما يزيد عن 40 عاما من التطبيع، لم يتغير اقتصادها بشكل إيجابي، ولم يلمس وجودا لمساهمة إسرائيل في تطوير الاقتصاد المصري، بل العكس، تم الكشف عن عشرات عمليات التجسس على مصر، والتي تحرص عليها إسرائيل عبر تجنيد أجانب أو مصريين للحصول على المعلومات المهمة والضرورية عن الشؤون المصرية، رغم زعم وجود علاقات للسلام، ولم تسفر تجربة مصر على مدار ما يزيد من 40 عاما عن تقدم ملحوظ على الصعيد الاقتصادي بسبب تطبيعها مع إسرائيل.

نفس الشيء عن حالة الأردن، التي مر على تطبيعها الكامل مع إسرائيل نحو 25 عاما، فلا يزال الأردن دولة تعتمد على المساعدات والقروض، ولم يتغير وضعها الاقتصادي أو التنموي، ولم يتغير شيء في هيكل الاقتصاد الأردني.

الشيء المشترك الذي استفادت منه إسرائيل أكثر من مصر والأردن على الصعيد الاقتصادي هو اتفاق المناطق الاقتصادية المؤهلة "الكويز" وهي الاتفاقية التي سمحت بتصدير المنتجات المصرية الأردنية من المنسوجات والملابس الجاهز إلى أميركا بدون ضرائب أو جمارك[82]، بشرط وجود مكون محلي إسرائيلي في هذه المنتجات، واستغلت إسرائيل هذا الشرط لتفرض أسعارا احتكارية مبالغا فيها لما تقدمه للصناعات المصرية والأردنية من مستلزمات إنتاج. ومؤخرا وجدت إسرائيل فرصة لتمتلك ورقة ضغط على كل من مصر والأردن عبر اتفاقية تصدير الغاز المسروق من الأراضي الفلسطينية المحتلة.

فماذا عن الجوانب الاقتصادية فيما أعلن من اتفاقية للتطبيع الكامل بين الإمارات وإسرائيل؟ تناولت وسائل الإعلام تصريحات المسؤولين في كل من الإمارات وإسرائيل بتوقيع اتفاقيات بين الطرفين في مجالات البحث العلمي في أزمة كوفيد 19، وكذلك ما يتعلق بتحلية المياه، ومجالات أخرى تتعلق بالزراعة، وكذلك مجال الشركات الناشئة[83]، والأمن والمعلومات.

ويتم الترويج بتفوق إسرائيلي في هذه المجالات، في حين أن هذه المجالات والتفوق فيها ليس حكرا على إسرائيل، بل سبقتها كثير من الدول الغربية، بل حتى على الصعيد العربي، يمكن أن تستفيد الإمارات من الخبرات العربية في تلك المجالات دون الحاجة إلى إبرام اتفاق مع إسرائيل، التي تحتل الأراضي الفلسطينية، وتعمل على نقض أية اتفاقيات أو بروتكولات للحفاظ على الحقوق الفلسطينية.

  • المال الإماراتي

أرقام قاعدة بيانات البنك الدولي لعام 2019، تبين أن الناتج المحلي للإمارات بلغ 412 مليار دولار تقريبا، بينما الناتج المحلي الإجمالي لإسرائيل بحدود 390 مليار دولار فقط[84]، وبطبيعة الحال الإمارات دولة نفطية، وقد أتاحت لها ثروتها النفطية على مدار العقود الماضية، أن يكون لديها رصيد كبير من الأموال، في صناديقها السيادية، التي تقدر بنحو 1.2 تريليون دولار، ويعد صندوق أبوظبي السيادي، أكبر هذه الصناديق على مستوى الإمارات، بل يحتل المرتبة الثالثة من بين أكبر 10 صناديق سيادية على مستوى العالم، بعد الصندوق السيادي لدولة النرويج[85].

وبالتالي سيكون هدف إسرائيل هو الوصول لهذه الأموال، ومحاولة توظيفها في إطار مشروعها، الذي يستهدف السيطرة على مقدرات منطقة الشرق الأوسط، وستكون بوابة البحث والتطوير واحدة من أكبر المجالات التي تنال من استثمارات الصناديق السيادية للإمارات.

ومن المرجح أن تستغل إسرائيل استثمارات الإمارات في مجال إدارة وتشغيل العديد من الموانئ المهمة في منطقة الشرق الأوسط والعالم، سواء من الناحية الاقتصادية أو الاستخباراتية، وبخاصة أن مجال الأمن والمعلومات ضمن المجالات الخمسة المعلنة باتفاق التطبيق بين البلدين. وهو ما يعرض أمن المنطقة العربية والشرق الأوسط لمزيد من المخاطر الإسرائيلية، وأن الإمارات ستكون بمثابة مطية لتمرير الأهداف الإسرائيلية.

من الصعوبة بمكان أن يكون لدى الإمارات مجالات للاستفادة من الأوضاع الاقتصادية في إسرائيل، فالإمارات دولة محدودة من حيث مواردها البشرية، بنحو مليون فرد فقط لا غير، وتعتمد بشكل رئيس على اليد العاملة الوافدة، والتي يبلغ عددها حاليا بنحو 9 ملايين وافد.

وفي ضوء اغتصاب إسرائيل لحقوق الفلسطينيين في الغاز الطبيعي بالأراضي الفلسطينية المحتلة، قد يتاح لها خلال الفترة القادمة، موارد مالية بشكل كبير، تمكنها من زيادة نفوذها في منطقة الشرق الأوسط، عبر اتفاقها لتطبيع العلاقات مع الإمارات، التي لا يوجد لديها هذا المانع الذي تتمتع به الشعوب في كل من دولتي مصر والأردن، فالتطبيع بين إسرائيل وكل من مصر والأردن، لا يزال يدور في فلك الحكومات، ولم يحقق حالات نجاح ملموسة على صعيد المجتمعات، وهو ما قلل من العوائد الاقتصادية المستمرة لإسرائيل، وإن كانت استفادت بشكل كبير من إسقاط وتعطيل قرارات المقاطعة سواء من بعض الدول العربية، أو من خلال الدول الآسيوية والإفريقية وفي أميركا اللاتينية، حيث كانت هناك بلدان كثيرة تقطع علاقاتها مع إسرائيل نصرة للحق الفلسطيني، لكن بعد إقبال السلطة الفلسطينية على توقيع اتفاق السلام مع إسرائيل، سقطت كافة قرارات المقاطعة من قبل هذه الدول على إسرائيل، وعادت علاقاتها الاقتصادية والسياسية وكافة المجالات، وهو ما يعد أكبر مكاسب إسرائيل من توقيعها اتفاقيات سلام مع الدول العربية.

وكما نقلت وسائل الإعلام فإن هناك دولا خليجية أخرى في طريقها لتطبيع علاقاتها مع إسرائيل، وهو ما يعني توسعة رقعة المصالح الإسرائيلية في المنطقة، والوصول إلى أهداف مشروع الشرق الأوسط الكبير، والذي كانت أهم أهدافه، دمج إسرائيل في المنطقة العربية والشرق الأوسط.

