أصوات السلاح تتصاعد من تيغراي والصراع يدخل مرحلة “أكثر خطورة”.. ما القصة؟

"أزمة تيغراي دخلت مرحلة أكثر خطورة من مجرد خرق محدود لاتفاق بريتوريا"
بعد أشهر من التصعيد العسكري وحشد القوات وتبادل الاتهامات بين الحكومة الإثيوبية و"جبهة تحرير شعب تيغراي"، اندلعت مجددا مواجهات عسكرية عنيفة في إقليم تيغراي شمال شرقي إثيوبيا، تحديدا في منطقة شيرينا القريبة من الحدود مع السودان، في بداية أغسطس/آب 2026.
ولم تكن التطورات الأخيرة في تيغراي مجرد اشتباك عابر أو مفاجئ، بل جاءت نتيجة انهيار تدريجي للتسوية التي أعقبت الحرب المدمرة التي شهدها الإقليم بين عامي 2020 و2022، والتي أودت بحياة ما لا يقل عن 600 ألف إثيوبي.
وتكمن خطورة المواجهات الحالية، رغم الحديث عن حوار وطني غير مكتمل و"هدنة مسلحة هشة"، في احتمال تحولها من اشتباكات محدودة إلى حرب جديدة مشابهة لحرب 2020–2022، بما قد يؤدي إلى توسعها لتشمل مناطق واسعة من إثيوبيا.
كما تزداد المخاطر بسبب دخول السودان كطرف متأثر بالأزمة، نتيجة قرب مناطق القتال من حدوده، ووقوع اشتباكات بالفعل، إضافة إلى تداخل الصراع الإثيوبي مع الحرب الدائرة في السودان، وهو ما يرفع احتمالات موجات نزوح جديدة، وانتشار السلاح، واتساع دائرة عدم الاستقرار في المنطقة.
وتزداد تعقيدات المشهد بسبب تداخل أربعة صراعات رئيسة، تتمثل في الصراع بين أديس أبابا وتيغراي، والنزاع حول غرب تيغراي بين عرقيتي التيغراي والأمهرا، والانقسامات الداخلية داخل "جبهة تحرير تيغراي"، إلى جانب التوتر المتصاعد بين إثيوبيا وإريتريا.
وهذا التشابك المعقد هو ما يجعل جولة القتال في أغسطس/آب 2026 أكثر خطورة من مجرد خرق أمني محدود؛ إذ يهدد بامتداد الحرب إلى السودان والصومال ومصر، وربما تحولها إلى صراع إفريقي واسع النطاق، وفق تقديرات خبراء أوروبيين في شؤون النزاعات.

ماذا يجرى؟
لفهم طبيعة الصراع المتجدد كل فترة، من المهم قراءة جذور هذه الحرب في تيغراي، فهي حرب سياسية وإثنية تتعلق بتوزيع السلطة داخل الدولة الإثيوبية، وعلاقة الإقليم بالحكومة المركزية، وموقع القومية التيغرائية، والحدود والأراضي المتنازع عليها.
وأيضا فهم الدور الذي تلعبه الكنيسة الأرثوذكسية التيغرائية هناك، وبسببه تضرّرت علاقتها بالسلطة المركزية في أديس ابابا بشدة خلال حرب تيغراي.
صحيح أن جبهة تحرير شعب تيغراي (TPLF) ليست جماعة دينية، ولا تقوم على أساس إسلامي أو مسيحي، وهي تنظيم سياسي عسكري قومي تيغرائي، تأسس عام 1975، وتطورت أيديولوجيته من القومية إلى الماركسية، وحاليا يجمع بين القومية والإثنية.
لكن سكان تيغراي أنفسهم أغلبيتهم من المسيحيين، وهم من أتباع الكنيسة الأرثوذكسية الإثيوبية التوحيدية، وهي من الكنائس الأرثوذكسية المشرقية وليست "الأرثوذكسية الشرقية" التابعة للتقليد البيزنطي، ما يجعل دور الكنيسة مؤثرا.
وتوجد في تيغراي أقلية مسلمة، خصوصاً في بعض المناطق الشرقية والحدودية، تتضرر بدورها من الحرب، لكنها غير مؤثره في الصراع.
