بعد فضيحة إيبيزا بالنمسا.. هل يفقد السيسي أكبر داعميه في أوروبا؟

أحمد يحيى | منذ ٧ أعوام

12

طباعة

مشاركة

العلاقة بين الائتلاف الحاكم في النمسا بقيادة سيباستيان كورتس، والنظام المصري بقيادة عبد الفتاح السيسي، تميزت بالدعم الكامل، والاتفاقيات المبرمة، والزيارات المتبادلة منتصف 2018، حيث مثلت النمسا بوابة عبور السيسي دائما إلى قلب أوروبا.

ورغم أن المسافة من العاصمة النمساوية فيينا، إلى العاصمة المصرية القاهرة تقدر بحوالي (4.146.7 كم)، لكن حدثا مزلزلا وقع في قصر "هوفبورج" مقر الحكم في النمسا، يبعث القلق على القاطن بقصر "الاتحادية" في مصر.

المستشار النمساوي سيباستيان كورتس، الذي يعد هو وتحالفه الحاكم من اليمين المتشدد أكبر داعمي رئيس النظام المصري عبد الفتاح السيسي في أوروبا، يعيشون أياما عصيبة، وسقوط غير متوقع، على خلفية تفجير فضيحة "إيبيزا"، التي تشكل ضربة قوية للمعسكر القومي الأوروبي.

في 17 مايو/ آيار الجاري، نشرت وسائل إعلام ألمانية فيديو صور بكاميرا خفية قبل سنتين، يُظهر هاينتس شتراخه نائب المستشار النمساوي، وهو يناقش في فيلا بجزيرة إيبيزا الإسبانية، امرأة يعتقد أنها مرتبطة بشخصية روسية، احتمال تقديم مساعدات مالية مقابل منحها مدخلا لعقود حكومية مع النمسا.

وعلى خلفية هذه الفضيحة، دعا المستشار النمساوي، إلى انتخابات مبكرة عقب استقالة نائبه المتورط هاينتس شتراخه.

أبعاد صادمة

هاينتس شتراخه بطل فضيحة "إيبيزا" الأخيرة، وصل إلى رئاسة حزب الحرية "اليميني الشعبوي" عام 2005، وكان في شبابه يتحرك في أوساط ما يعرف بالنازيين الجدد.

حصل حزب الحرية صاحب الاتجاهات اليمينية المتطرفة، المستغرق في القومية والشعوبية، في الانتخابات التشريعية النمساوية عام 2017 على نسبة 26% من الأصوات، ووصلت مقاعده البرلمانية إلى 51 مقعدا، مشكلا ائتلافا مع حزب الشعب اليميني "الحاكم"، برئاسة مستشار النمسا سيباستيان كورتس، ونائبه شتراخه.

فضيحة "إيبيزا"، التي اعتبرها الحزب الاشتراكي في النمسا بأنها، أكبر فضيحة في تاريخ البلاد منذ 50 عاما، تتجلى أنه أثناء سهرة مصورة، يظهر شتراخه في فيلا بجزيرة "إيبيزا الإسبانية" قبل أشهر من انتخابات 2017، مع امرأة يعتقد أنها مرتبطة بشخصية "روسية نافذة"، ويعرض عليها احتمال تقديم مساعدات مالية مقابل منحها مدخلا لعقود حكومية مع النمسا.

كان يبدو أن شتراخه متحمس لاحتمال استثمار روسي في الصحيفة الأولى في النمسا "كرونين تسايتونغ"، لدفعها إلى نشر عناوين موالية لحزب الحرية، واقترح حينها على المستثمرة الروسية أن يمنحها مقابل دعمها عقودا حكومية.

ووفق نص المحادثة، قال شتراخه: "إن المستثمرة الروسية ستحصل على كافة العقود العامة التي تستحوذ عليها ستراباغ"، وهي مجموعة مقاولات نمساوية تحظى بنفوذ واسع في هذا القطاع.

واستبعد نائب المستشار النمساوي أن "ترفض إدارة تحرير صحيفة كرونين تسايتونغ الأموال"، قائلا بالنص: "الصحافيون  هم الأكثر استعدادا على هذا الكوكب لبيع أنفسهم".