ومن المهم هنا، أن ما تحصل عليه إسرائيل من مزايا ومكاسب اقتصادية، ليس لتفردها الاقتصادي أو التكنولوجي، بقدر ما هو إملاءات سياسية، تفرضها حكومات الدول العربية على شعوبها، والبديل الذي يحقق مصالح الدول العربية، بلا شك هو العودة لمسار التعاون والتكامل الاقتصادي العربي، لحماية المنطقة العربية من الأطماع الخارجية، لكن للأسف لا تتوفر الإرادة السياسية لهذا المشروع، ويبقى الرهان خلال الفترة القادمة على وعي الشعوب العربية على رفض التطبيع المجتمعي مع إسرائيل.       

السيسي وحقيقة الإصلاح الاقتصادي في مصر

الخطاب السياسي الذي قدمه السيسي في افتتاح بعض المشروعات بمدينة الإسكندرية بمصر في 29 أغسطس/آب 2020، تضمن التركيز على أن ما يشغله هو الإصلاح، وأن الإصلاح الاقتصادي حقق نجاحات، تمثلت في ارتفاع معدلات النمو الاقتصادي، وأنه لولا أزمة كورونا التي نالت من جميع اقتصاديات العالم، لكان الناتج المحلي الإجمالي لمصر قد وثب بمعدلات عالية، كما أكد على ضرورة اعتماد مصر على الاقتراض، وأن ذلك ضروري لتمويل المشروعات.

ويستلزم الأمر النظر في واقع أداء الاقتصاد المصري، وانعكاس الأداء الاقتصادي لحكومة السيسي على حياة الناس، حتى يتبين مدى صدق ادعاء السيسي لوجود إصلاح اقتصادي بمصر، فمن حيث الناتج المحلي الإجمالي، يلاحظ أنه خلال السنوات الماضية، ومنذ مجيئ السيسي للسلطة في يوليو/تموز 2014، أن ثمة ارتفاعا تحقق بالفعل في قيمة الناتج المحلي من 2.13 تريليون جنيه مصري إلى 5.32 تريليونات جنيه[86].

لكن هذه الحقيقية تحتاج إلى عدة إيضاحات، من حيث كيفية تمويل هذا النمو، وكذلك تقسيم مصادر هذا النمو من حيث الاستثمار والاستهلاك، والأهم من ذلك عوائد هذا الناتج على الشعب المصري.

فيما يخص تمويل الناتج المحلي الإجمالي، يلاحظ أن ما يخص مساهمة القطاع الحكومي قد اعتمد بشكل رئيس على الديون، ويظهر ذلك من خلال الارتفاع الذي تحقق في قيمة الدين العام المحلي من  1.8 تريليون جنيه في يوليو/تموز 2014 إلى 4.3 تريليونات في ديسمبر/كانون الأول 2019، وهو ما يعني أن الدين العام المحلي شهد زيادة قدرها 2.5 تريليون جنيه.

أما الدين العام الخارجي فبلغ في ديسمبر/كانون الأول 2019 نحو 112 مليار دولار بعد أن كان بحدود 46 مليار دولار[87]، وهو ما يعني زيادة قدرها نحو 66 مليار دولار. ويمكن القول: إن الناتج المحلي الإجمالي قد تم تمويله بصورة كبيرة عبر الاستدانة بشقيها من الداخل والخارج، وهو ما يفرض تبعات تتمثل في زيادة قيمة الفوائد وأقساط الديون بالموازنة العامة.

كما استغلت حكومة السيسي أزمة كورونا وتوسعت في الاستدانة الخارجية بشكل كبير، فحصلت على نحو 8.5 مليارات دولار كقروض من صندوق النقد الدولي، فضلا عن 5 مليارات دولار من سوق السندات الدولية، وغير ذلك من قروض من مؤسسات إقليمية ودولية، بحدود بضع ملايين من الدولارات، ليقترب الدين الخارجي لمصر من نحو 125 مليار دولار.

أما فيما يتعلق بمساحة كل من الاستهلاك والاستثمار في الناتج المحلي الإجمالي لمصر، فالبيانات توضح أن الاستهلاك الكلي لا يزال يمثل عصب الناتج المحلي، وذلك وفق بيانات وزارة المالية، ففي عام 2018/2019 –وهو أحدث عام تتاح عنه بيانات على موقع وزارة المالية- تبين أن مساهمة الاستهلاك النهائي 4.8 تريليونات جنيه، من قيمة الناتج المحلي الإجمالي البالغ 5.3 تريليونات جنيه، أي بما يزيد عن نسبة 90%، بينما الاستثمار كان بحدود 940 مليون جنيه فقط لا غير، وهو ما يعني زيادة اعتماد الناتج على الاستهلاك، وكذلك استمرار الاعتماد على الخارج، وهو ما تظهره الأرقام الخاصة بصافي تعاملات التجارة الخارجية في السلع والخدمات، حيث بينت الأرقام وجود عجز في ميزان التجارة في السلع والخدمات بنفس العام بنحو 439 مليار جنيه[88].

والمؤشر الثالث لبيان حقيقة الإصلاح الاقتصادي في مصر، يظهر من خلال مستوى معيشة المصريين، ومدى استفادتهم من زيادة قيمة الناتج المحلي الذي تحقق على مدى الفترة من 2014 – 2020، فثمة تراجع في دخول الأفراد، وعجزت دخولهم عن الوفاء بمتطلبات معيشتهم.

في أبريل/نيسان 2019، نشر البنك الدولي بيانا صحفيا عبر موقعه على شبكة الإنترنت، يشير إلى أن نسبة 60% من المجتمع المصري، إما فقراء أو معرضين للفقر[89]، أما بيانات الجهاز المركزي المصري فتبين أن هناك ارتفاعا في معدلات الفقر بمصر بنحو 5% ما بين الفترة 2015 – 2017، حيث وصلت نسبة الفقر إلى 32.5% من السكان[90].

ولم تكن سياسة حكومة السيسي الاقتصادية تستهدف توفير مستوى معيشي أفضل لحياة الناس، بل استهدفت زيادة حصيلة الضرائب بشكل كبير، ما أرهق المواطنين وأدى كذلك إلى زيادة الأعباء المعيشية للأسرة.

بيانات وزارة المالية تبين أن الضرائب في موازنة 2020/2021 قدرت بنحو 964 مليار جنيه، بينما كانت حصيلة الضرائب المقدرة في موازنة 2014/2015 بنحو 364 مليار جنيه[91]، وهو ما يعني أن المجتمع المصري حمل بضرائب خلال فترة وجود السيسي في السلطة بنحو 500 مليار جنيه، وهي بلا شك خصم من مستوى معيشة الأفراد، فالضرائب في نهاية المطاف لا يدفعها سوى المستهلكين.

لم تكتف حكومة السيسي بفرض الضرائب فقط، بل تبني سياسة تحميل المواطنين برسوم مبالغ فيها للحصول على الخدمات الحكومية، مثل استخراج رخص السيارات، أو شهادات الميلاد وجوازات السفر، وغيرها من الأوراق الثبوتية التي يتم استخراجها من مؤسسات الحكومة، وثمة زيادات مبالغ فيها فرضتها حكومة السيسي بعد حصولها على قرض صندوق النقد الدولي في يوليو/تموز 2020.

