حسن الكردي.. الوجه الخفي لشبكات النفوذ في قطاع النفط العراقي

حسن الكردي فرّ خارج العراق مع شقيقه وبصحبتهما نصف مليار دولار أميركي
لم يكن اسم حسن الكردي معروفاً لدى الرأي العام العراقي خارج الأوساط الاقتصادية وقطاع العقود النفطية، إلا أن حملة مكافحة الفساد التي أطلقتها الحكومة العراقية برئاسة علي فالح الزيدي في أواخر مايو/أيار 2026 وضعته فجأة في صدارة المشهد.
وبات الكردي يوصف بأنه أحد أبرز المطلوبين في قضية عقود مصافي النفط، التي تُعد من أكبر ملفات الفساد التي شهدها قطاع النفط العراقي خلال السنوات الأخيرة.
وتصاعد الاهتمام بالكردي بعد اعتقال وكيل وزير النفط، عدنان الجميلي، في 30 مايو/أيار؛ إذ تزامنت العملية مع تداول معلومات عن مغادرته العراق، قبل أن تتحدث مصادر إعلامية عن فراره إلى فرنسا برفقة شقيقه محمد، وسط أنباء عن صدور مذكرة قبض دولية بحقهما عبر الإنتربول.
ورغم المعلومات المتداولة عنه، فإن الكردي لا يشغل منصباً حكومياً معروفاً، بل يُعرف بوصفه رجل أعمال ومقاولاً عمل في مشاريع مرتبطة بمصافي الشمال، لا سيما مصفى بيجي الذي يُعد أكبر مجمع لتكرير النفط في العراق.
لكن اسمه أخذ يتردد خلال السنوات الماضية داخل الأوساط السياسية والاقتصادية، بصفته شخصية تمتلك نفوذاً واسعاً في ملف العقود النفطية، إضافة إلى تقديمه دعماً مالياً لأحزاب وشخصيات سياسية، لا سيما خلال حملاتها الانتخابية.

شاب ثلاثيني
ولد حسن عبد الله حسين عام 1992 في محافظة أربيل، وينتمي إلى القومية الكردية. ورغم صغر سنه، تمكن خلال فترة قصيرة من بناء شبكة واسعة من العلاقات داخل قطاع النفط، الأمر الذي أثار تساؤلات بشأن مصادر نفوذه وسر قدرته على الوصول إلى ملفات مالية وإدارية معقدة.
وتشير روايات متقاطعة نشرتها وسائل إعلام محلية إلى أن الكردي بدأ نشاطه مقاولاً في مشاريع داخل مصافي الشمال، قبل أن يتحول تدريجياً إلى أحد أبرز المتعاملين في عقود التصفية والخزانات والمشتريات، ليصبح اسمه مرتبطاً بعدد كبير من المشاريع الحكومية.
وبحسب مراقبين، فإن صعوده لم يكن نتيجة نشاط تجاري تقليدي، بل جاء في ظل شبكة واسعة من العلاقات السياسية والإدارية، منحته مساحة كبيرة للتحرك داخل مؤسسات الدولة، وهو ما جعل اسمه يتكرر في أكثر من ملف اقتصادي.
ويرتبط اسم حسن الكردي بصورة مباشرة بوكيل وزير النفط السابق لشؤون التصفية، عدنان الجميلي الذي اعتُقل أخيراً؛ إذ بدأت العلاقة بين الرجلين مع تولي الأخير منصبه مطلع عام 2023، قبل أن تتوسع لتشمل إدارة ملفات اقتصادية وعقود كبيرة داخل قطاع التصفية.
ويتهم صحفيون ومراقبون الكردي بأنه كان يمثل الذراع الاقتصادية للجميلي، بينما تصفه مصادر أخرى بأنه كان المسؤول الفعلي عن إدارة ملف العمولات المرتبطة بعقود المصافي.
ولم تصدر حتى الآن نتائج رسمية من القضاء العراقي تؤكد طبيعة العلاقة القانونية بين الطرفين، إلا أن التحقيقات المستمرة جعلت اسميهما يتصدران القضية ذاتها، إلى جانب ما يثار عن ارتباطات مع سياسيين ونواب جرى اعتقالهم بتهم تتعلق بالفساد.