فضيحة "إيبيزا" رغم فداحتها، لكنها تتموقع كنهاية لسلسة طويلة من الجدليات، والأفكار المارقة المتبعة داخل الدولاب الداخلي لسياسة حزب الحرية، وكان سياسي من الحزب في السابق قد قارن الناس بالجرذان.

وتداولت العديد من التقارير أنه في بعض الأمسيات التي حضرها مقربون من الحزب، سمعت بعض الأغاني النازية، لا سيما وأن هناك مقاربات بين الحزب وبين النازيين الجدد ومجموعات يمينية متطرفة أخرى، كيف لا؟ خاصة وأن شتراخه في شبابه كان ضمن صفوف تلك المجموعات.

داعم للسيسي

البداية كانت في 16 سبتمبر/ أيلول 2018، عندما قام سيباستيان كورتس بزيارة خاطفة إلى القاهرة، تحدثت الصحف المصرية والنمساوية أنها جاءت لمناقشة سياسة الهجرة، بالإضافة إلى ترتيب يتعلق بقمة عربية أوروبية محتملة بمصر.

وهي القمة التي عقدت بعد ذلك في فبراير/ شباط 2019 في مدينة شرم الشيخ، بحضور قادة وزعماء الاتحاد الأوروبي، وهو الأمر الذي يبرز مدى قوة الدور الذي لعبه المستشار النمساوي في دعم السيسي، والتمهيد له داخل القارة العجوز.

في 16 ديسمبر/ كانون الأول 2018، زار السيسي النمسا، وخلال المؤتمر الصحفي عبر سيباستيان كورتس عن سعادته بالزيارة وتطور التعاون مع مصر، مشيرا إلى أنه تم توقيع 10 مذكرات تفاهم فضلا عن وجود 600 شركة نمساوية تعمل في مصر.

واستعرض السيسي، خلال زيارته جهود بلاده في مكافحة الإرهاب، وضبط حدودها البرية والبحرية، وما نتج عنه عدم تسجيل أية حالة للهجرة غير النظامية إلى أوروبا منذ سبتمبر/أيلول 2016، وهي الإستراتيجية التي يتبعها رئيس النظام المصري في مخاطبة الحكومات الأوروبية، التي تؤرقها مسألة الهجرة غير النظامية بشكل خاص، وبذلك يقدم نفسه على أنه "شرطي المنطقة"، القادر على ضبطها، وتحقيق مصالحهم.

ورغم أن ملفات حقوق الإنسان والديمقراطيات، تمثل صفحة سوداء في تاريخ السيسي، الذي جاء إلى الحكم بانقلاب عسكري على حكومة مدنية منتخبة، إلا أن كورتس لم يجد غضاضة في إعطاء الدعم والتأييد الواسع له.

سيباستيان كورتس نفسه، وجهت له الكثير من الانتقادات قبل أن يسقط في مستنقع فضيحة "إيبيزا"، بشأن تحالفه مع حزب الحرية اليميني المتطرف، الذين كانوا يصفون الديمقراطيات الغربية بأنها "منحطة" ويمدحون دكتاتوريات على غرار نموذج بوتين، ويحاربون القيم والقواعد الأوروبية المتعلقة بالديمقراطيات، وعلى هذا النسق لم يجدوا غضاضة في دعم نموذج فج في الانتهاكات الإنسانية مثل السيسي.

عاصمة العنصرية

المستشار النمساوي سيباستيان كورتس، الذي أبدى تماهيا شديدا مع السيسي ونظامه القمعي، أظهر وجها مختلفا في مواقفه مع تركيا تحت مظلة رئيسها رجب طيب أردوغان، وعلى النقيض تماما في 5 أغسطس/ آب 2016، قال كورتس: "إن تركيا غير مؤهلة للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي عقب حملة القمع التي تشنها أنقرة بعد المحاولة الانقلابية الأخيرة".