كشفت أزمة كورونا ادعاء حكومة السيسي، فيما يتعلق بالرعاية الصحية، حيث حملت المواطنين مصاريف عمل المسحات الخاصة باكتشاف الفيروس، كما لم يكن متاحا أمام المصابين الاستفادة من الخدمات الحكومية بسهولة، وحتى أدوات الوقاية التي يحتاجها الأفراد بشكل ضروري، كانت بابا للمنافسة بين المؤسسات الحكومية لاستغلال المواطنين، وبيع الكمامات بأسعار تجارية، في حين عمدت غالبية حكومات الدول الأخرى، إلى تقديم وسائل الوقاية إما مجانا، أو برسوم رمزية، في حدود أسعار التكلفة.. وظهرت المستشفيات العامة، خالية بشكل كبير من المستلزمات الطبية، حتى بالنسبة للطواقم الطبية والتمريض، وهو ما أدى إلى ارتفاع أعداد المصابين والمتوفين، بين الطواقم الطبية في مصر.

أما التعليم، فهو يمثل واحدة من القضايا المهمة، التي تعكس عدم إيمان حكومة السيسي بضرورتها، حتى أن السيسي نفسه لا يرى أهمية للتعليم في هذه الفترة، وسجل التاريخ للسيسي مقولته: "يعمل إيه التعليم في وطن ضايع".

ترتيب مصر في مؤشر التعليم في تقرير التنافسية -الذي يعده منتدى دافوس العالمي بشكل سنوي- في ذيل الدول التي يشملها التقرير، وفي المؤشر الفرعي الخاص بالتفكير النقدي في التعليم جاءت مصر في المرتبة 123، وبشكل عام صنفت مصر ضمن أقل 50 اقتصادا من حيث التنافسية في 9 ركائز، هي (استقرار الاقتصاد الكلي، وسوق العمل، وتبني التكنولوجيا، والصحة، وسوق السلع، والمهارات، وديناميكيات العمل، والقطاع المالي)[92].


المحور الرابع: الحالة الفكرية

يتناول المحور الفكري لشهر أغسطس موضوعين، هما: الأول: مخاطر التطبيع على الأجيال القادمة وكيف نحميهم؟ تعد خطوة التطبيع التي اتخذتها دولة الإمارات العربية، مع العدو الإسرائيلي، من الخطورة بمكان، على وحدة الأمة العربية والإسلامية. والبعد الذي حاولنا التركيز عليه هو انعكاس التطبيع مع المحتل الإسرائيلي على الأجيال القادمة، بعد أن رأينا بعض الأطفال الإماراتيين يرتدون ملابس عليها علم إسرائيل إلى جوار العلم الإماراتي. ولهذا تحدثنا عن مخاطر التطبيع الثقافي - وبخاصة مناهج التعليم- وأثره على الأجيال، والوسائل التي تساعدنا على التصدي لتشويه فكر الأجيال بشأن التطبيع.

والثاني: سيد قطب .. المفكر الإسلامي  (في ذكرى استشهاده) حيث يوافق هذا الشهر ذكرى إعدام  المفكر الإسلامي سيد قطب. وقد اختلف  الناس حول آرائه وأفكاره. ما بين مؤيد ومعارض، ومنصف ومتحامل. فركزنا على سبب الاختلاف، وكيف يمكن قراءة فكر الأستاذ سيد،  بعيدا عن التشويه، والفهم المغلوط.

مخاطر التطبيع على الأجيال القادمة وكيف نحميهم؟

لعل الدافع إلى الكتابة في هذا الموضوع، ما شاهدناه من تطبيع دولة الإمارات العربية مع العدو الإسرائيلي. وإذا كانت العلاقات بينهما كانت شبه معلنة في فترة ما، فالآن جاء الإعلان الصريح.

والخطورة في هذه الخطوة أن إسرائيل أعلنت أن هناك دولا عربية أخرى في طريقها إلى التطبيع. ولا شك أن الأمة العربية والإسلامية تواجه حملة شرسة، في  ظل غياب الحرية في الدول العربية، ومع وجود القمع والاستبداد السياسي،  يتم تهيئة الشعوب لما يعرف بـ" صفقة القرن".

لقد كانت القوى السياسية والإسلامية المعارضة - قبل المرحلة التي نعيشها، وقبل أن يطالها التغييب في السجون والمعتقلات والتغريب في البلدان - هي التي توقظ الوعي والهمم لدى الشعوب.

فإسرائيل هي العدو الإستراتيجي، لدى كل الأجيال، حتى تتحرر فلسطين والمسجد الأقصى، أما وإن الوضع كذلك، فإن كانت الأجيال الأكبر سنا تعي وتفهم القضية بأبعادها المختلفة، فإن الخوف كل الخوف – في ظل الاستبداد السياسي والقمع - من تشويه وتشتيت الأجيال القادمة تجاه العدو الإسرائيلي والقضية الفلسطينية.

ولتحقيق هذا الغرض تستخدم الأنظمة العربية الوسائل الناعمة لتحقيق هذا الهدف. ومن ذلك، تغيير المناهج – وهو أخطرها – والدراما والأفلام، والفتاوى السلطانية، والفضاء الإلكتروني وغيرها.

  • مفهوم التطبيع:

جوهر التطبيع هو إحداث تغيير على الجانب العربي والإسلامي.. على أن يبدأ هذا التغيير بالتسليم بوجود "إسرائيل" كدولة يهودية في المنطقة.. ويمتد إلى تقييد قدرات العالم العربي العسكرية وتغيير معتقداته السياسية.. وإعادة صياغة شبكة علاقاته.. إضافة إلى تحقيق مطالب أمنية وإقليمية... وصولا إلى تغيير المواقف تجاه هذا الكيان.. بصورة جذرية[93].

  • أهداف التطبيع:

وتسعى إسرائيل للتطبيع مع الدول العربية، لإعادة تشكيل العقل العربي والإسلامي في المنطقة، وحمله على الآتي:

  1. القبول بالوجود (الإسرائيلي) على حساب الوجود والحق الفلسطيني.
  2. تبني الخرافات والأساطير والمزاعم والأكاذيب اليهودية.
  3. التخلي عن ثوابت النضال العربي والإسلامي.
  4. التخلي عن مقاومة الاحتلال والاستيطان (الإسرائيلي) ووصف المقاومة المشروعة بالإرهاب.
  5. القبول بالشروط والإملاءات (الإسرائيلية) لإقامة (إسرائيل الكبرى) الاقتصادية من النيل إلى الفرات[94].
  • التطبيع في مناهج التعليم:

أخطر أنواع التطبيع أثرا في الأجيال، التطبيع عبر مناهج التعليم، ومع الأسف والحسرة، نجد مصر في ظل سلطة الانقلاب تقدم خدمة للعدو الصهيوني كان ينتظرها بفارغ الصبر ألا وهي: تغيير المناهج الدراسية التي تتربى عليها الأجيال في المدارس، " فهناك أجيال جديدة يتفتح وعيها حاليا على تشويش حاصل بسبب ما تتلقاه من أن إسرائيل لم تعد عدوا .

عدد الدروس التي كانت تتناول إسرائيل تم تعديلها بالحذف أو الإضافة، ومن بين هذه الدروس فقرات كانت تصم إسرائيل بالإرهاب في كتاب التربية الدينية للصف الثالث إعدادي. كما أن الحذف شمل شخصيات تاريخية تذكِّر بالقدس وتعظيمها في نفوس المسلمين، كشخصية صلاح الدين الأيوبي.

