رجل أعمال سوداني اعتقله السيسي وتتهمه أميركا بدعم "حماس".. ما قصته؟

بعد غموض حول مصيره، أكدت مصادر إعلامية أن النظام المصري برئاسة عبد الفتاح السيسي اعتقل في 15 يناير/ كانون الثاني 2024 رجل الأعمال السوداني، عبد الباسط حمزة، الذي يتهمه الموساد الإسرائيلي والمخابرات الأميركية بدعم حركة المقاومة الإسلامية "حماس".
اعتقال عبد الباسط حمزة، وهو قيادي إسلامي وكان مقربا من نظام الرئيس السوداني السابق عمر البشير، أثار تساؤلات وتكهنات عديدة حول الأسباب، خاصة أن أجهزة أمن النظام المصري لم تُعلن بعد أسباب وخلفيات الاعتقال.
ومن بين التكهنات، أن التوقيف هو تسديد السيسي "قيمة" خدمات أميركية وإسرائيلية قُدمت لنظامه، آخرها إعلان واشنطن في 10 يناير 2024 دعمها اقتصاد مصر.
فيما يرى آخرون أنه جزء من موقف نظام السيسي "المتواطئ "ضد غزة، وانتقاله من حصار القطاع عبر معبر رفح، إلى قمع أي دعم للصمود الفلسطيني في مواجهة آلة القتل الجماعي الصهيونية، في صورة حمزة الذي تتهمه أميركا بتمويل حركة "حماس".
لكن فريقا آخر يرى أن اعتقاله جاء بغرض "الاستيلاء" على أمواله بنفس طريقة استيلاء نظام السيسي على أموال قيادات ورجال أعمال "الإخوان المسلمون" عقب انقلاب 3 يوليو/تموز 2023.
تكهنات عديدة
وتبلغ ثروة عبد الباسط حمزة 2 مليار دولار، ولديه مشاريع ضخمة في مصر، بينها حصة في شركة "ماتز القابضة"، وهي شركة قبرصية تأسست في فبراير/ شباط 2005، وحصلت على امتياز مربح لاستغلال منجمين للذهب في مصر، وفقا لوثائق "الاتحاد الدولي للصحفيين الاستقصائيين" نشرتها في 22 ديسمبر/كانون الأول 2023.
كما أن أميركا رصدت مكافأة 10 ملايين دولار للقبض وتسليم حمزة، ولا يستبعد أن يكون اعتقاله بمصر يستهدف أيضا الحصول على هذه المكافأة.
وكان أول من أكد اعتقال النظام المصري لحمزة هو الصحفي السوداني المحسوب على التيار الإسلامي، عبد الماجد عبد الحميد، والقريب من رجل الأعمال المعتقل، والذي أشار لربط دوائر المخابرات بين القاهرة وواشنطن في وسم حمزة بـ"الإرهاب".
لكن عبد الحميد قال في تدوينة عبر فيسبوك في 16 يناير، إن "سلامة حمزة تقع على عاتق السلطات المصرية التي عليها توضيح تفاصيل أكثر عن خلفيات الاعتقال".
وحمزة الذي كان يقيم في القاهرة مطلوب لدى واشنطن، وسبق أن فرض مكتب الرقابة على الأصول الأجنبية التابع لوزارة الخزانة الأميركية عقوبات ضده، ضمن قائمة شملت عشرة أعضاء من حركة "حماس" ومؤيدين لها في 18 أكتوبر/تشرين الأول 2023.
وكان رجل الأعمال المعتقل، ضابطا وعسكريا سابقا، وعضوا في حزب المؤتمر الوطني الذي حكم السودان بين عامي 1989 و2019، وكان مقربا من حكومة البشير.
وذكر موقع "خارون" المتخصص في الجرائم المالية في 27 أكتوبر 2023 أن حمزة يمتلك أو يشارك فيما قال إنها شركات استثمار في السودان وأوروبا والعالم العربي.
وأفاد بأن "عبد الباسط حمزة الحسن محمد خير"، يدير شركات تطوير واستثمار وتداول مقرها في السودان وتركيا وإسبانيا وأماكن أخرى في أوروبا والشرق الأوسط.
إحدى الشركات التي يديرها هي "أجروجيت هولدينغ"، التي فرضت الحكومة الأميركية والإسرائيلية عليها عقوبات في مايو/أيار وأغسطس/ آب 2022 بزعم "أنها مملوكة لحماس أو تسيطر عليها أو تديرها، بشكل مباشر أو غير مباشر".
