السرقات العلمية في الجامعات المغربية.. قاطرة فساد تجر المملكة إلى الهاوية

دقت أكاديمية المملكة المغربية، الهيئة العلمية والثقافية الأعلى في البلاد، ناقوس الخطر بشأن انتشار ظاهرة السرقة العلمية في الأبحاث والمنشورات الجامعية والأكاديمية، محذرة من تداعيات ذلك على مستقبل التعليم بالبلاد.
وأعلنت الأكاديمية في 24 ديسمبر/ كانون الأول 2022، تأجيل نشر النسخة الورقية من العدد الأول من مجلتها العلمية المخصصة لباحثي الدكتوراه في مجال العلوم الإنسانية، بعدما ضبطت سرقة علمية في أحد المقالات.
وكشفت صحيفة "هسبريس" الإلكترونية في 26 ديسمبر، أن الأمر يتعلق بمقال علمي لباحث دكتوراه مر من تحكيم مزدوج، وعرض على برمجية لكشف مصادر الاقتباسات، قبل أن ينشر رقميا للاطلاع عليه من طرف الباحثين.
وهي المرحلة التي جرى التواصل فيها مع الأكاديمية، لتستنتج بعد الدراسة أن البحث سطا على أطروحة دكتوراه غير منشورة، وفق الصحيفة المحلية.
هذا السلوك وصفه المدير التنفيذي لأكاديمية المملكة البشير تامر، بـ"غير الجامعي"، الذي اضطرت معه الأكاديمية إلى "إرجاع نحو ألف نسخة للمطبعة لسحب المقال وتغيير الفهرس"، وهو ما أدى إلى تأخر وقت التوزيع المقرر.
هذه الحادثة، وحوادث أخرى سابقة، جعلت أكاديمية المملكة تعبر عن "قلق الأوساط الجامعية كافة"، مع التشديد على ضرورة "تطويق الظاهرة من المستويات كافة".
كما أعلنت أنها إضافة إلى أولوياتها العلمية في تكوين الطلبة الدكاترة، ستولي أهمية كبرى لمسألة "أخلاقيات البحث العلمي"، نظرا لـ"الضرر الذي تلحقه السرقة العلمية بالمؤسسات الجامعية".
أخلاقيات غائبة
وفي هذا الإطار، أكد وزير التعليم العالي والبحث العلمي السابق خالد الصمدي لـ"الاستقلال"، أن السرقة العلمية تؤثر على صورة الباحثين الجامعيين والأكاديميين والجامعات أيضا.
ودعا الصمدي إلى القيام ببحث علمي ميداني للكشف على حجم هذا السلوك، وإن كان قد أصبح ظاهرة، مشددا على أهمية هذا البحث الموضوعي لتجاوز التضخيم أو التهوين بالمسألة.
ونبه الوزير السابق إلى أن البحث العلمي في موضوع السرقة العلمية، يستوجب أن يكون عبر أدوات علمية، قابلة للقياس، مشددا على أن الموضوع بغاية الأهمية، نظرا لكونه يمس سمعة ونزاهة الباحثين والجامعات.
وأشار الصمدي إلى أن أزمة السرقة العلمية تكاد تكون عالمية، ولذلك تجابهها الدول والجامعات والمراكز العلمية بكل الوسائل الممكنة، حفاظا على السمعة وضمانا لحقوق الباحثين والهيئات البحثية.
كما أن عددا من الأساتذة الجامعيين والأكاديميين تفاعلوا مع ما أعلنت عنه أكاديمية المملكة المغربية.
وقال أستاذ الفلسفة والميثولوجيا فؤاد بن أحمد، إن تدخل المدير التنفيذي للأكاديمية خلال حفل تقديم العدد الأول من مجلة العلوم الإنسانية والاجتماعية لأكاديمية المملكة المغربية أثار انتباهه.
وأوضح ابن أحمد في تدوينة عبر فيسبوك في 24 ديسمبر، أن المسؤول تحدث أمام مئات الباحثين الطلبة والأساتذة والعمداء ورؤساء الجامعات، واستعمل لغة واضحة وصريحة، عنوانها الأبرز أن الجامعة المغربية تعاني حقيقة من آفة السرقات العلمية.
