إيزابيل دياز أيوسو.. حاكمة مدريد الشعبوية الصاعدة سياسيا والهابطة أخلاقيا

داود علي | a month ago

12

طباعة

مشاركة

العاصمة الإسبانية المعروفة بجمالها “مدريد”، تحكمها إيزابيل دياز أيوسو، الرئيسة اليمينية الشعبوية التي تقود الحزب "الشعب" المتحالف مع اليمين المتطرف. 

أيوسو غير كونها يمينية تحمل أفكارا متطرفة، لكنها داعمة بقوة لإسرائيل، ومؤيدة للإبادة الجماعية في غزة، حتى إن أحد الصحفيين الإسبان وصفها بأنها ربما تحب إسرائيل أكثر مما تحب إسبانيا نفسها.  

وفي 10 مايو/ آيار 2024، كتب الصحفي الإسباني “خوان خوسيه ماتيو”، أن "أيوسو تلوم رؤساء الجامعات على الاحتجاجات لأجل غزة، وترى أن رغبة الحكومة الإسبانية في الاعتراف بالدولة الفلسطينية أمر جنوني وغير عادل".

وشبه ماتيو، في مقال بصحيفة "إلبايس" المحلية، أيوسو بأنها نسخة نسائية من الرئيس الأرجنتيني المثير للجدل خافيير ميلي، وهو يميني متطرف أيضا يطلقون عليه "ترامب الأرجنتيني". 

كما تقف أيوسو بقوة ضد رئيس وزراء بلادها وخصمها اللدود في آن واحد، بيدرو سانشيز، الذي عزم وحكومته اتخاذ خطوة نحو الاعتراف بالدولة الفلسطينية.

إضافة إلى دعمه حراك الجامعات الإسبانية القوي ضد إسرائيل، ففي 9 مايو 2024، قررت 50 جامعة حكومية و26 جامعة خاصة في إسبانيا قطع علاقات التعاون مع الجامعات ومراكز الأبحاث الإسرائيلية، تنديدا بجرائم الحرب الإسرائيلية ضد سكانها. 

فمن هي إيزابيل دياز أيوسو؟ وما طبيعة علاقتها بإسرائيل؟ وكيف تتطلع لحكم إسبانيا بالمستقبل؟ 

أيوسو في سطور 

اسمها بالكامل "إيزابيل ناتيفيداد دياز أيوسو"، ولدت يوم 17 أكتوبر/ تشرين الثاني 1978 في مدريد، لعائلة تسكن مقاطعة "شامبيري"، وما زالت حتى الآن تسكن وتعيش في تلك المقاطعة. 

كان والداها يعملان في مجال تجارة المستلزمات الطبية، وتنحدر عائلتها من جهة الأب إلى بلدية "أفيلا في سوتيلو دي لا أدرادا" التابعة لمجتمع قشتالة وليون. 

تخرجت "إيزابيل" في قسم الصحافة من جامعة "كومبلوتنسي" المدريدية، ثم حصلت على درجة الماجستير في البروتوكول والاتصال السياسي. 

ومع ذلك تتهمها وسائل إعلام معارضة بعدم الحصول على الماجيستير، وأن ما حازته مجرد دورة دراسية لمرحلة ما بعد الجامعة. 

بدأت مسيرتها الحياتية في العمل كإعلامية في محطات إذاعية في إسبانيا وإيرلندا، قبل أن تنتقل إلى الإكوادور لتعمل في شركة إنتاج تلفزيوني.

وهناك كثير من الشبهات تطال مسيرتها، وثمة اتهامات بأنها تحاول عمدا إخفاء سيرتها الذاتية خاصة في مرحلة دراستها الجامعية، ووظائفها فيما بعد التخرج.

ومما يتعلق بمعتقداتها الدينية فقد تم تعميد إيزابيل كمسيحية كاثوليكية، لكنها أصبحت غير متدينة في سن التاسعة بعد وفاة جدها. 

ثم أعلنت عودتها إلى الإيمان الكاثوليكي عام 2021 في ظل جائحة كورونا، ووقتها طالبت المواطنين بالصلاة من أجلها بعد إصابتها بـ "كورونا"، لكن معارضيها فسروا ذلك بتطلعاتها السياسية ومغازلتها لحلفائها من اليمين المتطرف. 