سجن وإفراج
وحمزة هو أيضا رئيس مجلس إدارة "مجموعة الزوايا للتنمية والاستثمار" ومقرها السودان، والتي فرضت عليها الحكومة الأميركية عقوبات، ولها فروع في تركيا وإسبانيا.
وتدير "مجموعة الزوايا"، الشركة الأم لشركة أجروجيت القابضة، التي لها شركات أخرى تابعة واستثمارات في النمسا وقبرص ومصر والسودان، وفقا لسجلات الشركات والمواقع الإلكترونية للشركة.
وزعم موقع "خارون" أنه منذ عام 2013، تم تصنيف حمزة بصفته "الميسر المالي" الرئيس لحماس في السودان من خلال شبكة من الشركات التي تنقل الأموال من خلال حسابات مصرفية دولية، وفقا لتقارير إعلامية.
وبحسب تقرير لوكالة "رويترز" البريطانية عام 2021، كان حمزة حليفا لعمر البشير، وعقب الانقلاب عليه، وتولي حكومة يسارية بالتعاون مع قادة الجيش الانقلابيين، تم تشكيل لجنة تُسمى "لجنة إزالة التمكين" لمحاربة قادة نظام البشير.
وفي 14 أبريل/نيسان 2020، أعلنت هذه اللجنة عن استرداد أسهم شركات وعقارات تابعة لحمزة، قيمتها 1.2 مليار دولار.
أيضا قررت حكومة رئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك تجريد حمزة من كثير من ممتلكاته عام 2020، قدرت قيمتها بنحو ملياري دولار.
وتم تقديم رجل الأعمال للمحاكمة بالخرطوم في 19 أبريل 2021 حيث قضت المحكمة عليه بالسجن 10 سنوات، بدعوى "مخالفته قوانين الثراء الحرام وغسيل الأموال ومحاربة الإرهاب وقانون تنظيم التعامل بالنقد الأجنبي".
لكن محكمة الاستئناف بالخرطوم ألغت في يوليو/تموز من نفس العام الحكم الصادر بحقه.
وبسبب استهداف السلطات له انتقل إلى مصر عام 2021 حيث اعتقله السيسي في 2024.
علاقته بحماس
في أعقاب عملية "طوفان الأقصى" في 7 أكتوبر 2023، فرضت وزارة الخزانة الأميركية عقوبات على نشطاء من حركة "حماس" ومن قالت إنهم "الميسرون الماليون لها".
مكتب مراقبة الأصول الأجنبية (OFAC) التابع للوزارة الأميركية أعلن عبر بيان في 18 أكتوبر 2023 عقوبات على 10 أعضاء في حماس ونشطاء وميسرين ماليين في غزة وأماكن أخرى منها السودان وتركيا والجزائر وقطر".
وأوردت الخزانة الأميركية اسم "عبد الباسط حمزة" ضمن ممولي الحركة الفلسطينية، وعدته أحد "الأعضاء الذين يديرون الأصول في محفظة استثمارية سرية لحماس".
وزعمت أنه يقوم بـ"التنسيق الوثيق مع الشركاء والحلفاء الإقليميين" الآخرين لدعم حماس ماليا.
ووصفته بأنه "ممول لحماس مقيم في السودان، وشارك سابقا في تحويل ما يقرب من 20 مليون دولار إلى الحركة".
وزعمت الخزانة الأميركية أن "حمزة قام بتسهيل الأموال لحماس من خلال شبكة من الشركات الكبرى في السودان، لغسيل الأموال وتوليد الإيرادات لحماس، منها شركة الرواد للتطوير العقاري ومقرها السودان".

وأظهر تحقيق أجراه الاتحاد الدولي للصحفيين الاستقصائيين وشاركت فيه شبكة "شومريم" الإسرائيلية للصحافة الاستقصائية في 22 ديسمبر 2023، أن حمزة كان يمتلك حصصا في شركة "ماتز" القابضة القبرصية التي تمتلك حق استغلال اثنين من مناجم الذهب في مصر.
واستند التحقيق إلى وثائق عُرفت بـ"تسريبات قبرص السرية" في 14 نوفمبر/ تشرين الثاني 2023، تزعم أن حمزة لديه "علاقات تجارية واسعة في أوروبا ويمتلك حصة في شركة مربحة في قبرص تستخرج الذهب من مصر".
ولوحظ أن تقرير الصحفيين الاستقصائيين استند لتصريحات مسؤول كبير سابق في الموساد، أودي ليفي، الذي وصف حمزة بأنه "شخصية مركزية في المحفظة الاستثمارية لحماس"، وتم الاعتماد على شهادته كأنها "حقيقة مسلَّم بها".