وأضاف: "كان الرجل يتحدث بينما كنت أحدث نفسي، منذ متى وأنا أكتب عن السرقات العلمية للأساتذة الجامعيين؟ منذ 2005 وإلى حدود 2020. كتبت عن سرقات علمية في جامعات مكناس وفاس ومراكش وغيرها... فهل كان لذلك الكلام من أثر؟ لا... ماذا جنيت؟ خصومات صبيانية لا قيمة لها".
واسترسل ابن أحمد: "في المقابل السرقات تتكاثر، وصارت غير قابلة للحصر"، ويرى أن "هناك تخصصات صارت فيها السرقات قاعدة عامة حتى إنك لا تستطيع أن تميز السارق من المسروق (العلوم الإنسانية: القانون، الدراسات الإسلامية، الفلسفة، السوسيولوجيا...)".
وتابع: "في كل مرة كنت أكتب عن سرقة فلان أو علان، أواجه بهذا الجواب التقليدي: الفساد في كل شيء، فلا داعي أن نحصره في الجامعة وفي تخصص بعينه.. وبجواب آخر: إن الزمالة تقتضي التضامن، حماية للجامعة المستهدفة من قبل قوى ما.. وبجواب ثالث: هذه تصفية لحساب شخصي".
بدوره، عد أستاذ التاريخ بجامعة محمد الخامس بالرباط خالد بن الصغير، أن "السرقة العلمية أبشع السرقات، وعقوبتها المثلى التشطيب على مقترفها إلى الأبد، وبموجب القانون، من كل مرافق الجامعة وهيئات البحث والتدريس".
وقائع شاهدة
وقبل هذه الحادثة، أثار عدد من الوقائع جدلا في الشارع المغربي، وجرت أحاديث عن السرقات العلمية، وقوبلت بانتقاد شديد ورفض عام.
وفي هذا الإطار، ذكر موقع "بالعربية"، في 14 أغسطس/ آب 2022، أن "مجموعة من الطلبة أفادوا بأن الفريق التربوي لماستر "سوسيولوجيا الهجرة" بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء، أقر ثبوت عمليات غش وسرقات علمية في عدة بحوث نهاية التكوين لطالبات وطلبة فوج 2019-2022".
وأوضح المتحدثون، بحسب المصدر ذاته، أن "بعض الأساتذة عمدوا إلى إجراء مناقشة بحوث مع هؤلاء الطلبة الذين أقر الفريق التربوي للماستر عدم استحقاقهم وأحقيتهم بالمناقشة".
وقال يوسف شيري النائب البرلماني باسم فريق التجمع الوطني للأحرار الحاكم، في سؤال كتابي موجه لوزير التعليم العالي والبحث العلمي عبداللطيف ميراوي، إن ما وقع بـ "ماستر سوسيولوجيا الهجرة" من غش وسرقات علمية في عدة بحوث، يتنافى كليا مع أخلاقيات البحث العلمي ويضرب عرض الحائط بحقوق المتميزين والمجدين منهم.
وشدد النائب البرلماني أن ما وقع هو "أمر مشين يمس بصورة الجامعة المغربية ويطعن في مكانتها ومصداقية شواهدها"، متسائلا عن "الإجراءات الإدارية والقانونية التي ستتخذها الوزارة من أجل وقف هذه التجاوزات العلمية والقانونية التي تضرب في العمق مبدأ تكافؤ الفرص بين جميع الطالبات والطلبة بالجامعة المغربية".
من جهته، نقل موقع "السفير"، في 29 ديسمبر 2022، أن الوزير ميراوي يستعد لاتخاذ إجراءات ومساطر تهم مباريات الالتحاق بسلك التدريس بمؤسسات التعليم العالي، ومنها نشر تقارير تقييم وانتقاء ملفات المترشحين للعموم.
وكشفت مصادر مطلعة للموقع، عن إحداث الوزارة الوصية للجان توظيف مع اعتماد شبكة موحدة لتنقيط ملفات المترشحين، وفرض شروط تركز على التمكن اللغوي لدى المترشح والتجربة البيداغوجية وجودة الإنتاج العلمي وفق معايير دقيقة.