صعودها السياسي

في 13 يناير/ كانون الثاني 2022، نشرت مجلة "بوليتيكو" الإسبانية تقريرها عن "إيزابيل أيوسو" ورحلة صعودها إلى حكم مدريد، تحت عنوان "أنا مقاتلة". 

ووصف التقرير حاكمة مدريد بأنها تصور نفسها بوصفها بطلة لجميع الإسبان ضد الإملاءات التي يفرضها اليسار "الراديكالي" على حد زعمها. 

فدائما أيوسو تشير إلى المعارضة على أنها "شيوعية" وتتهمهم بالرغبة في إشعال النار في الكنائس الكاثوليكية (كما فعل مثيرو الشغب المناهضون لرجال الدين قبل الحرب الأهلية الدموية في إسبانيا  عام 1936).

وذكر التقرير بأنها الآن أخطر منافس لسانشيز "رئيس وزراء البلاد"، وأنها وصلت لمنصبها خلال مزيج من الكاريزما والشجاعة والاستعداد للعمل مع اليمين المتطرف الصاعد في إسبانيا، وكذلك كونها بارعة في حياكة المؤامرات، حتى لأقرب رفاقها. 

فخلال خطاباتها تقول أيوسو عن نفسها "أنا مقاتلة وأقاتل وأقاتل"، وهو ما جعل سانتي ريفيرو، النائب الإقليمي للحزب الاشتراكي الإسباني، وأحد خصومها، يقول عنها: "إنها سياسية، إنها دائما ما تتفوق على وزنها النسبي، وتواجه أعداء يجعلونها تبدو أكبر وأكثر أهمية مما هي عليه في الواقع". 

وهو ما يشير إلى الكيفية التي وصلت بها أيوسو لقيادة مجتمع مدريد والتربع على عرش مدينة التاج الملكي الإسباني. 

في عام 2005 التحقت أيوسو بحزب "الشعب" عندما كان السياسي الإسباني بابلو كاسادو رئيسا، ويقود موجة الدفع بأجيال جديدة في شعبة الحزب بمدريد. 

وفي عام 2006، تم تعيينها من قبل ألفريدو برادا (عضو الحزب) ووزير العدل والداخلية آنذاك في حكومة مجتمع مدريد، كمسؤولة عن قسم الدعاية بالحزب.

وقتها حصلت أيوسو على ثقة "اسبيرانزا أغيري"، الحاكمة السابقة لمدريد بين أعوام 2003 و2012، حيث تخصصت في الاتصال السياسي، وأدارت المنصات الإلكترونية لحزب الشعب. 

وفي 2015 تولت مسؤولية الحملة الدعائية، لكريستينا سيفوينتس، السياسية القوية بالحزب، والتي حكمت مدريد أيضا من 2015 إلى 2018. 

في تلك المرحلة لعبت إيزابيل العديد من الأدوار حيث كانت مرشحة على قائمة حزب الشعب لانتخابات جمعية مدريد عام 2011، ولم يتم انتخابها كعضو في البرلمان في ذلك الوقت. 

لكنها دخلت المجلس التشريعي التاسع للبرلمان الإقليمي في 15 يوليو/ تموز 2011، لملء المنصب الشاغر الذي سببته استقالة إنغراسيا هيدالغو (سياسية إسبانية انتمت لحزب الشعب)، وجددت عملها كنائبة في انتخابات 2015.

"البارونة" 

في سبتمبر/ أيلول 2017، إلى جانب منصبها كنائبة، تم تعيينها كمساعد لوزير الرئاسة والعدل الإقليمي.

وفي مايو 2018، تم تعيينها نائبة لوزير الاتصالات، ثم أصبحت المتحدث باسم برلمان مدريد. 

وفي 11 يناير 2019، بدأت مسيرة أيوسو تأخذ منحى مختلفا، عندما قرر رئيس حزب الشعب "بابلو كاسادو"، تعيينها على رأس قائمة حزبه لانتخابات جمعية مدريد 2019، وبذلك غدت مؤهلة لخوض انتخابات رئاسة المدينة. 

وفي 5 مايو 2021، فاز اليمين الإسباني وزعيمته أيوسو، في انتخابات منطقة مدريد، وتكبد الحزب الاشتراكي (الحاكم) بزعامة رئيس الوزراء بيدرو سانشيز هزيمة كبرى. 

لكن حزب الشعب لم يتمكن من حصد الغالبية المطلقة أي 69 مقعدا، وهو ما اضطره لتشكيل ائتلاف مع حزب "فوكس" اليميني المتطرف (13 مقعدا)، الذي كان متحالفا مع أيوسو على مدى عامين.