دراسة بـ "مركز أبحاث الأمن القومي" التابع لجامعة تل أبيب أشادت بهذا التحسن الملموس، مشيرة إلى أن المنهج المصري الجديد لا يتوسع في الحروب العربية الإسرائيلية أو القضية الفلسطينية. وهذا تغيير مستهدف سيكون له أكبر الأثر على الأجيال الجديدة في تكوينها الفكري والوجداني تجاه العدو الإسرائيلي[95].

ودعت الدراسة إلى إحداث تحول جذري في مناهج التعليم والتثقيف في العالم العربي، لضمان تغيير مواقف الرأي العام تجاه إسرائيل، ما "يسهّل" على الحكام العرب اتخاذ قرارات بالتطبيع العلني معها[96].

وبعد اتفاق التطبيع الإماراتي - الإسرائيلي برعاية أميركية بدأت أبوظبي بالانتقال إلى مراحل جديدة من التطبيع مع دولة الاحتلال، بعد إعلان رغبتها في تغيير المناهج الدراسية حول الدولة العبرية، والترويج لذلك بين الإماراتيين، في خطوة تستهدف تغيير وعي الشعوب، خاصة الأجيال القادمة.

وتعمل الإمارات على تقديم منهج تعليمي جديد لطلبتها في المراحل التعليمية المختلفة، بهدف تغيير النظرة المألوفة عن "إسرائيل" من دولة محتلة لأرض عربية وهي فلسطين، إلى دولة صديقة، بعد الاتفاق الذي أعلن في 13 أغسطس/آب 2020، بعد سنوات طويلة من التقارب والتواصل والتعاون بينهما.

الخطوة الإماراتية المزمع تنفيذها جاءت على لسان رئيس لجنة الدفاع والداخلية في المجلس الاتحادي الإماراتي، علي النعيمي، حيث أكد أن بلاده ستغير الخطاب الديني والمناهج التعليمية "حتى يشعر الإسرائيلي بالطمأنينة والانتماء" [97] .

وفي إطار التطبيع الثقافي، هناك حملة منظمة وممنهجة تصاحب حركة (الخيانة) المسماة بالتطبيع مع الاحتلال الصهيوني، كلها فيديوهات من شباب وفتيات يهود يتكلمون بلغة السلام والمحبة والتعايش مع العرب، ويبكون على ما حدث في لبنان، وبالتوازي هناك حملة من بعض العرب المؤيدين للتطبيع تظهر عبر مقاطع مصورة أيضا.    
ليس ثمة شك في أن هذه المقاطع أعدتها أجهزة على مستوى عال جدا من فهم الجوانب النفسية للشعوب وطرائق التأثير في مشاعرها[98].

وفق خبراء، فإن أخطار التطبيع الثقافي، ستقود إلى تدمير الأمة، عبر التخلي عن المخزون الثقافي من النصوص التي تصنفهم أعداء إلى السماح للفكر اليهودي والصهيوني بالتمدد باتجاه كل القطاعات[99]. ونحن هنا نفرق بين اليهودية كديانة، والصهيونية كحركة استعمارية محتلة ومغتصبة لأرض فلسطين.

  • وسائل المواجهة:

هناك بعض الوسائل التي يمكن الأخذ بها، ومن ذلك:

  1. للأسرة دور مهم في رفع الوعي لدى الأبناء، بأعداء الأمة في السابق واللاحق، وغرس عقيدة الولاء والبراء فيهم.
  2. تعميم ثقافة مقاومة التطبيع، وتعويد الأبناء أن من يمارس التطبيع هو شريك حقيقي في كل جريمة يرتكبها الاحتلال الإسرائيلي في حق أرضنا وديننا وأمتنا.
  3. الاستفادة من التكنولوجيا الحديثة والإنترنت في نشر الحقائق عن الاحتلال الإسرائيلي وتوعية الناس إلى مخاطره وأهدافه الخبيثة وأخطار التطبيع وخاصة الثقافي.
  4. حماية الأبناء من وسائل البث المرئي والمسموع عبر السموم الفكرية التي تسمح للصهيونية بالعبث والتخريب في فكر الأجيال وأخلاقياتهم. سواء بجهود فردية أو جماعية، أو مؤسساتية[100].
  5. إعداد عروض (power point ) تشمل معنى التطبيع وخطورته وتحذر من أدواته الخفية، وبثها عبر الشبكة الإلكترونية.
  6. إنشاء مجتمع إلكتروني شبابي ينشط في مجال مكافحة التطبيع.
  7. إعداد حملات مركزة لمواجهة المؤسسات التطبيعية ورموزها.
  8. إنشاء منتدى تفاعلي إلكتروني ينسق جهود الهيئات العاملة ضد التطبيع.
  9. الدعوة لإنشاء مراكز للدراسات والبحوث لمواجهة التطبيع وحصر المفردات والكلمات المتسللة إلى الإعلام والوعي ومقاومتها وإيجاد مفردات بديلة تعبر عن مقاومة التطبيع[101].

سيد قطب.. المفكر الإسلامي  (في ذكرى استشهاده)

(1324-1387هـ/ 1906-1966م)

هو سيد قطب إبراهيم حسين الشاذلي، كاتب وشاعر وأديب ومفكر إسلامي. ولد في 9 أكتوبر/ تشرين الأول 1906، بقرية (موشا) إحدى قرى أسيوط، بمصر.

سافر إلى القاهرة، ودرس في دار العلوم، وتخرج عام 1933. وعندما كان طالبا كتب كتاب "مهمة الشاعر في الحياة"، مما جعل أستاذه الدكتور محمد مهدي علام، وهو يقدم لهذا الكتاب يقول: "إنني أعدّ سيد قطب مفخرة من مفاخر دار العلوم، وإذا قلت دار العلوم فقد عنيت دار الحكمة والأدب".

تعرف سيد عن طريق خاله على حزب الوفد، وعلى الأديب عباس محمود العقاد. كانت اهتماماته في شبابه أدبية نقدية، مارس وظيفة النقد الأدبي سنوات عديدة. ونظم قصائد شعرية ، وقدم الروائي نجيب محفوظ إلى الوسط الأدبي.

تجلت مكانته الأدبية، وتفوق على أقران جيله في مجال النقد الأدبي، خاطب يحيى حقي (ومن هو يحيى حقي!) مخاطبة الأستاذ لتلميذه: "أوه ! يحيى حقي! أين كانت هذه الغيبة الطويلة؟ وفيم هذا الاختفاء العجيب؟ لست أذكر متى قرأت له أول أقاصيصه؟ إنه عهد طويل. حتى لقد نسيته. لولا " قنديل أم هاشم"... حقي رجل كسول. مهمل. يستحق التعزير على تفريطه في موهبته الفذة"[102].

عمل سيد قطب مدرسا في وزارة المعارف، ثم استقال منها، وأوفدته الوزارة إلى أميركا في بعثة للاطلاع على مناهج التربية والتعليم، فأقام فيها سنتين، وعاد سنة 1950.

اختلف مع قيادة ثورة 1952، وفي عام 1953 انتظم في جماعة الإخوان المسلمين. طاله الأذى والتنكيل والبطش وحكم عليه بالسجن 15 عاما، وأفرج عنه عام 1964 بعد تدخل الرئيس العراقي عبد السلام عارف، ثم أعيد اعتقاله عام 1965، وتعرض للتعذيب، وحكم عليه بالإعدام، ونفذ الحكم بالسجن الحربي في 29 أغسطس/ آب 1966 الموافق 13 جمادى الأولى 1386هـ.