وعزت المصادر تحركات وزارة التعليم العالي إلى تنامي الشكايات والتقارير السلبية الخاصة باختيار ومباريات أساتذة التعليم العالي واستفحال ظاهرة السرقة العلمية لدى المترشحين لمقابلات توظيف أساتذة التعليم العالي.

وصفات علاجية
ولردع ظاهرة السرقة العلمية، قال وزير التعليم العالي والبحث العلمي السابق خالد الصمدي، إن المغرب بمقدوره مقاربة المسألة عبر ثلاثة مستويات، أولها تشريعي/قانوني، والثاني تكنولوجي/رقمي، والثالث مؤسساتي.
وعن الجانب الأول، يقول الصمدي: كل التشريعات والضوابط ذات الصلة بإحداث مراكز تكوين الدكتوراه وتسجيل الأطروحات وضبط عملية الإشراف، والمناقشة العلمية وغيرها، تتوفر على نصوص تنظيمية وتشريعية مضبوطة، وكافية للمحافظ على جودة البحوث العلمية، بما يعنيه ذلك من حمايتها من السرقة العلمية.
لكن، يستدرك قائلا: هذه التشريعات بحاجة مستمرة إلى التحديث والمراجعة، لمواكبة المستجدات الطارئة والتجارب المقارنة الناجحة، والملاحظات المثارة عقب الممارسة والتطبيق.
وتابع المسؤول الحكومي السابق، أما المدخل الثاني، والمرتبط بما هو تكنولوجي، فإن معالجة السرقة العلمية في هذا الجانب موكولة أساسا للمركز الوطني للبحث العلمي والتقني، الموجود في الرباط.
وقال الصمدي إن المركز كان قد اقتنى برمجية معلوماتية لكشف الانتحال العلمي، بمبالغ كبيرة، تشتغل بـ34 لغة، بما فيها اللغة العربية، وتعمل على مسح جميع البرامج المكتبية التي تستعمل عادة في طباعة الأطروحات الجامعية.
وذكر الصمدي أن الجامعات مطالبة من الناحية القانونية بعقد اتفاقيات شراكة وتعاون مع المركز الوطني، على أساس أن الطالب قبل المناقشة عليه الحصول على شهادة من المركز بخلو أطروحته من الاحتيال أو الغش، وهو ما يتحقق بأن تكون نسبة الاقتباس في حدود 20 بالمئة على الأكثر، ووفق ضوابط معروفة.
وأيضا، في هذا الجانب، يسترسل الصمدي، يمكن للجامعات وفق هذه الشراكة المطلوبة، أن تحصل على نسخ من البرمجية المذكورة، بما يساعدها على تحقيق المبتغى، أي مراقبة كل أطروحة وخلوها من الغش قبل برمجة مناقشتها.
ومن المداخل كذلك بحسب الوزير السابق، إلزام الطالب بعد المناقشة بوضع نسخ من الأطروحة في المركز ورقيا ورقميا، لإدخالها في قاعدة بيانات "طوبقال" للأطروحات المغربية الرقمية.
وعبر المتحدث ذاته عن أسفه "لكون الجامعات لا تمكن المركز من الأطروحات بشكل دوري ومستمر، مما يسقطنا في تكرار المواضيع ومحاور الاشتغال في عدد من الأبحاث العلمية".
وأما الجانب الثالث، والخاص بما هو مؤسساتي، فقال الصمدي إنه يرتبط بالتعاون البيني بين الجامعات، وبينها والمركز الوطني للبحث العلمي والتقني، ويقتضي هذا التعاون، تحسيس الطلبة والمراكز البحثية بأهمية هذه البرمجية.
وأضاف، وأيضا لا بد من أن يتضمن ميثاق الأطروحة في كل جامعة تكوينا خاصا على قيم البحث العلمي، عبر أدوات عملية لتكوين الباحثين في سلك الدكتوراه.
ومن ذلك مثلا كيفية ذكر المصادر والمراجع وكيفية الاقتباس منها، وأن يوقع الطالب على هذا الجانب الأخلاقي/العملي في أدوات البحث، وأن تكون ملزمة له كما هو الشأن مع القسم الذي يؤديه الطبيب بخصوص أخلاقيات ممارسة مهنة الطب، يختم الصمدي.
