بعدها تربعت أيوسو على عرش مدريد كحاكمة شرسة، سيكون لها مواقف صدامية لا تنسى. 

وقال عنها ا خوسيه ماريا أثنار (رئيس وزراء إسبانيا من 1996 إلى 2004)، بأنها "أعظم موهبة سياسية طبيعية منذ عقود"، ثم وصفها بـ "البارونة". 

سليطة اللسان

وبالفعل أصبحت أيوسو أقوى شخصية في الحزب، أقوى من رئيس الحزب نفسه، بابلو كاسادو، لدرجة  جعلت من يسمون بـ"زعماء الحزب" يفكرون مرات عديدة قبل معارضتها. 

وهو ما استشعره كاسادو فبدأ بمحاولة كبح جماحها، ليتحدث في لقاء تليفزيوني عن تورط أخيها في صفقات مشبوهة.

فأدار مساعدو أيوسو، ووسائل الإعلام التابعة لها انقلابا علنيا أطاح به خلال أيام قليلة.

وفي 10 مايو 2022، منح ما مجموعه 6951 عضوا من حزب الشعب في مدريد أصواتهم، لـ "أيوسو" لتتمكن من رئاسة الحزب، بنسبة 99.73 بالمئة من الأصوات المدلى بها.

وفي 1 أبريل/ نيسان 2024، نشرت صحيفة “إلبايس”، تقريرها عن سطوة أيوسو، وأوردت أنه "رغم فضائح الفساد التي طالت أخاها، وأباها، وأخيرا صديقها الحميم، ورغم احتمال تورطها هي نفسها، وارتجالها السهل لأكاذيب ومغالطات تخص هذه الفضائح في مؤتمراتها الصحفية، لكنها لا تزال تحقق نجاحات  في كل استطلاعات الرأي المدريدية". 

وأضافت: "لا تخفي أيوسو هدفها، أن تكون أول امرأة تحكم إسبانيا، فتكسب تأييدا وتصفيقا مدويا من جماهيرها في كل مرة تتجاوز حدود سلطتها". 

ودلل على هذا أحد أكثر وقائع أيوسو المثيرة للجدل، في 9 أبريل 2024، عندما دخلت في تناطح مع رئيس الوزراء بيدرو سانشيز داخل البرلمان، وقتها التقطت الكاميرات حركات شفتي أيوسو وهي تسب سانشيز، مستخدمة لفظ "ابن العاهرة".

متيمة بإسرائيل 

في 10 مايو 2024، وصف موقع "الدياريو" الإسباني أيوسو بأنها "متيمة بإسرائيل"، وذلك تعليقا على خطابها التي هاجمت فيه طلاب الجامعات الذين يخيمون لأجل غزة. 

وقالت حاكمة مدريد: "لم يفعلوا الشيء نفسه عندما هاجمت حماس إسرائيل". لكنها تجاوزت ذلك عندما اتهمت الطلاب بمعاداة السامية، ثم طالبت بتدمير غزة لصالح الديمقراطية الإسرائيلية، حسب زعمها. 

ثم تهكمت على الطلاب والمناضلين ضد جرائم الصهيونية، وتساءلت "عما إذا كان أينشتاين سيطرد من الجامعات"، وأتبعت: "هل سيبعدون العلوم والتكنولوجيا وكل ما تساهم به إسرائيل؟".

لكن المثير أن كلمات أيوسو أغضبت مجتمع الطلاب الإسباني، وانتفض عدد من طلاب جامعتها السابقة "كومبلوتنسي" ونصبوا خياما في أفنية الجامعة، ورفعوا أعلام فلسطين وهتفوا بحريتها. 

وخلال الهتاف "فلسطين الحرة من البحر إلى النهر"، ردد البعض "ربما تكون بداية لحركة 15 مايو جديدة"، في استعادة لذكرى حركة الاحتجاج الطلابية التي بدأت يوم 15 مايو 2011، وقامت باحتلال الميادين اعتراضا على تدهور الأوضاع السياسية والاجتماعية في البلاد. 

ليقول البعض إن الصعود الدراماتيكي لإيزابيل أيوسو، وتطلعاتها لحكم إسبانيا، قد يحبطه النضال الفلسطيني، وموجة التعاطف العالمية مع غزة، خاصة في إسبانيا،