وأضاف مستشار النمسا بأن "مفاوضات العضوية لم تعد الآن سوى مجرد خيال"، وأكد: "نحن نعلم أن المعايير الديمقراطية في تركيا ليست كافية مطلقا لتخولها للانضمام"، وفي نفس الإطار وصف وزير الدفاع النمساوي هانز بيتر دوسكوزيل تركيا بأنها دولة دكتاتورية، وصرح: "مثل هذه الدول لا مكان لها في الاتحاد الأوروبي".

وتناسى وزير الدفاع النمساوي، وجود أنظمة دكتاتورية غارقة في التطرف داخل الغطاء الأوروبي، مثل نظام "فيكتور أوربان" رئيس الوزراء المجري، اليميني المتطرف، الذي قام بإخضاع الصحافة، وتحجيم القضاء، وقال عن المهاجرين المنكوبين الفارين من الحروب في بلادهم: "لا نعتبر هؤلاء الناس كلاجئين مسلمين ولكن كغزاة".

وفي يونيو/ حزيران 2018، قررت حكومة النمسا إغلاق 7 مساجد وترحيل عدد كبير من الأئمة المسلمين المرتبطين بتركيا، في إطار ما سمته "مكافحة الإسلام السياسي"، في خطوة وصفها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، أنها تقود العالم نحو حرب بين الصليب والهلال.

وقال المستشار النمساوي، سيباستيان كورتس، خلال مؤتمر صحفي: "إنهم قرروا بناء على نتائج تلك التحقيقات، حظر أنشطة 7 مساجد وترحيل عدد كبير من الأئمة بدعوى أنهم ممولون من دول أخرى".

أردوغان علق على القرار قائلا: "يريدون أن يطردوا رجال الدين التابعين لنا من النمسا، لن نقف مكتوفي الأيدي حيال ذلك"، فيما وصف وزير خارجية تركيا مولود تشاووش أوغلو، فيينا بأنها: " أصبحت عاصمة العنصرية المتطرفة".

مركز عالمي

في 28 مارس/ آذار 2019، نشرت صحيفة كورير النمساوية تقريرا، يؤكد أن فرع حركة "الهوية" اليمينية المتطرفة في البلاد أصبح محركا أساسيا لفروعها في معظم الدول الأوروبية،  وذكرت الصحيفة أن مؤسس الحركة والمتحدث باسمها، مارتن سيلنر، تلقى تبرعات من منفذ هجوم مسجدي نيوزيلندا الإرهابي الأسترالي برينتون تارانت.

ووفق الصحيفة فإن أتباع حركة الهوية في النمسا تقدرهم السلطات بـ 300شخص، فيما تتحدث العديد من التقارير أنهم بالآلاف، وأن النمسا هي المركز الأقوى للحركة في أوروبا والعالم.

وفي 18 مايو/ آيار 2019، طالبت أنجيلا ميركل السياسيين الأوروبيين بـ"ضرورة الوقوف بوجه" سياسيي اليمين المتطرف في أوروبا "الذين يبيعون أنفسهم"، في إشارة إلى هاينتس شتراخه، نائب مستشار النمسا.

بينما قال وزير الخارجية الألماني هايكو ماس، المنتمي إلى يسار الوسط: "إن المستشار النمساوي تصرف بلا مسؤولية، عندما أشرك حزب الحرية اليميني المتطرف في حكومته".

تقرير "دويتشه فيله" المنشور 20 مايو/ آيار الجاري، تحدث عن اهتزاز اليمين المتطرف في أوروبا عقب فضيحة "إيبيزا"، وأكد "أن قضية حزب الحرية تبين مجددا أنهم لا يريدون إصلاحا في أوروبا، بل تدميرها، وأن نموذجهم السياسي متجذر جزئيا في روسيا وكذلك في الفاشية".

لا شك أن السيسي بذل جهودا مضنية، وقدم الكثير من الأوراق، حتى يستطيع بناء جسور مع مستشار النمسا ونظامه، ومع اليمين المتطرف الذي يرى في أنموذج السيسي المستبد، مثالا يحتذى به، وعصا لهم فيها مآرب أخرى، لكن مع تراجع اليمين، وانحساره، هل يتأثر مشروع السيسي الخارجي ويفقد داعميه في الغرب؟