ألف قطب عددا كبيرا من الكتب، من أشهرها: في ظلال القرآن، ومعالم في الطريق، والنقد الأدبي أصوله ومناهجه[103].

الخلاف والنزاع في فكر سيد قطب (نص واحد وقراءات متعددة)

شغل سيد قطب الناس بفكره، واختلفوا كثيرا حول قراءة هذا الفكر، خاصة ما ورد في كتابيه: معالم في الطريق"، و" في ظلال القرآن".

لقد غفل الذين تعاملوا مع سيد قطب بجفاء، ونسوا أو تناسوا أن ما كتبه سيد كان في فترة عصيبة، من الحكم الناصري لمصر، كان أكثر الكتَّاب في هذه المرحلة يستخدمون الرمز ولا يجرؤون على التصريح. كما يقول جيلز كيبل في كتابه (النبي والفرعون).

يقول المستشار سالم البهنساوي: "لقد اضطر سيد قطب لاستخدام عبارات غير محددة لمواجهة الأنظمة الاستبدادية، وفي مقدمتها النظام الناصري المصري. والذين فهموا ذلك لم يختلفوا على مفاهيم الشهيد وأفكاره"[104]. 

إن ثراء النص والفكرة لدى سيد قطب، والمعالجة الأدبية التي تناول بها أفكاره، جعل الناس يختلفون في تناولهم لمقاصد النص وتفسير دلالاته، ومن هنا حدث الاختلاف، ووقع الخلاف. وتستطيع أن تقول: إن موهبة سيد الأدبية، جعلته يقدم نصا يفتح إمكانيات تأويل متعددة، بتعدد زوايا النظر. وربما ذهب بعض الغلاة في الدين إلى تفسير أقواله ليوافق مذهبهم أو فكرهم.

عام 2014، أرسل الأستاذ محمد قطب إلى جريدة الشهاب اللبنانية، خطابا يدافع فيه عن فكر الشهيد سيد قطب، وأيضا لتقديم مفتاح لقراءته بطريقة لا تشكل خطورة.

وكتب محمد قطب: "ليس هناك شيء في كتابات سيد قطب يتعارض مع القرآن والسنة.. أما بالنسبة لمشكلة الانفصال (المفاصلة)، فقد أوضحت عباراته أنه كان يقصد الانسحاب العقلي الذاتي للمسلم الملتزم، بعيدا عن هؤلاء الذين لا يشعرون بأي التزام تجاه تعاليم الإسلام، وليس انفصالا فعليا"[105]. 

ويقول يوسف العظم: "وبشكل عام فصياغة (معالم في الطريق) لا يجب أن نأخذها بشكل حرفي على الإطلاق، فقد كان سيد قطب مؤلفا وليس فقيها، وأحيانا ما كان يجرفه أسلوبه الخاص"[106].

ويقول الفرنسي جيلز كيبل في كتابه (النبي وفرعون): الدولة الاستبدادية هي التي تعطي نموذجا للجاهلية، فالجاهلية في نظر سيد قطب عبارة عن تجمع يحكمه أمير فاسق يريد أن يعبده الناس من دون الله، يحكم وفقا لأهوائه وشهواته، بدلا من أن يعمل بالمبادئ المستوحاة من القرآن والسنة[107].

وعن سبب الاختلاف في المفاهيم الواردة في كتاب "معالم في الطريق"، وفي كتاب "في ظلال القرآن"، قال: "إعدام سيد قطب المبكر وضع مفاهيمه وأفكاره في متناول الشعب بكل ما احتملته من مضامين غير واضحة أيضا (فهو صاحب أسلوب أدبي رفيع، وموهم أحيانا بعباراته، وكذلك مصطلحات مجملة تحتاج إلى بيان[108]) وأدى ذلك إلى وقوع سلاح التكفير."[109].

لقد أعاد سيد قطب قراءته للقرآن الكريم، ليعقد المقارنات بين طبيعة الخلاف والصراع الحالي، وبين الإسلام والجاهلية، خلال حياة الرسل بمصطلحات جديدة، وكان منهجه الفكري الجديد مفاهيم لا تعتبر أحكاما شرعية بفكر الأفراد والمجتمعات، فقد أوضح صاحب هذه المصطلحات أنها ليست إلا تصورات لطبيعة الصراع، ومعالم على طريق هذا الصراع.

لهذا يخطئ من يستخلص منها أحكاما شرعية بكفر الأفراد أو المجتمعات، فالمقارنات التي أوردها بين الجاهلية الأولى والحضارة المادية والمعاصرة - ليست لا ستخلاص حكم شرعي مماثل لحكم الله في الجاهلية الأولى.

إنها مقارنة لمعرفة طبيعة الخلاف والصراع. والذي يجهل الكثيرون أنه من الخطأ البين: أن نستخلص من هذه المقارنة حكما بكفر الشعوب الإسلامية المحكومة بهذه الأنظمة العسكرية، ولا بكفر أشخاص الحكام. إن مصطلح الجاهلية في فكر سيد قطب يراد به جاهلية المناهج والتشريعات التي تناهض شريعة الله وتحاربها[110].

ومن وجهة نظر يوسف العظم، يجب التفرقة بين التكفير والجاهلية. فقد استخدم سيد قطب الجاهلية ليشير إلى التخلف الفكري والأخلاقي. وبهذا المعنى، فمن المنطقي تماما أن نسمي المجتمع المعاصر مجتمعا جاهليا، ويجوز للدعاة أن يفعلوا ذلك، وهذا لا يعني تكفير المجتمع[111].

وفي رسالته للدكتوراه[112]، حصر الدكتور صلاح دحبور أخطاء الكتَّاب والشباب الذين تناولوا سيد قطب بالنقد، في الآتي:

  1. تعمد البحث عن الأخطاء وتسجيل العيوب.
  2. عدم التفريق بين الخطأ في المنهج، والخطأ في الفروع، والذي هو من طبيعة البشر.
  3. الخطأ في النتيجة، وذلك باستبعاد فكر الشهيد وكتبه، استنادا إلى الخطأ في المقدمات المتمثلة في: اتهامهم له بتكفير المجتمع، وأن مجتمع المسلمين دار حرب.
  4. قياس فكر سيد قطب على ما يحمله الناقد من معتقد أو مذهب، ومن ثم الحكم بخطئه في كل ما يخالف هذا المذهب، دون إدراك أن فكر سيد قطب فكر سلفي قبل الخلاف المذهبي والكلامي.
  5. عدم جمع أقواله في الموضوع الواحد، ثم التركيز على موضع واحد وتفسيره، طبقا لانطباع الباحث وما يهواه.
  6. إغفال المنهج الإسلامي في الحكم على الفكر عند تعارضه.

وأخيرا، تقول الكاتبة إحسان الفقيه في مقال لها: لماذا أحب سيد قطب[113]؟ أحب سيد قطب لأنه هو الذي أخذ بيدي للعيش في ظلال القرآن، فأدركت أنها نعمة لا يعرفها إلا من ذاقها.

أحب سيدا، لأني تعلمت منه معنى استعلاء الإيمان وكبرياء الإسلام. أحب سيدا، لأني أدركت معه أن عقيدة المؤمن هي وطنه، وقومه وأهله.

أحب سيدا، لأنني فهمت معه معنى أن تكون كلمة الله هي العليا، ومعنى أن يكون الدين كله لله، ومعنى {ومصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه}.