وبسبب عدم حلحلة القضايا الخلافية منذ اتفاق بريتوريا للسلام الموقع في نوفمبر/تشرين الثاني 2022، استمرّت حالة الحرب الكلامية والحشود العسكرية وكان الدخول في الحرب مجددا مسألة وقت، تنتظر "عود ثقاب"، وهو ما حدث مطلع أغسطس 2026.
المواجهة الأخيرة في تيغراي بدأت في منطقة "شيرينا"، غرب تيغراي، قرب الحدود مع السودان، عندما اندلعت اشتباكات بين قوات مرتبطة بـجبهة تحرير شعب تيغراي، والقوات الفيدرالية الإثيوبية، واتهم التيغراي قوات الحكومة ببدء العدوان.
واستخدم الطرفان خلال القتال المدفعية الثقيلة والطائرات المسيّرة، ووُصفت المواجهة بأنها أخطر خرق لاتفاق سلام عام 2022.
وبرغم عودة الهدوء النسبي إلى المنطقة الحدودية الإثيوبية السودانية خلال الأيام التالية، فلم يحدث وقف رسمي ومستقر لإطلاق النار، وبقيت القوات في حالة تعبئة، وتجددت الاشتباكات عدة مرات.
ومع أن المواجهة لم تتحول حتى الآن إلى حرب تيغراي جديدة شاملة، والوضع أصبح أشبه بـ"هدوء مسلح هش"، لكنها كشفت أن اتفاق بريتوريا لا يزال هشا للغاية، وبنوده لم تطبق بالكامل، والمشكلة لم تعد عسكرية فقط وإنما سياسية، وقابلة لانفجار شامل خاصة مع تدخل أطراف خارجية.
تداخل أزمة تيغراي، مع الصراع بين الحكومة الفيدرالية ومليشيات "فانو" في أمهرا، والتنافس داخل القيادة التيغرائية، والتوتر المتصاعد بين إثيوبيا وإريتريا، زاد التوتر، وأعاد تشكيل تحالفات ويهدد بتوسع المواجهة وهدم قصرها على تيغراي فقط.
فقد أعلن زعيم "جماعة فانو"، زِمِنه كاسي، أن الفصائل التابعة للجماعة توحَّدت تحت قيادة مركزية، وأبرمت اتفاقات تعاون مع قوات من إقليم تيغراي، إلى جانب جماعات مسلحة تنحدر من مناطق إثيوبية أخرى مثل إقليم الصومال.
و"فانو" هي مليشيات شبابية مسلحة تدافع عن حقوق قومية الأمهرة، وكانت حليفا رئيسا للجيش الفيدرالي الإثيوبي خلال حرب تيغراي (2020-2022)، لكنها تمرّدت ودخلت في مواجهات مسلحة عنيفة ضد الحكومة الاتحادية منتصف عام 2023 بعد محاولات نزع سلاحها.
وقال زعيم "فانو"، في مقابلة مع صحيفة "لو تومب" السويسرية، 16 أغسطس/آب 2026: إن هذا التحالف يجرى تشكيله لتحقيق أهداف سياسية وعسكرية، تتمثل في إسقاط حكومة رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد.
وفي حال تحول التعاون بين فانو وتيغراي إلى تحالف عسكري فعلي، فقد تواجه حكومة آبي أحمد ضغوطا جديدة ومتزامنة من جبهتي أمهرا وتيغراي، في وقت تشهد فيه العلاقات بين إثيوبيا وإريتريا تصاعدا في التوتر، بحسب الصحيفة السويسرية.

حرب إفريقية ثانية
وقد يزيد الأمر سوءا بالنسبة لأديس أبابا أن زعيم "فانو"، كشف عن إجراء اتصالات مع ما وصفه بـ "القوات الصومالية"، من دون أن يحدد الجهة التي يقصدها، وربما يقصد القوى المسلحة التي تنشط في الإقليم الصومالي داخل إثيوبيا.
