قتلهم مرتين.. لهذا يحمل تونسيون قيس سعيد مسؤولية مهاجري جرجيس

زياد المزغني | منذ ٣ أعوام

12

طباعة

مشاركة

يخيم الحزن والغضب على مدينة جرجيس جنوب شرقي تونس منذ 21 سبتمبر/ أيلول 2022، مع انقطاع كل سبل التواصل مع مهاجرين غير نظاميين من المدينة كانوا قد اضطروا لمغادرة البلاد في ظل الأوضاع الصعبة التي أدخلها فيها الرئيس قيس سعيد.

وشهد الملف تطورا دراماتيكيا منذ عثور بحارة على جثة شابة تدعى "ملاك الوريمي" وتعرف عائلتها عليها من سوار بمعصمها، رغم أن ملامح الجثة قد تغيرت مع مرور أكثر من أسبوعين عليها في البحر، ما أكد غرق المركب وفقدان ركابه.

إلا أن تعامل السلطات مع الحادثة بكثير من اللامبالاة وغياب المسؤولية أثار غضب الأهالي في جرجيس الذين لجؤوا للاحتجاج في الشارع والبحث بإمكانياتهم الذاتية عن جثث الضحايا في البحر أو على الشواطئ.

وتصاعدت وتيرة الهجرة غير النظامية انطلاقا من تونس صوب السواحل الإيطالية خلال الأشهر الأخيرة عبر ما باتت تعرف بـ"قوارب الموت"، وأصبحت السلطات تعلن بوتيرة مستمرة إحباط عدد كبير من محاولات الهجرة وتنشر تقارير عن انتشال عشرات الجثث.

وخلافا للموجات السابقة، حيث كانت تقتصر على الشباب العاطل والمهمش، أصبحت الآن الهجرة غير النظامية تضم عائلات تونسية بأكملها، مع تخييم اليأس على البلاد بسبب إنهاء قيس سعيد التجربة الديمقراطية التونسية وتفشي القمع والفساد. 

وتعاني تونس من أزمة سياسية بسبب انقلاب قيس سعيد، تزيد من وطأة أخرى اقتصادية فاقمتها الحرب الروسية الأوكرانية، ما أدى إلى زيادة نسب البطالة والتضخم، فيما تحتاج البلاد إلى قروض خارجية بـ12.6 مليار دينار (4 مليارات دولار) لتمويل عجز ميزانية 2022، وفق إحصاءات رسمية.

مأساة مؤلمة 

ما بات متعارفا عليه بين التونسيين خلال السنوات الماضية، أنه بمجرد وصول قارب المهاجرين إلى أحد أقرب الجزر الإيطالية، يقوم المهاجرون بالتواصل مع أهاليهم إما عبر هاتف أحد التونسيين الموجودين في مراكز تجميع المهاجرين أو باستعمال هواتف مخصصة في المراكز.

وتستغرق مدة "الحرقة" كما يسمي التونسيون الهجرة الغير نظامية، قرابة 16 ساعة بحسب الأحوال الجوية ووضعية البحر.

إلا أن مرور الأيام دون وصول أي خبر عن مصير قارب المهاجرين الذي يقل 18 شخصا من بينهم رضيع لم يتجاوز العام وشابة في الـ 17 من عمرها، أدخل الخوف على قلوب الأهالي.

بعد عثور أحد البحارة على جثة الشابة ملاك الوريمي، التي تم التعرف على هويتها لاحقا من قبل أهلها، قطع الشك باليقين بأن القارب قد غرق في عرض البحر وأن أمل نجاة أحد من راكبيه أصبح أمرا شبه مستحيل.

واتهم الأهالي السلطات بالتقصير في البحث عن أبنائهم المفقودين، حيث بعد أكثر من 3 أيام من جهود التمشيط البحري التي أطلقها الصيادون بالمنطقة بإمكاناتهم الخاصة، تمكنوا من انتشال 8 جثث لمهاجرين تم نقلهم إلى مختبرات التحليل للتعرف على هوياتهم. 

وفي السياق، أكد ناشطون من جرجيس أن إحدى أمهات المفقودين تعرفت على جثة ابنها من خلال مقطع فيديو صوره بحار لدى عثوره على جثته يوم 26 سبتمبر، واتصل بالسلطات الأمنية المعنية.

ليتم فيما بعد دفنه فيما تسمى مقبرة "الغرباء" التي يقع فيها دفن مجهولي الهوية من المهاجرين غير النظاميين غير التونسيين الذين يلفظهم البحر دون القيام بالتحليل الجيني للتعرف على هويته.

تقصير متعمد

وعد الناشط والباحث علي كنيس أنه "لا يوجد بطء فقط في عملية البحث الرسمية على ضحايا غرق المركب، ولكن كانت عمليات البحث شبه معدومة ولم يكن هناك أي جهد للوصول إلى الضحايا في البحر".

وأضاف لـ"الاستقلال" أن "الإمكانيات التي تم تسخيرها لرفع الجثث ضعيفة جدا، فبعد خروج البحارة وعثورهم على جثث يقومون بالاتصال بالجهات الرسمية ويظلون يحرسون الجثث في انتظار وصول معدات لرفعها من البحر".

وعد كنيس وهو من أهالي مدينة جرجيس، أن "أول اجتماع للجنة التي شكلت برئاسة والي مدنين (تتبع لها جرجيس) انعقد بعد 20 يوما من حادثة غرق المركب، دون اتخاذ قرارات جدية قد تعجل بانتشال الجثث".

وأوضح كنيس أن "الأخطر من كل ذلك هو ما حصل قبل أيام حين تم العثور على جثة والقيام بدفنها في مقبرة الغرباء دون دعوة أهالي الضحايا للتعرف عليها بصريا أو رفع عينة منها للقيام بالتحليل الجيني".