من جانبه، أرسل حمزة، بيانا مكتوبا لشبكة "سي إن إن" الأميركية في 23 ديسمبر 2023، والتي نشرت هذه المزاعم عنه نقلا عن إسرائيليين، ينفي فيه علاقته بتمويل حركة حماس وكذلك علاقته بزعيم تنظيم "القاعدة" الراحل أسامة بن لادن.
وكشف حمزة أنه أفرج عنه في عام 2021 لأنه "بريء من اتهامات الفساد"، وأكد عدم وجود أي صلة له بالشركة التي يستخدمها مكتب مراقبة الأصول الأجنبية لتقديم المساعدة المزعومة لحماس في غسيل الأموال من خلالها.
وأعرب عن دهشته من تصرفات وزارة الخزانة الأميركية ومعلوماتهم "غير الصحيحة"، قائلا إنه أرسل لهم "ليصححوا ما نشروه عنه من مزاعم حول دعمه لحماس، استنادا لمعلومات إسرائيلية".
مقابل خدمات
وتداول محللون وناشطون مصريون وسودانيون تفسيرات مختلفة لأسباب اعتقال أجهزة أمن النظام المصري حمزة، وعلاقة ذلك باتهام أميركا وإسرائيل له بدعم "حماس".
ورأوا أن اعتقال السيسي لرجل الأعمال السوداني دليل جديد على مشاركة السيسي في حصار غزة، بعد فضح إسرائيل له أمام محكمة العدل الدولية، والذي الذي ينفيه النظام، لكنه يتحرك فعليا في سياق المشاركة في إطباق الحصار على حماس.
نظام #السيسي يعتقل رجل الأعمال السوداني، عبد الباسط حمزة، الذي اتهمه الموساد الإسرائيلي ووزارة الخزانة الأميركية بتقديم دعم مالي لحركة #حماس.
الخبر يشير إلى أن دعم النظام للعدوان على الشعب الفلسطيني يتجاوز حماية حدود #مصر مع #غزة إلى قمع أي دعم للصمود الفلسطيني في مواجهة آلة… pic.twitter.com/FyfFBi60u8— أحمد بن راشد بن سعيّد (@LoveLiberty_2) January 17, 2024
وقالوا إنه كان بإمكان النظام أن يطلب منه مغادرة مصر إن لم تكن قادرا على حمايته، لكنه سارع لتقديم خدمة لواشنطن ضمن موقفها الموالي لإسرائيل والغرب.
ورجحوا أيضا أسباب اعتقال نظام السيسي لحمزة بأنه لتسديد "مقابل" خدمات قدمتها له أميركا وإسرائيل، بخلاف دعمهما لنظامه.
أيضا زعمت تقارير صحفية أن اعتقال حمزة يتعلق بـ"مواجهة الفساد ومراقبة الأسواق بشأن تعاملاته في تعدين وتجارة الذهب في مصر"، حسبما ذكر موقع "بي بي سي" في 19 يناير 2024.
لكن "الحقيقة" كما أوضح محلل اقتصادي مصري لـ"الاستقلال" أن اعتقال حمزة "جاء لضرب نظام السيسي عدة عصافير ومكاسب بحجر واحد، منها سعيه للاستيلاء على ذهب العديد من التجار المصريين بدعاوى مضاربتهم بالدولار والذهب".
وأكد المحلل أن "سلطات السيسي قامت منذ 14 يناير بحملة اعتقالات لعدد من كبار تجار الذهب بتهمة الاتجار بالدولار وأغلقت بعض المحلات، منهم تاجر معروف وهو روماني عيسى".
وبعد يوم واحد من هذه الحملة تم اعتقال رجل الأعمال السوداني، وألمحت صحيفة "القاهرة 24" المحسوبة على نظام السيسي في 18 يناير، أن حمزة الذي له امتيازان للبحث عن الذهب في مصر، على علاقة بروماني عيسى إمبراطور الذهب الذي اعتقله النظام أيضا.
لكن المحلل الاقتصادي المصري، الذي فضل عدم ذكر اسمه، قال إن "هناك هستيريا داخل النظام المصري لاقتراب سداد 21.38 مليار دولار ديون وأقساط وفوائد خلال الربع الأول من عام 2024".
وأوضح أنه "لهذا السبب ارتفع سعر الدولار في السوق بصورة وبائية، لأن حكومة النظام تشتريه من السوق بأي سعر وتطبع مقابله أموالا جديدة، كما شنت الحملة على تجار الذهب، وهو ما أتى بنتائج سلبية أدت إلى زيادة جديدة في أسعار الذهب والدولار".
