وإذا امتدَّ هذا التحالف إلى الإقليم الصومالي في إثيوبيا، فقد تكون له تداعيات مباشرة على الحدود بين الصومال وإثيوبيا، وكذلك على طبيعة وانتشار القوات الإثيوبية العاملة في الصومال، بما قد يضيف بُعدا جديدا إلى المشهد المتوتر في المنطقة.
أيضا سبق أن دعمت إريتريا ومليشيا فانو، الجيش الفيدرالي الإثيوبي ضد الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي خلال الصراع السابق عام 2020-2022، لكنهما حاليا وحدا العداء تجاه آبي أحمد، ما يُعد تحولا في التحالفات، حسبما يشير موقع "إذاعة فرنسا الدولية"، 4 أغسطس 2026.
وقد اتهمت السلطات الإثيوبية جبهة تحرير شعب تيغراي بالتحالف مع إريتريا المجاورة ومع مليشيا فانو، من منطقة أمهرة المجاورة، التي حملت السلاح ضد أديس أبابا في عام 2023.
ويرى "كاميرون هدسون"، المحلل في مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية (CSIS) في واشنطن، أنه بالمقارنة مع الحرب السابقة في تيغراي، هناك الكثير من الجهات الخارجية الجديدة التي يمكن أن تغذي هذا الصراع".
فقد اتهم الجيش السوداني، أيضا إثيوبيا بالسماح لقوات الدعم السريع المتمردة بالعمل ضد الخرطوم انطلاقاً من الأراضي الإثيوبية، كما دخلت مصر في خلاف مع إثيوبيا منذ بناء سد ضخم على نهر النيل، والذي تعده القاهرة "تهديداً وجودياً".
وعاد التحالف بين أريتريا والسودان ومصر مجددا ضد إثيوبيا ما يعني تحول التحالفات الجيوسياسية في القرن الإفريقي لنقطة حاسمة.
لذا يتوقع "كيتيل ترونفول"، وهو محلل في شؤون النزاعات الإفريقية بجامعة أوسلو، أنه إذا نشب صراع جديد، فمن المرجح أن يجر معه دولا مجاورة مثل السودان وإريتريا.
وقال: "ستكون هذه الحرب العالمية الثانية لإفريقيا"، في إشارة إلى حرب الكونغو التي دارت رحاها بين عامي 1998 و2003 والتي شاركت فيها تسع دول إفريقية.
ورغم الإعلان عن "الحوار الوطني الإثيوبي" لحل الأزمة مع تيغراي وغيرها سلميا، فقد ظهر توافق معلن وخلاف على التمثيل، وغابت قوى المعارضة وممثلي تيغراي وأمهرة والأطراف المسلحة عن المؤتمر، مما أثار انتقادات بشأن شرعية الحوار ومدى تمثيله للقوى المؤثرة في المشهد الإثيوبي.
لماذا تجدد القتال؟
لم يكن تجدد المواجهات في إقليم تيغراي مجرد عودة إلى الحرب السابقة، بل نتيجة تراكم ملفات لم تُحسم في اتفاق بريتوريا لعام 2022، أبرزها وضع المناطق المتنازع عليها في غرب تيغراي، وتأخر نزع سلاح قوات تيغراي، والخلاف على إدارة الإقليم وترتيبات الحكم الانتقالي.
فقد نص اتفاق بريتوريا لوقف الأعمال العدائية بين الحكومة الإثيوبية وجبهة تحرير شعب تيغراي، في 2 نوفمبر/تشرين الثاني 2022، بوساطة الاتحاد الإفريقي، على ثماني نقاط هي: وقف دائم للأعمال العدائية، ونزع سلاح قوات تيغراي، واستعادة الحكومة الفيدرالية سلطتها ومؤسساتها في تيغراي، واستعادة الخدمات، وعودة النازحين.
لكن بنود الاتفاق الثلاثة الأخيرة وخاصة "حل القضايا السياسية عبر الحوار"، و"مساءلة إثيوبيا عن الانتهاكات التي وقعت أثناء الحرب" وعدم حسم كل القضايا التي تسببت في الحرب وأبرزها مصير المناطق المتنازع عليها، خصوصاً غرب تيغراي، والترتيبات السياسية النهائية، وإعادة دمج المقاتلين، جعلت الاتفاق كأن لم يكن.