أحب سيدا، لأني تعلمت منه معنى الحرية الحقيقية، التي هي التحرر من كل شيء إلا لله. أحب سيدا، لأني أدركت أن العدل الحقيقي لن يكون إلا بشريعة الله. أحب سيدا، لأني تعلمت منه أن أحتقر الطغاة.

أحبه، لأنه استشرف مستقبله دون أن يسمي نفسه، فهو كما قال: "كم من شهيد ما كان يملك أن ينصر عقيدته ودعوته ولو عاش ألف عام، كما نصرها باستشهاده".


خاتمة

تمر المنطقة بحالة من السرعة الشديدة في مجريات الأحداث، تجعل المتابع لشأنها، أن يعيد التفكير في مستقبل خريطة الأوضاع السياسية والاقتصادية بها، فبعد أن وصل الرأي العام بالمنطقة إلى حالة من التفاؤل بما أعلن عن اتفاق وقف إطلاق النار في ليبيا، أتت النزاعات الداخلية، لتربك المشهد، وتذهب بنا لتوقع أن تعود الأمور إلى المربع الأول. وعلى نفس المنوال، بعد التدخل الألماني لتهدئة الأمور بين اليونان وتركيا، إذا باتفاقية لمصر مع اليونان، تجعل تركيا تغير من موقفها، وتعيد سفنها للتنقيب في منطقة شرق المتوسط، وسط حراسة سفنها العسكرية. ويتوقع كذلك أن يكون قطار التطبيع بين الدول العربية وإسرائيل في أسرع حالته خلال الفترة القادمة.


المصادر:
[1] الحساب الرسمي للرئيس الأميركي دونالد ترامب على موقع تويتر، 13 أغسطس/ أب 2020.
https://bit.ly/3hpkVsS
[2] الحساب الرسمي لمحمد بن زايد، ولي عهد أبوظبي، على موقع تويتر، 13 أغسطس/ أب 2020.
https://bit.ly/31lA3BS
[3] صحيفة الاستقلال، “التطبيع مقابل إلغاء الضم”.. كيف فضحت إسرائيل أكاذيب ابن زايد؟، 18 أغسطس/ أب 2020.
https://bit.ly/2Qqcstn
[4] Independent, UAE secured ‘no guarantees’ on halt of West Bank annexation from Israel, ministers admit, 14 August 2020.
https://bit.ly/3ln3b3Q
[5] Rt عربي، السفير الأميركي في إسرائيل يعلق على موضوع الضم بعد الاتفاق مع الإمارات، 14 أغسطس/ أب 2020.
https://bit.ly/2Qmswwi
[6] Brookings, The Biden factor in the UAE-Israel deal, 15 August 2020.
https://brook.gs/31nyR0P
[7] Foreign Policy, The UAE-Israel Agreement Isn’t All It’s Cracked Up to Be, 15 August 2020.
https://bit.ly/3j9Wzny
[8] Foreign Policy, The Israel-UAE Deal Is Trump’s First Unambiguous Diplomatic Success,14 August 2020.
https://bit.ly/31oDWGs
[9] Brookings, The Biden factor in the UAE-Israel deal, 15 August 2020.
https://brook.gs/31nyR0P
[10] Haaretz, The Real Deal for Israel and the UAE Is Weapons, 17 August 2020.
https://bit.ly/32nvHJV
[11] موقع رام الله الإخباري، "تل أبيب " : تركيا تهديد على الأمن القومي الاسرائيلي، 17 يناير كانون الثاني 2020.
https://bit.ly/2FT8o35
[12] الجزيرة، بتنسيق سعودي مصري إماراتي.. الموساد يشيطن تركيا ويعتبرها أكثر خطورة من إيران، 22 أغسطس/ أب 2020.
https://bit.ly/2Yu6GvA
[13] تصريح صحفي، الحساب الرسمي لعبدالفتاح السيسي على موقع تويتر، 13 أغسطس/ أب 2020.
https://bit.ly/3gprAlp
[14] Fox News, Iran condemns UAE deal with Israel, saying it’s a ‘huge mistake’, 15 August 2020.
https://fxn.ws/3hq4U60
[15] Arab News, Iran threatens to attack UAE over Israel deal, 16 August 2020.
https://bit.ly/34zyeTM
[16] بيان صحفي حول البيان المشترك الصادر عن الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل والإمارات العربية المتحدة، موقع وزارة الخارجية التركية، 14 أغسطس/ أب 2020.
https://bit.ly/32otQ7L
[17] CNN عربي، أردوغان يلوح بإمكانية اتخاذ خطوات لتعليق العلاقات الدبلوماسية مع أبوظبي أو سحب السفير، 14 أغسطس/ أب 2020.
https://cnn.it/3j1zdAm
[18] قناة Extra News على اليوتيوب، مؤتمر صحفي لوزير الخارجية سامح شكري ونظيره اليوناني نيكوس دندياس، 6 أغسطس/ أب 2020.
https://bit.ly/3lmdsNG
[19] موقع وزارة الخارجية التركية، بيان صحفي حول توقيع ما يسمى اتفاقية ترسيم مناطق الصلاحية البحرية بين مصر واليونان، 6 أغسطس/ أب 2020.
https://bit.ly/2Yw4Hqv
[20] تصريح صحفي، حساب المتحدث باسم وزارة الخارجية المصرية، 6 أغسطس/ أب 2020.
https://bit.ly/2QsPT7z
[21] تصريح صحفي، الحساب الرسمي لوزارة الخارجية والتعاون الدولي الإماراتية على موقع تويتر، 6 أغسطس/ أب 2020.
https://bit.ly/31v6gXC
[22] تصريح صحفي، حساب أنور قرقاش وزير الدولة للشؤون الخارجية الإماراتي، 6 أغسطس/ أب 2020.
https://bit.ly/3gGhFbz
[23] بيان صحفي، الموقع الرسمي لوزارة الخارجية البحرينية، 7 أغسطس/ أب 2020.
https://bit.ly/31CfSQx
[24] RT عربي، ماكرون يصل إلى لبنان في مستهل زيارة عقب انفجار بيروت الضخم، 6 أغسطس/ أب 2020.
https://bit.ly/2YrJYUw
[25] العربي الجديد، انفجار كبير يهزّ بيروت ومحيطها وسقوط جرحى، 4 أغسطس/ أب 2020.
https://bit.ly/31quYZf
[26] وكالة الأنباء "المركزية" اللبنانية، مضمون لقاء ماكرون بالقادة السياسيين في قصر الصنوبر، 7 أغسطس/ أب 2020.
https://bit.ly/3lc3i1W
[27] قناة RT عربي على اليوتيوب، لبنانيون غاضبون يحاصرون ماكرون أثناء زيارته شوارع بيروت المنكوبة، 6 أغسطس/ أب 2020.
https://bit.ly/2Ys7y3A
[28] Associated Press, Is France helping Lebanon, or trying to reconquer it?, 8 August 2020.
https://bit.ly/3aQYMBf
[29] Associated Press, Is France helping Lebanon, or trying to reconquer it?, 8 August 2020.
https://bit.ly/3aQYMBf
[30] الحساب الرسمي لجوليان بايو، رئيس حزب الخضر الفرنسي، على موقع تويتر، 6 أغسطس/ أب 2020.
https://bit.ly/3aPdNDJ
[31] Middle East Monitor, Virtual aid summit raises $300m for Lebanon, 11 August 2020.
https://bit.ly/2QkYOb8
[32] Elysee, International Conference of Support and Support for Beirut and the Lebanese People, 9 August 2020.
https://bit.ly/32o4BlV
[33] قناة فرانس 24 على اليوتيوب، المؤتمر الصحفي للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون من بيروت، 6 أغسطس/ أب 2020.
https://www.youtube.com/watch?v=4jy7H2rVUTU
[34] Financial Times, Future of Lebanon and entire region at stake, warns Macron, 9 August 2020.
https://on.ft.com/2FMJcLo
[35]  Elysee, International Conference of Support and Support for Beirut and the Lebanese People, 9 August 2020.
https://bit.ly/32o4BlV
[36]  العربي الجديد، خارطة طريق من ماكرون لإنقاذ لبنان من الانهيار، 27 أغسطس/ أب 2020.
https://bit.ly/2FVExH6
[37] عربي 21، هل يصبح لبنان ساحة صراع بين فرنسا وتركيا بعد انفجار بيروت؟، 11 أغسطس/ أب 2020.
https://bit.ly/2EnYrtZ
[38] Middle East Eye, Beirut explosion should not be 'politicised', says Iran, 10 August 2020.
https://bit.ly/2Qk7uhR
[39] Daily Sabah, Iran wary of losing influence in Lebanon after government resignation, 11 August 2020.
https://bit.ly/2EseAOS
[40] Daily Sabah, France maintains colonial mindset in Lebanon, Africa, East Med, Turkish officials say, 11 August 2020.
https://bit.ly/2EmLn83
[41] صحيفة الاستقلال، أنقرة أعلنت اعتزامها منح الجنسية لمن يرغب من المواطنين اللبنانيين ذوي الأصول العثمانية أو التركمانية، 16 أغسطس/ أب 2020.
https://bit.ly/31mdBIY
[42] فرانس 24، حسان دياب يعلن استقالة حكومته استجابة لمطالب الشارع اللبناني الغاضب، 10 أغسطس/ أب 2020.
https://bit.ly/2EvM1Qr
[43] جريدة الأخبار اللبنانية، لا حكومة في الأفق، 22 أغسطس/ أب 2020.
https://bit.ly/2YvspTE
[44] CNN عربي، الحريري يرفض الترشح لرئاسة الحكومة، 25 أغسطس/ أب 2020.
https://cnn.it/2YCFeeS
[45]  بيان رئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني، صفحة حكومة الوفاق الوطني على الفيس بوك، 20 أغسطس/ أب 2020.
https://bit.ly/2YH28lr
[46] بيان رئيس مجلس النواب، موقع البرلمان الليبي (طبرق)، 20 أغسطس/ أب 2020.
https://bit.ly/31zB8pT
[47] يورو نيوز، اللواء المسماري: إعلان وقف إطلاق النار في ليبيا "تسويق إعلامي"، 24 أغسطس/ أب 2020.
https://bit.ly/2QsYvee
 