"عرّاب العقود"
من أبرز الأوصاف التي ارتبطت باسم حسن الكردي ما أورده الخبير القانوني أمير الدعمي خلال مقابلة تلفزيونية في 10 يونيو/حزيران، حين وصفه بأنه "حلقة الوصل" بين مختلف شبكات الفساد السياسي والاقتصادي في العراق.
وذهب الدعمي إلى أبعد من ذلك عندما رأى أن الكردي يمثل "العراب" الذي كان يدير شبكة معقدة لتوزيع الأموال والعمولات، وأن القبض عليه، إذا حدث، قد يكشف تفاصيل تمويل شخصيات وأحزاب من مختلف المكونات السياسية.
كما ادعى أن الأموال التي كانت تمر عبر هذه الشبكة لم تكن تقتصر على العقود النفطية، بل استُخدمت أيضاً في تمويل حملات انتخابية ودعم شخصيات سياسية من أطراف مختلفة، مؤكداً أن اعتقاله قد يتسبب في انهيار العملية السياسية الحالية في العراق.
وتتركز غالبية الاتهامات الموجهة إلى حسن الكردي على ملف عقود المصافي، لا سيما مشاريع الخزانات النفطية والطلبيات الخاصة بمصافي الشمال التي تضم محافظات صلاح الدين وكركوك ونينوى.
ووفقاً لما طرحه الصحفي مؤيد الزامل، فإن آلية العمل كانت تعتمد على تمرير العقود من وزارة النفط إلى شركات حكومية تابعة لوزارة الصناعة والمعادن، قبل إعادة تنفيذها بواسطة شركات أو جهات مرتبطة بالكردي، بما يسمح، بحسب تلك الرواية، بتجاوز القيود القانونية الخاصة بإحالة العقود مباشرة إلى القطاع الخاص.
كما تحدث الزامل عن وجود عقود ضخمة بلغت قيمة بعضها نحو 14 أو 15 مليار دينار، رغم أن الكلفة الحقيقية لبعض المشاريع كانت أقل بكثير، وهو ما عده دليلاً على تضخم الأسعار ووجود شبهات فساد، بحسب ما نقل موقع "السومرية نيوز" في 4 يوليو/تموز.
وتضمنت الاتهامات أيضاً وجود آلاف الطلبيات الوهمية داخل مصافي الشمال، إضافة إلى تكرار عمليات الصرف المالي للمواد نفسها أكثر من مرة، في آلية يُشتبه بأنها أدت إلى استنزاف الأموال العامة.
مطلوب دولياً
أحد أكثر الجوانب إثارة في القضية يتمثل في الحديث عن شبكة مالية استُخدمت لتحويل الأموال إلى خارج العراق؛ إذ تفيد مصادر إعلامية بأن ملايين الدولارات كانت تُحوّل عبر مصارف داخل العراق وخارجه، قبل أن يُعاد توزيعها على أطراف مختلفة مقابل عمولات.
كما تحدثت تقارير عن امتلاك الكردي شبكة من العلاقات الاقتصادية داخل العراق وخارجه، الأمر الذي سهّل، بحسب تلك الروايات، حركة الأموال المرتبطة بعقود المصافي.
ولم تعلن السلطات العراقية حتى الآن نتائج تحقيقاتها بشأن هذه المزاعم، أو حجم الأموال التي يُشتبه في تحويلها.
لكن وزير الاتصالات العراقي مصطفى سند أعاد اسم حسن الكردي إلى الواجهة عندما أعلن أن أحد المسؤولين عن اللجنة الاقتصادية التابعة للوكيل الموقوف غادر العراق إلى فرنسا برفقة شقيقه، وبحوزتهما أموال مهربة تُقدّر بنحو نصف مليار دولار، بحسب ما ذكره عبر "فيسبوك" في 5 يوليو/تموز.
وبعد ساعات، نقلت وسائل إعلام محلية عن مصادر مطلعة أن المقصود هما حسن الكردي وشقيقه محمد الكردي، مؤكدة صدور مذكرات قبض دولية بحقهما عبر الإنتربول.
كما أشارت المعلومات المتداولة إلى أن حسن الكردي غادر العراق بعد وقت قصير من اعتقال عدنان الجميلي، وهو ما عزز التكهنات بشأن وجود تنسيق مسبق للهروب، إلا أن هذه الروايات لم تؤكدها السلطات العراقية رسميا.
وتفيد مصادر إعلامية بأن حسن الكردي يرتبط بشراكة مع شخص يدعى شوانة الكردي، يحمل الجنسية الألمانية، وتشير تلك المصادر إلى أنه شريك له في قضايا الرّشا وشبكة تهريب الأموال العراقية إلى الخارج.
ورغم الضجة الكبيرة التي أثارها اسمه، فإن المعلومات الشخصية المتوافرة عن حسن الكردي لا تزال محدودة للغاية؛ إذ لا توجد بيانات رسمية منشورة عن مسيرته المهنية أو شركاته أو نشاطه الاقتصادي، كما لا يُعرف الكثير عن خلفيته التعليمية أو بداياته في عالم الأعمال.
وتفسر هذه الضبابية جانباً من الاهتمام الإعلامي؛ إذ يرى كثيرون أن غياب المعلومات الرسمية أسهم في انتشار روايات متضاربة بشأن طبيعة نفوذه وعلاقاته السياسية.
وحتى الآن، لم تصدر المحاكم العراقية حكماً قضائياً نهائياً بحق حسن الكردي، كما لم تعلن الجهات التحقيقية تفاصيل رسمية كاملة عن طبيعة التهم المنسوبة إليه أو الأدلة التي تستند إليها التحقيقات.
ولم يصدر عن الكردي أو ممثليه القانونيين أي ردّ علني على الاتهامات المتداولة، كما لم يدلِ بأي تصريح لوسائل الإعلام بشأن القضايا المتعلقة بالفساد وتهريب الأموال المنسوبة إليه.
وبذلك، تبقى جميع المزاعم المتعلقة بإدارته شبكات فساد أو عمولات أو غسل أموال في إطار التحقيقات الجارية والتصريحات الإعلامية، بينما يبقى الفصل النهائي في القضية من اختصاص القضاء العراقي.
ومع استمرار حملة مكافحة الفساد التي يقودها رئيس الوزراء علي فالح الزيدي، يبدو أن اسم حسن الكردي سيظل حاضراً بقوة في المشهد العراقي، سواء بوصفه أحد أبرز المطلوبين في قضية عقود المصافي، أو في قضايا أخرى يجري تداولها في وسائل الإعلام المحلية.

