وأكد أن "جثة الضحية تم التعرف عليها من قبل والدته من خلال ملابسه التي كان يرتديها بمقارنتها مع آخر صور التقطها ونشرها على مواقع التواصل، وهو ما فجر الغضب بين الأهالي وفتح الشك حول إمكانية وجود جثامين أخرى تم دفنها في نفس المقبرة".

ومضى يقول أن المعلومات الأولية تشير إلى عثور السلطات على جثث أخرى في جربة وتم نقلها إلى قابس دون إجراء التحليل الجيني، وهو ما أدى إلى احتقان كبير في صفوف المواطنين، بعد تصرف المسؤولين بلا مبالاة.

وشدد على أن المسؤول الأول على هذه الفاجعة والمآسي التي تخلفها الهجرة غير الشرعية، الاتحاد الأوروبي أولا الذي يمارس سياسة التمييز العنصري، والمسؤول الثاني الدولة التونسية التي وقعت على اتفاقيات حتى تكون مركز إيواء وحارس حدود لأوروبا.

فالمواطن التونسي يشعر بالاحتقار والمهانة والإذلال تجاه نظيره الأوروبي الذي يدخل بلادنا في ثوان دون أي تدقيق، فيما يخضع التونسي لإجراءات مشددة للحصول على تأشيرة، يتحسر الناشط التونسي.

وبحسب المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، بلغ عدد الضحايا والمفقودين من المهاجرين غير نظاميين من حاملي الجنسية التونسية في عام 2022 إلى حدود 15سبتمبر، 507 ضحايا ومفقود. 

غضب متصاعد

هذا التقصير والأخطاء المتكررة أججت من غضب الأهالي في مدينة جرجيس، وضاعف منها تصريحات لوالي مدنيين عدها الأهالي مسيئة لهم.

وطالب الوالي الأهالي بأن يتحلوا بحد أدنى من التعقل وألا يرسلوا أبناءهم لرشق مقر المعتمدية بالحجارة مثلا أو إحراق الإطارات المطاطية في التقاطعات وغلقها، وفي النهاية غلقها سيكون في وجوه أهالي جرجيس.

وبعد تتالي التحركات خلال أيام نفذ الأهالي صباح 14 أكتوبر وقفة احتجاجية أمام مقر المعتمدية (السلطة المحلية) بالتزامن مع زيارة نفذها الوالي للمدينة.

إلا أن الاحتجاجات أخذت منحى تصعيديا وصل إلى درجة محاولة اقتحام مقر المعتمدية وطرد الوالي منها ورشق سيارته بالحجارة وسط وجود أمني كثيف.

وتجددت حالة الاحتقان والاحتجاج حيث غادر التلاميذ مؤسساتهم التربوية، وتجمع عديد المواطنين ومعهم عائلات مفقودي حادثة غرق مركب الهجرة غير النظامية أمام مقر المعتمدية المغلق حاليا، متمسكين برحيل الوالي.

كما طالب المحتجون برحيل السلطات المحلية من معتمد ومسيري البلدية ومدير المستشفى الجهوي بجرجيس وكل من تورط في التلاعب بجثث أبنائهم، حسب تعبير عدد منهم، واستنكروا التباطؤ في صدور نتائج التحليل الجيني للجثث وعدم التقدم في بحث هذا الملف.

وقرر المحتجون الدخول في اعتصام مفتوح أبرز مطالبه كشف الحقيقة والمحاسبة ورحيل المسؤولين الجهويين والمحليين وتحريك عدة ملفات تنموية.

وأعربوا عن استغرابهم لعدم وجود أي تحرك من رئيس الدولة قيس سعيد يعبر عن مشاركة العائلات آلام فاجعتها وعن فراغ وضعف التواصل الحكومي في هذا الشأن.

في سياق متصل، نشر الاتحاد المحلي للشغل بجرجيس لائحة لوح فيها بالدخول في إضراب عام في صورة عدم الاستجابة لمطالب الأهالي.

كما دعت 20 منظمة مدنية إلى وقفة تضامنية مع ضحايا فاجعة جرجيس وكل ضحايا الهجرة غير النظامية في 14 أكتوبر أمام المسرح البلدي بالعاصمة.

ونددت المنظمات في بيان لها  "بسياسات الدولة وأجهزتها المحبطة والدعاية المضللة والتي لم تراع لا واجباتها تجاه مواطنيها ولا معاناة أهالي المفقودين وأهالي جرجيس".

من جهتها عدت جبهة الخلاص (معارضة) في بيان يوم 14 أكتوبر، أن "المفقودين هم ضحايا السياسات الحكومية التي أخفقت في تأمين شروط الكرامة لشباب تونس والذين أضحوا يختارون ركوب قوارب الموت عن جحيم الحياة دون أفق أو أمل".

ونبهت الجبهة إلى أن "الأسباب الحقيقية لموجات الهجرة غير النظامية والتي تفاقمت خلال السنة الجارية وشملت شرائح متعددة من المجتمع، إنما مردها إخفاق السياسات الاقتصادية في تحقيق هدف التنمية والتشغيل الذين قامت من أجلها الثورة المجيدة.

كما نبهت إلى أن هذه الإخفاقات زادت عمقا و تعفنا منذ أن انقلب قيس سعيد على الشرعية الدستورية وانفرد بالحكم المطلق، منشغلا بإحكام قبضته على السلطة، مهملا وغير مبال بظروف حياة الناس حتى بلغت البلاد من العسر وشحة الموارد وانقطاع المواد الأساسية وتفاقم لنسب الفقر والبطالة ما أضحى يهدد الكيان الاجتماعي بالانهيار.