[48] وكالة الأناضول، رئيس برلمان طبرق يشعل صراع العواصم الليبية، 14 أغسطس/ أب 2020.
https://bit.ly/31yS5ko
[49] ترك برس، تواصل استخباراتي بين تركيا ومصر.. ماذا وراء تصريح أردوغان؟، 16 أغسطس/ أب 2020.
https://bit.ly/3gEv5EA
[50] عربي 21، البرلمان التونسي يحدد جلسة منح الثقة لحكومة المشيشي، 25 أغسطس/ أب 2020.
https://bit.ly/3luZUiX
[51] المنار، رئيس الوزراء التونسي المكلف هشام المشيشي يعلن عن تشكيل حكومته الجديدة، 25 أغسطس/ أب 2020.
https://bit.ly/2G6eJIp
[52] صفحة حركة النهضة على الفيسبوك، بيان المكتب التنفيذي لحركة النهضة، 27 يوليو/ تموز 2020.
https://bit.ly/2GanxNx
[53] المصدر السابق، سناء المرسني: لدينا تحفظات على مسار التكليف ونتمنى التوفيق للسيد هشام المشيشي، 28 يوليو/ تموز 2020.
https://bit.ly/2YLc9OJ
[54] صفحة "اكسبرس اف ام" التونسية، لقاء مع عبدالكريم الهاروني، رئيس مجلس شورى حركة النهضة، 5 أغسطس/ أب 2020.
https://bit.ly/34LgfKm
[55] الصفحة الرسمية لأسامة الخليفي على موقع فيس بوك، 26 يوليو/ تموز 2020.
https://bit.ly/30ArT8m
[56] الصفحة الرسمية للكتلة النيابية لحزب قلب تونس، 26 يوليو/ تموز 2020.
https://bit.ly/2F2pVpb
[57] صفحة إذاعة موزيك التونسية|، لقاء عياض اللومي القيادي في حزب قلب تونس للحديث عن تصورهم لتركيبة الحكومة، 5 أغسطس/ أب 2020.
https://bit.ly/2YMUcz5
[58] راديو اي اف ام (IFM) التونسية، حوار مع نبيل حجي، القيادي في التيار الديمقراطي، 5 أغسطس/ أب 2020.
https://bit.ly/30C2gnP
[59] المصدر السابق، هشام العجبوني رئيس الكتلة الديمقراطية للحديث عن مشاورات تكوين الحكومة ، 5 أغسطس/ أب 2020.
https://bit.ly/2EL0Hvi
[60] عربي بوست، مواقف الأحزاب التونسية من قرار الرئيس تكليف المشيشي بتشكيل الحكومة، 27 يوليو/ تموز 2020.
https://bit.ly/3b673S5
[61] صفحة حسونة ناصف، رئيس كتلة الإصلاح، على الفيس بوك، 26 يوليو/ تموز 2020.
https://bit.ly/2DkELH7
[62] Tunisie numerique، تصريحات يوسف الشاهد عقب لقاءه بالمشيشي، 5 يوليو/ تموز 2020.
https://bit.ly/33DJQ7V
[63] صفحة سيف الدين مخلوف على الفيسبوك، بيان صحفي، 25 يوليو/ تموز 2020.
https://bit.ly/3a5hqoo
[64] المصدر السابق، بيان صحفي، 26 يوليو/ تموز 2020.
https://bit.ly/32z5IiE
[65] الصفحة الرسمية لرئيسة الحزب الدستوري الحر، بيان صحفي، 4 أغسطس/ أب 2020.
https://bit.ly/3fxymFj
[66] الصفحة الرسمية لحركة النهضة التونسية، محمد القوماني : حكومة هشام المشيشي المقترحة أضعف كفاءة وأقل استقلالية، 25 أغسطس/ أب 2020.
https://bit.ly/34SQ8B4
[67] المصدر السابق، خليل البرعومي :هذه الحكومة تنقصها الكفاءات والمهنية، 26 أغسطس/ أب 2020.
https://bit.ly/34LBWtN
[68] المصدر السابق، أسامة الصغير : من المؤسف أن نجد تركيبة الحكومة بدون برنامج، 26 أغسطس/ أب 2020.
https://bit.ly/2YNcHDC
[69] الصفحة الرسمية لحزب قلب تونس، محمد الصادق جبنون الناطق الرسمي باسم حزب قلب تونس : نحن اليوم أمام حكومة رئيس الجمهورية 2، 26 أغسطس/ أب 2020.
https://bit.ly/3jkIjs6
[70] الصفحة الرسمية لحزب قلب تونس، الصادق جبنون الناطق الرسمي باسم حزب قلب تونس، 25 أغسطس/ أب 2020.
https://bit.ly/2QE6Zzu
[71] المصدر السابق.
https://bit.ly/3bbFlDy
[72] موزيك إف إم، الخليفي: من المرجح جداً أن يمنح قلب تونس ثقته لحكومة المشيشي، 25 أغسطس/ أب 2020.
https://bit.ly/2QF5gd4
[73] الصفحة الرسمية للتيار الديمقراطي على الفيسبوك، بيان صحفي، 23 أغسطس/ أب 2020.
https://bit.ly/34LDowf
[74] الصفحة الرسمية لحركة الشعب على الفيسبوك، رضا لاغة عضو المكتب السياسي لحركة الشعب يبين موقف المجلس الوطني من الحكومة، 25 أغسطس/ أب 2020.
https://bit.ly/2GbjO2i
[75] الشارع المغاربي، المغزاوي: نتحفّظ على استقلالية أسماء في الحكومة المُقترحة، 25 أغسطس/ أب 2020.
https://bit.ly/2ESnvZO
[76] صفحة ائتلاف الكرامة على الفيسبوك، مداخلة النائب عبد اللطيف علوي عن ائتلاف الكرامة على قناة الجزيرة مباشر، 26 أغسطس/ أب 2020.
https://bit.ly/34NdsQI
[77]  تلفزيون IFM، عبد اللطيف العلوي : هذه الحكومة هي إعلان موت و شبهة قتل للأحزاب، 27 أغسطس/ أب 2020.
