شرط الملك.. هل حان وقت تحرير المغرب لأجواء الصحراء من الوصاية الإسبانية؟

منذ عامين

12

طباعة

مشاركة

بعد عقود من استعادة سيادتها عليها، استطاع المغرب أن يحصل على إدارة المجال الجوي للأقاليم الجنوبية والتي تعد تحت السلطة الإسبانية إلى الآن.

وأورد موقع "الكونفيديسيال ديجيتال" الإسباني، 23 فبراير/شباط 2024، أن رئيس الحكومة بيدرو سانشيز، الذي عاد وقتها من المغرب، رفع الحظر عن نقل إدارة المجال الجوي للصحراء الغربية إلى الرباط.

وأشار إلى أن هذا هو الشرط الذي وضعه الملك محمد السادس لإعادة فتح حدود سبتة ومليلية الخاضعتين لإسبانيا مع المغرب.

ولعقود من الزمن، جرت إدارة المجال الجوي للصحراء من جزر الكناري، على النحو الذي أنشأته منظمة الطيران المدني الدولي التابعة للأمم المتحدة.

 وتتم هذه الإدارة من قبل ENAIRE، وهي شركة عامة تابعة لوزارة النقل الإسبانية.

إثارة هذا الملف تأتي بالتزامن مع مرور 48 سنة على تصفية الاستعمار الإسباني للصحراء، وهو يصادف الـ26 من شهر فبراير.

في ذلك اليوم نقل السفير الإسباني لدى الأمم المتحدة آنذاك، خايمي دي بينييس، إلى المجتمع الدولي إرادة الحكومة الإسبانية في المضي قدما بشكل منظم وسلمي، لإنهاء الاستعمار من الإقليم، لتتخلص السلطات الإسبانية من صلاحياتها الإدارية على الصحراء باستثناء مجال واحد، وهو الجوي.

تقدير موقف

في قراءته للخطوة، قال خالد شيات، أستاذ القانون الدولي والعلاقات الدولية بجامعة محمد الأول بوجدة، إن هذا الإجراء الإسباني ليس منفلتا من محيطه العام للعلاقات المغربية-الإسبانية.

وأضاف شيات لـ "الاستقلال"، كما أنه ليس منفلتا من الضوابط التي أصبحت تحكم هذه العلاقات، خاصة على المستوى السياسي، والتي تم تأطيرها من خلال الموقف الإسباني الداعم لمقترح المغرب المتعلق بالحكم الذاتي لحل نزاع الصحراء.

ويقترح المغرب حكما ذاتيا موسعا للصحراء الغربية، لحل النزاع القائم حولها، مقابل تمسك جبهة "البوليساريو"، المدعومة من الجزائر، بحق تقرير المصير، المفضي إلى بناء دولة مستقلة عن الرباط.


 

وشدد الأستاذ الجامعي أن هذه النقطة بحد ذاتها، أي دعم إسبانيا لموقف المغرب بخصوص الصحراء، هي منطلق لشراكات متعددة، على مستويات اقتصادية وتجارية ومالية وغيرها.

وذكر شيات أن قرار إسبانيا بخصوص نقل إدارة الأجواء إلى المغرب، يعكس التفاهمات القائمة والمتطورة بين الرباط ومدريد، على مستويات متعددة، ومنها ترسيم الحدود البحرية، ولاسيما مع جزر الكناري.

وأوضح أن تبعات هذا الترسيم على المستوى التقني كثيرة، ومنها مراقبة الأجواء، حيث سيتم نقل مراقبتها من جزر الكناري إلى المغرب.

وأبرز الأستاذ الجامعي أن هذه الخطوة تمضي في مسار إيجاد بيئة مناسبة لتكريس واقعية وجود المغرب على كل الحدود الجنوبية للبلاد، سواء أكانت بحرية أو برية أو جوية.

وخلص شيات إلى أن هذا التفاهم بين الرباط ومدريد، سيجعل قضية الصحراء مسألة متجاوزة في أدبيات الممارسة السياسية المغربية الإسبانية.

ردود غاضبة

عدد من المنابر الإعلامية الإسبانية عبرت عن رفضها للقرار الذي اتخذه رئيس الحكومة بيدرو شانشيز، واصفة إياه بالتابع والخاضع لشروط الرباط.

وفي هذا الصدد، قال موقع "adelanteespana"، في 24 فبراير 2024، إن سانشيز عاد من زيارته التي كانت في 21 من ذات الشهر بخفي حنين.