واتهم مسؤولون تيغراويون الحكومة الفيدرالية مرارا بفرض حصار اقتصادي طويل الأمد، وتقييد وصول الوقود والمساعدات، وحجب الرواتب، وتنفيذ ضربات بطائرات مسيّرة على مواقعهم، فضلا عن تعمد عرقلة عودة النازحين إلى غرب تيغراي.
وهو ما يعني أن اتفاق بريتوريا نجح في إسكات المدافع أكثر مما نجح في حل جذور النزاع، فظل الاتفاق هشا وعادت الحرب، خاصة أن الحزب الحاكم الإثيوبي لجأ لحرب إعلامية لتشوية "تيغراي"، انتقدتها صحيفة "أديس استندارد"، 14 أغسطس 2026.
وقبل تجدد المعارك، اتهمت جبهة تحرير شعب تيغراي، في أبريل 2026، حكومة أبي أحمد بخرق الاتفاق واحتجاز التمويل وتهميش الإقليم، بينما اتهمت أديس أبابا الجبهة بالسعي إلى استعادة نفوذها بالقوة.
وقد عمق استبعاد جبهة تحرير شعب تيغراي من الانتخابات العامة التي أُجريت في يونيو/حزيران 2026 في إثيوبيا من شعور سكان الإقليم بالتهميش السياسي، خصوصا بعد وقوع جملة من المخالفات التي شابت الاقتراع الذي منح "حزب الازدهار" بزعامة رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد ولاية جديدة مدتها خمس سنوات.
وتزامن ذلك مع تحولات أخطر في البيئة الإقليمية، خصوصاً تصاعد التوتر بين إثيوبيا وإريتريا حول النفوذ في شمال البلاد والوصول إلى البحر الأحمر، مع اتهامات متبادلة بدعم أطراف مسلحة.
ويتركز الخلاف مع أسمرا حول مساعي إثيوبيا إلى تأمين منفذ على البحر الأحمر، لا سيما سعيها إلى الحصول على حقوق سيادية في ميناء عصب، الواقع في منطقة جنوب البحر الأحمر الإريترية.
وتنظر إريتريا إلى أي وجود عسكري إثيوبي على سواحلها بصفته تهديدا مباشرا لأمنها، وترفضه رفضا قاطعا.
وهو نفس موقف القاهرة التي تنظر إلى أي وجود عسكري إثيوبي على البحر الأحمر بصفته تهديدا مباشرا لأمنها القومي وحرية الملاحة عبر أحد أهم الممرات البحرية في العالم، فضلا عن قناة السويس.
ويزيد التوتر دخول إسرائيل على الخط، بتأكيد تقارير صحفية بدء الاحتلال إرسال أسلحة إلى إثيوبيا في إطار شراكة إستراتيجية متنامية بين تل أبيب وأديس أبابا، مدفوعة برغبة البلدين في ترسيخ حضورهما على البحر الأحمر وتعزيز نفوذهما في هذا الممر المائي الحيوي.
وقد رسّخت إسرائيل بالفعل موطئ قدم لها على البحر الأحمر، من خلال اعترافها بأرض الصومال "صومالي لاند" وإقامة حضور على سواحلها، ودعمت ذلك واشنطن بالاعتراف أيضا بصومالي لاند خدمة لتل أبيب ومصالحهما المشتركة.
وحذرت إثيوبيا، مرارا، من أن اندلاع حرب مع إريتريا قد يفضي إلى إعادة رسم الحدود بصورة دائمة، وأن إريتريا قد لا تبقى على صورتها الحالية.
ونقلت تقارير إثيوبية عن آبي أحمد قوله، في مقابلة مع شبكة "أورومو" للبث، إن إريتريا ليست أرضا إثيوبية فحسب، بل تعود أيضا إلى شعب الأورومو، الذي ينتمي إليه رئيس الوزراء وعدد من مسؤولي الحكومة الإثيوبية.
لذلك ترى تحليلات دولية أن تيغراي باتت نقطة تقاطع لصراع داخلي إثيوبي ومنافسة إقليمية أوسع، وأن أي تصعيد كبير قد يعيد إشعال الحرب التي أودت بمئات الآلاف بين 2020 و2022.