https://bit.ly/2EEONDp
[78] صفحة حركة تحيا تونس على الفيسبوك، بيان صحفي، 26 أغسطس/ أب 2020.
https://bit.ly/3gJ096a
[79] موزيك، موسي: نتحفظ على حكومة المشيشي لكن التدارك ممكن، 27 أغسطس/ أب 2020.
https://bit.ly/2EExMcy
[80] الصفحة الرسمية لحركة الشعب على الفيسبوك، بيان صحفي حول مبادرة حركة الشعب، 26 أغسطس/ أب 2020.
https://bit.ly/2QAbn2o
[81] BBC الإمارات وإسرائيل تتفقان على إقامة علاقات رسمية، 13/8/2020.
[82] أموال الغد، بروتوكول الكويز في الميزان بعد مرور 15 عام..خبراء: له ما له وعليه ما عليه، 20/3/2020
[83] EERONEWS، خمسة مجالات اقتصادية قد تشهد تعاونًا كبيرًا بين إسرائيل والإمارات، 20/8/2020
[84] قاعدة بيانات البنك الدولي، مؤشر الناتج المحلي الإجمالي،
https://data.albankaldawli.org/indicator/NY.GDP.MKTP.CD?view=chart
[85] مصراوي، أربعة منها عربية..ما هي أكبر 10 صناديق سيادية في العالم؟ 19/8/2020.
[86] وزارة المالية المصرية، التقرير المالي الشهري، يوليو 2020، ص 1.
[87] البنك المركزي المصري، النشرة الاحصائية الشهرية، عددي ابريل 2019 ويونيو 2020.
[88] وزارة المالية المصرية، التقرير المالي الشهري، عدد يوليو 2020، ص 11.
[89] البنك الدولي، مجموعة البنك الدولي تمدد إستراتيجيتها الحالية في مصر لمدة عامين، 30/4/2019،
http://www.albankaldawli.org/ar/news/press-release/2019/04/30/world-bank-group-to-extend-current-strategy-in-egypt-to-maintain-momentum-on-reforms
[90] BBC، معدل الفقر في مصر يرتفع إلى 32.5% من عدد السكان، 30/7/2019، https://www.bbc.com/arabic/business-49167506
[91] وزارة المالية المصرية، البيان المالي لموازنة عامي 2014/2015 و2020/2021.
[92] جريدة البورصة، تعرف على أداء "مصر" في مؤشرات الأعمال العالمية، 26/1/2020.
[93]د. أسامة الأشقر. دليل مكافحة التطبيع الثقافي. المركز الفلسطيني لمقاومة التطبيع. 20 إبريل 2018.    
[94] د. غازي حسين. مخاطر التطبيع. كنعان . 9 ديسمبر 2013.
[95]  عبد الله حامد – القاهرة. مناهج التعليم بمصر.. إسرائيل ليست عدوًّا. الجزيرة في 17/5/2016.
[96]  صالح النعامي. دراسة إسرائيلية توصي بتغيير المناهج العربية لتسويغ التطبيع. العربي الجديد. 2 يوليو  2018.
[97]  تغيير مناهج الدراسة.. جديد الإمارات لطمس وعي شعبها بعد التطبيع. محمد أبو رزق- الخليج أونلاين. الثلاثاء 25 / 8/ 2020.
[98]  د. أحمد زايد . من على صفحته في الفيس بوك.
[99]  د. أسامة الأشقر. دليل مكافحة التطبيع الثقافي. المركز الفلسطيني لمقاومة التطبيع. 20 إبريل 2018.
[100]  د. مشبب القحطاني. التطبيع الخطر القادم فلنستعد له. https://www.hawaaworld.com
[101] د. أسامة الأشقر. دليل مكافحة التطبيع الثقافي. المركز الفلسطيني لمقاومة التطبيع. 20 إبريل 2018.
[102]  سيد قطب . كتب وشخصيات. دار الشروق. الطبعة الثالثة. 1403-1983. ص 178.
[103] د. عبد الفتاح الخالدي. سيد قطب من الميلاد إلى الاستشهاد. دار البشير- جدة. 1431هـ/ 2010م. ص15- 17.
[104]  فكر سيد قطب في ميزان الشرع. https://www.ikhwanwiki.com/index.php?title
[105] النبي وفرعون، تأليف جيلز كيبل ، ترجمة أحمد خضر. مكتبة المدبولي. 1409-1988. ص51.
[106] رائد الفكر الإسلامي المعاصر الشهيد سيد قطب.. حياته ومدرسته وآثاره.
[107]  النبي وفرعون تأليف جيلز كيبل ، ترجمة أحمد خضر. مكتبة المدبولي. 1409-1988. ص23- 33.
[108] محمد المطر. رد قضية التكفير عند سيد قطب. مجلة المجتمع – الكويت .10 يوليو 2016.
[109]  النبي وفرعون . مرجع سابق.
[110] سالم البهنساوي. فكر سيد قطب في ميزان الشرع. https://www.ikhwanwiki.com/index.php?title
[111] رائد الفكر الإسلامي المعاصر الشهيد سيد قطب.. حياته ومدرسته وآثاره.
[112] في ظلال القرآن: دراسة وتقويم . دكتوراه للباحث صلاح دحبور(د. صلاح عبد الفتاح الخالدي) . كلية أصول الدين- جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية. 1984.
[113]  إحسان الفقيه. لماذا أحب سيد قطب؟. مقال منشور في 11 أغسطس 2015.
حمل الموضوع كاملاً بصيغة pdf

كلمات مفتاحية :

إسرائيل اقتصاد الإمارات الشرق الأوسط مصر