إذ لم يتم تحديد موعد لفتح الحدود الجمركية بين المغرب وسبتة ومليلية، حيث تواصل الرباط منع الأمر "لأسباب فنية".

ورأى المصدر ذاته أن سانشيز خضع لابتزاز آخر، ويتعلق برفع الحظر عن نقل إدارة المجال الجوي للصحراء إلى المغرب.

وأبرز أن هذا الأمر يظهر أن رئيس الحكومة على استعداد لتقديم كل شيء للمغرب مقابل لا شيء تقريبا.

وذكر الموقع أن هذا النقل غير قانوني، لأن الحكومة الإسبانية تعلم أنها تنتهك الشرعية الدولية، لأن مدريد هي القوة الإدارية وليست المالك للمجال الجوي الصحراوي.

لذلك، يردف المصدر ذاته: "ولأغراض الشرعية الدولية، لا تملك إسبانيا أي سلطة لتقرير ما إذا كانت ستسلم الإدارة إلى المغرب أم لا، على الرغم من أن بيدرو سانشيز وعد محمد السادس بذلك".

من جانبه، رأى رئيس جزر الكناري فرناندو كلافيجو، أن إسبانيا تتفاوض "من الباب الخلفي" مع الدولة المغربية.

وشدد على أن "نقل إدارة المجال الجوي للصحراء هو الحلقة الأخيرة من استسلام الحكومة الإسبانية الذي لا نفهمه ولا نتشاركه".

وأوضح كلافيجو لموقع "atlanticohoy"، في 26 فبراير 2024، قائلا "نحن أمام خطوة أخرى في عملية الاحتلال المغربي للصحراء الغربية ومواردها، وهي خيانة للشعب الصحراوي"، وفق تعبيره.

قضية الصحراء

ذكر موقع "صوت المغرب" المحلي، 27 فبراير 2024، أن الرباط ومدريد بدأتا المناقشات بشأن ملف إدارة المجال الجوي لمنطقة الصحراء منذ 2022.

وهذا الملف يحظى بأهمية قصوى للرباط، خاصة بعد تأييد مدريد لمقترح الحكم الذاتي الذي يقترحه المغرب لحل نهائي للنزاع القائم حول الصحراء مع جبهة البوليساريو الانفصالية.

ورأى الموقع أن الاتفاق حول الملف حال نقل الإدارة للمغرب يحقق العديد من المكاسب السياسية والاقتصادية للرباط، وترتبط به مصالح عسكرية كبرى، تفسّر إدراج الرباط هذه النقطة ضمن أجندة علاقاتها مع مدريد في لحظة مكاشفة استثنائية.

وأوضح أنه تحت ضغوط سياسية داخلية، اضطرت الحكومة الإسبانية إلى التوضيح في مرحلة أولى أن الأمر لا يتعلق بـ"تنازل" عن إدارة المجال الجوي للصحراء.

 بل بمفاوضات حول التنسيق أكثر وتحقيق أمن أكبر للرحلات الجوية في هذه المنطقة، قبل أن تقدم عشية الانتخابات التشريعية ليوليو/تموز 2023، على إعلان تعليق هذه المفاوضات.

وأضاف الموقع، أنه رغم التقدّم الذي حققه المغرب في مجال ممارسة السيادة على المجال البري، والاختراقات التدريجية التي تتحقق في المجال البحري، بقيت مسألة السيطرة على المجال الجوي عالقة.


 

وذلك بالنظر إلى استناد المنظمة الدولية للطيران المدني إلى الأمم المتحدة كمرجعية قانونية، حيث تواصل هذه الأخيرة إدراج الصحراء ضمن الأقاليم التي لم تقرر مصيرها.

من جانبه، رأى موقع "فبراير" المحلي، 26 فبراير 2024، أن هذا التحول يأتي كخطوة جديدة قد تعزز التعاون بين المغرب وإسبانيا، وتفتح أفقا جديدا للتفاهم المشترك في القضايا الإقليمية والدولية.

وشدد المصدر ذاته أن التحكم الكامل في المجال الجوي سيكون مفصليا في تثبيت السيادة على الصحراء الغربية منذ استرجاع المغرب للمنطقة.

وأوضح أنه منذ سبعينيات القرن الماضي، بقيت نقطتان مهمتان لتثبيت هذه السيادة، هما ترسيم الحدود البحرية مع جزر الكناري والتحكم في المسار الجوي للمناطق الجنوبية.