فقد بدأت الحرب تتحول إلى ثلاثية بين إثيوبيا والسودان وإريتريا وتخشى أديس أبابا أن يؤدي عودة القتال لإضعاف حكومة أبي أحمد داخليا خصوصا مع تبدل التحالفات في المنطقة.
وفي الخلفية، يتصاعد الخلاف بين رئيس الوزراء أبي أحمد وإريتريا، خصوصاً حول مسألة وصول إثيوبيا إلى البحر الأحمر، فيما تتبادل أديس أبابا وأسمرة الاتهامات بدعم جماعات مسلحة؛ الأمر الذي يجعل تيغراي جزءاً من صراع إقليمي أوسع في القرن الإفريقي.
ولذلك فإن تداعيات تجدد القتال لا تقتصر على احتمال انهيار اتفاق بريتوريا وعودة أزمة تيغراي الإنسانية، بل قد تشمل فتح جبهة إثيوبية إريترية جديدة، وامتداد عدم الاستقرار إلى السودان، وتهديد توازنات القرن الإفريقي والبحر الأحمر.

سيناريوهات المستقبل
لأن أزمة تيغراي دخلت مرحلة أكثر خطورة من مجرد خرق محدود لاتفاق بريتوريا، كما أن المواجهة تتجه للتمدد لأطراف خارجية ودولية خاصة السودان والصومال وإريتريا، وربما مصر تشير تقديرات وتقارير إفريقية وأجنبية لعدة سيناريوهات محتملة.
السيناريو الأول: هو لجوء الطرفين بتدخلات خارجية لاحتواء التصعيد والعودة إلى تفاوض جديد حول بنود اتفاقية بريتوريا وتطبيق ما لم يتم منها.
وربما تدخل الاتحاد الإفريقي والولايات المتحدة ودول المنطقة للضغط باتجاه إعادة تفعيل (أو إعادة صياغة) اتفاق بريتوريا، لكن ذلك يتطلب معالجة الملفات التي تركها الاتفاق معلقة، وفي مقدمتها غرب تيغراي وترتيبات السلطة ونزع السلاح.
السيناريو الثاني: أن يستمر السلام الهش المسلح والحرب المنخفضة الشدة ولكن طويلة الأمد داخل شمال إثيوبيا وهو السيناريو الأكثر احتمالا في ظل تصعيد لغة الحرب والدعاية من جانب الطرفين.
أي نشهد مرحلة من الاشتباكات المتقطعة، والعمليات المحدودة، والحرب بالوكالة، مع استمرار التعبئة العسكرية من جانب الحكومة وجبهة تيغراي وجبهة فانو.
وهذا السيناريو قد يكون هو الأخطر؛ لأنه يعني تآكل اتفاق بريتوريا تدريجيا من دون إعلان انهياره رسميا، وربما إعادة ترتيب الصراع عبر التحالفات والمؤسسات السياسية وليس فقط عبر المعارك التقليدية، كما ترجح تقديرات سياسية إثيوبية.
السيناريو الثالث: عودة الحرب الشاملة بين أديس أبابا وتيغراي، وهو سيناريو مرتفع الخطورة، فإذا تحوّلت الاشتباكات الحالية إلى حملة عسكرية واسعة، أو فشلت الوساطات، أو قررت الحكومة الفيدرالية إنهاء سيطرة جبهة تيغراي على الإقليم بالقوة، فقد تعود البلاد إلى حرب واسعة.
لكن الظروف تختلف عن 2020، فهذه المرة ستكون الحرب مرتبطة مباشرة بالتوتر مع إريتريا وبالصراع في أمهرا، ما يجعل جبهة تيغراي جزءاً من حرب شمال إثيوبية متعددة الأطراف.
لذا يحذر خبراء من أن الحرب الجديدة يمكن أن تكون أكثر تعقيدا بسبب تعدد اللاعبين وتغير التحالفات.
السيناريو الرابع: تحول الأزمة إلى مواجهة إثيوبية إريترية، وربما تدخل السودان والصومال، وهذا هو أخطر السيناريوهات إقليميا، ويثير أكبر مخاوف التحليلات الدولية.