وأشار إلى أن المجال الجوي للأقاليم الجنوبية للمملكة، بقي يدار انطلاقا من مركز المراقبة الجوية في جزر الكناري.

إذ تضطر الطائرات المدنية الوافدة إلى مطاري الداخلة والعيون في الصحراء الغربية إلى طلب تراخيص من المركز المذكور.

 وهو الوضع الذي تضغط الرباط من أجل تغييره تأكيدا لسيادتها الكاملة على أراضي الصحراء وبحرها وأجوائها.

موقف متقدم

يرى محمد سالم عبد الفتاح، رئيس المرصد الصحراوي للإعلام وحقوق الإنسان، أن "نقل إدارة المجال الجوي إلى المغرب، يأتي في سياق الموقف المتقدم لمدريد، أو تصحيح إسبانيا لموقفها إزاء قضية الصحراء، وتبنيها لهذا الموقف المتقدم الداعم للمملكة، وللمبادرة المغربية للحكم الذاتي".

وأضاف عبد الفتاح لـ "بلادنا"، 27 فبراير 2024، "هذه الخطوة تأتي في سياق التطورات السياسية والدبلوماسية التي يشهدها ملف قضية الصحراء، والتي تصب كلها في صالح تكريس واقع السيادة المغربية، كما تصب في تقويض المشروع الانفصالي وتجاوز الجبهة الانفصالية".

وشدد المتحدث ذاته أن "مدريد أعربت في أكثر من مناسبة، وعلى ألسن مختلف المستويات، اعتزامها المضي قدما في الشراكات الإستراتيجية التي تجمعها مع المملكة".

ورأى رئيس المرصد أن "هذه الشراكات، هي التي تتطلب إبداء مواقف صريحة داعمة للمغرب، كما تتطلب دعم واقع السيادة المغربية على الأرض، بما في ذلك إعادة الإدارة الجوية للأقاليم الجوية لصاحب السيادة الشرعية (الرباط)"، وفق قوله.

وشدد عبد الفتاح أن "هذه التطورات تنسجم مع الزخم الذي تشهده العلاقات بين البلدين، بحكم أن إسبانيا باتت الشريك الإستراتيجي الأول بالنسبة للمملكة.

وأشار إلى أن "المغرب هو المورد الثالث بالنسبة لإسبانيا من خارج الاتحاد الأوروبي بعد كل من بريطانيا والولايات المتحدة، فضلا عن الزخم الثقافي والحضاري الذي تزخر به هذه العلاقات الثنائية".

وخلص الباحث السياسي إلى أن "هذا التطور يكرس أيضا المقاربة الدبلوماسية الملكية، التي سبق أن عبرت عنها خطابات جلالة الملك، والتي تضع قضية الصحراء في صلب العقيدة الدبلوماسية للمملكة".

بدوره، ذكر الباحث في الدراسات الأمنية والاستراتيجية محمد الطيار، أن ملف ترسيم الحدود الجوية مرتبط بمسألة ذات طابع تقني، بحيث أن إسبانيا تشرف على سلامة الطيران في الصحراء منذ الأربعينيات من القرن الماضي، لكن المغرب في واقع الأمر يمارس سيادته الكاملة على الملاحة الجوية فيها.

وأضاف الطيار لموقع "العرب" اللندني، 28 فبراير 2024، "الطائرات العسكرية المغربية مرتبطة فقط بالأبراج الموجودة في المنطقة، والطيران المدني مرتبط بنقاط المراقبة والتسيير المغربية".

وشدد الباحث الأكاديمي أن "الملف ذو طابع تقني ولا بد أن يحل بين البلدين في القريب العاجل، بحكم أن المغرب يمارس سيادته في ما يتعلق بالملاحة الجوية".

وفي نفس الوقت "تستفيد إسبانيا من الكثير من الامتيازات والرسوم، بحكم أنها المسؤولة أمام الهيئة الدولية المسؤولة عن الطيران والملاحة الجوية".

وخلص الطيار إلى أن "الموقف الإسباني بشأن الصحراء الذي رأى أن الحكم الذاتي هو الحل الأوحد لهذه المشكلة، يعني أن المغرب لا بد أن يمارس سيادته الكاملة على أقاليمه الجنوبية، بما فيها الإشراف على مجالها الجوي".