فهذا السيناريو يعني أن الصراع لم يعد محصورا بين أبي أحمد وجبهة تيغراي، وقد يتصاعد الخلاف بين إثيوبيا وإريتريا حول الوصول إلى البحر الأحمر، وتتهم أديس أبابا أسمرة بدعم جماعات مسلحة داخل إثيوبيا، وينتقل الصراع من حرب بالوكالة إلى مواجهة مباشرة، وتنهار ترتيبات ما بعد بريتوريا بالكامل.
السيناريو الخامس: أن نشهد سيناريو حرب إقليمية في القرن الإفريقي، أو ما يُسميه "كيتيل ترونفول"، محلل في شؤون النزعات الإفريقية بجامعة أوسلو بـ "حرب عالمية ثانية إفريقية"، وهو أسوأ السيناريوهات على الإطلاق.
ففي حال اقترنت مواجهة إثيوبيا وإريتريا باستمرار الحرب السودانية، يمكن أن تتحول الحدود الثلاثية إثيوبيا–إريتريا–السودان إلى مسرح لصراع متداخل، مع تدفق السلاح والمقاتلين واللاجئين.
وهذا تحديداً ما سبق أن حذرت منه تحليلات لمنظمة "الإنسان الجديد" أو "نيو هيومانيتريان"، 23 مارس 2026، والتي ترى احتمال تداخل الحرب الإثيوبية مع الحرب السودانية بما ينتج صراعا إقليميا واسعا يصعب احتواؤه.
ويرصد تحليل للأزمة السياسية والعسكرية التي تعيد تشكيل القرن الإفريقي في إثيوبيا في ظل الصراع مع تيغراي، نشره موقع "بوركينا" الإثيوبي، 14 أغسطس 2026، ثلاثة سيناريوهات للصراع هي:
السيناريو الأول: حرب استنزاف منخفضة الشدة (أعلى احتمال)، مشيرا إلى أن الأعمال العدائية لا تزال مركزة على طول قطاعات شيرارو وكوبو وهوميرا، ويستخدم كلا الجانبين غارات الطائرات المسيرة، وتبادل إطلاق النار بالمدفعية، والعمليات بالوكالة لإضعاف الخصم.
السيناريو الثاني: حدوث حريق إقليمي واسع النطاق (خطر متوسط إلى مرتفع)، لو شنت قوات جبهة تحرير شعب تيغراي، بدعم من المدفعية الإريترية والإمدادات اللوجستية عبر الحدود من السودان، هجوما مشتركا بهدف اختراق خطوط القوات الديمقراطية الإثيوبية الشمالية.
وردا على ذلك، بدأت القوات الفيدرالية حملة عسكرية شاملة باتجاه ميكيلي، وكثفت مصر إمداداتها من الأسلحة للقوات المعادية لإثيوبيا، مما سيحول الصراع إلى حرب إقليمية متعددة الجبهات ستؤدي إلى تعطيل خطوط الملاحة في البحر الأحمر.
السيناريو الثالث: اختراق دبلوماسي (احتمالية منخفضة)، ففي ظل ضغوط اقتصادية شديدة وضغوط دولية، قد تتفق الأطراف المتحاربة على وقف فوري لإطلاق النار.
ويتم وضع إطار عمل التفاوض عليه لبحث الثغرات الأساسية في اتفاقية بريتوريا، ووضع جدول زمني واضح لتسريح القوات، وحل وضع غرب تيغراي عبر استفتاء دستوري، وضمان انسحاب القوات الإريترية تحت إشراف دولي.
المصادر
- Renewed fighting in Tigray raises risk of a wider regional war
- Regional mega-war? How renewed conflict in Ethiopia could pull in Sudan
- Fano’s Kingdom: Inside the insurrection in northern Ethiopia
- The Axe Falls: Ethiopia, the TPLF, Eritrea, and the Unraveling of the Pretoria Peace
- Media Warfare, National Consequences: How Ethiopia’s propaganda war threatens fragile peace
- إثيوبيا... سلام تيغراي الذي لم يبدأ















