مستوطنات إسرائيلية بأيد مغربية.. هكذا تحول نصير فلسطين إلى بنّاء للاحتلال

12

طباعة

مشاركة

تسود حركة غير عادية ببعض مدن جهة درعة تافيلالت جنوب شرقي المغرب بسبب شروع شباب من المنطقة بإعداد ملفات خاصة بالتقديم لعرض العمل في "دولة الاحتلال".

ونشر هذا العرض أحد مكاتب استقدام العمالة الأجنبية بالدار البيضاء قرب العاصمة الرباط. ورصدت منابر إعلامية محلية، توافد عدد كبير من العمال المتخصصين في أشغال البناء ومهن مماثلة لإعداد ملفاتهم للتقديم لدى أحد المكاتب المكلفة بالهجرة للعمل في دولة الاحتلال.

وفي 21 يونيو/حزيران 2022، أعلنت وزارة الداخلية الإسرائيلية، عزم تل أبيب والرباط، إبرام اتفاق تعاون لاستقدام مغاربة إلى إسرائيل للعمل في قطاعي البناء والتمريض يمكن أن تصل إلى 15 ألف عامل ومئات المهندسين.

وأوضحت الوزارة، في بيان لها بمناسبة زيارة وزيرة الداخلية الإسرائيلية أيليت شاكيد إلى المغرب، أنها "اتفقت، خلال لقائها وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة، على توقيع اتفاقية ثنائية لجلب عمال البناء والتمريض إلى إسرائيل".

ونقل البيان عن شاكيد قولها إن "الهدف هو بدء تجربة أولية في غضون شهر لاستقدام الممرضين وعمال البناء وخلق روابط جديدة في مجالات التجارة والأمن والدفاع".

تصاعد الوتيرة

وتصاعدت وتيرة زيارة وزراء ومسؤولين إسرائيليين للمغرب وتوقيع اتفاقيات شراكة وتعاون في عدة مجالات أمنية واقتصادية وثقافية ورياضية، منذ تطبيع الجانبين علاقاتهما الدبلوماسية برعاية أميركية أواخر سنة 2020. 

وفي 23 يونيو 2022، أعلن يتسحاق مويال، رئيس نقابة عمال البناء والأخشاب في الاتحاد العام لنقابات العمال (الهستدروت الإسرائيلي)، أن "القطاع يحتاج إلى قرابة 40 ألف عامل في عشرة مهن مختلفة".

وأضاف مويال أن "قطاع البناء يأمل استقبال أزيد من 15 ألف عامل مغربي على دفعات مختلفة، وهو ما سيساهم في تحسين وتيرة البناء بإسرائيل في المستقبل القريب"، وفق تصريح لصحيفة "جيروزاليم بوست".

وتابع أن "المغرب يتوفر على عدد هائل من العمال المهنيين في قطاعات مختلفة"، مبينا أن "إسرائيل سترسل فرقا ميدانية إلى الرباط للوقوف عند مدى جاهزية الدفعات المقبلة".

وأشار مويال إلى أن "الدفعة الأولى من العمال المغاربة في قطاع البناء يمكن أن تحل بإسرائيل بحلول سنة 2023"، لافتا إلى أنهم "سيحصلون على رواتب أعلى هناك وتصل إلى ضعف ما يتقاضونه بالمغرب".

وتعاني دولة الاحتلال على امتداد السنوات الماضية، من نقص كبير في عمال البناء والرعاية الصحية، وتستقبل أزيد من 60 ألف عامل أجنبي في قطاع الصحة، و100 ألف مثلهم في قطاع البناء من القارة الآسيوية، لا سيما من الصين وتايلاند.

بدورها، قالت الملحق الاقتصادي في السفارة الإسرائيلية بالمغرب، عينات ليفي، إنه إلى جانب قطاعي التمريض والبناء، تضع إسرائيل عينها على المهندسين المغاربة، الذين يُعرفون بمستوى مهني رفيع، ليس فقط في الهندسة المدنية بل أيضا في علم الحاسوب وغيرها من الفروع التكنولوجية.

وأكدت ليفي، في تصريح نقلته جريدة "الشرق الأوسط" السعودية في 24 يونيو 2022، أنها زارت مؤخرا مدرسة للمهندسين في الدار البيضاء، واستعرضت أمام طلبتها العلاقات المغربية الإسرائيلية وتطورها. 

وبينت أن "اختيار البدء من مؤسسة أكاديمية للهندسة، هو خيار إستراتيجي نابع من وجود إمكانات هائلة في ربط المهندسين من المغرب، بالحاجة المتزايدة في إسرائيل لوظائف من هذا النوع، منها الحاجة إلى حوالي 15 ألف مبرمج حاسوب".

"إبادة جماعية"

وفي تعليقه على صفقة إرسال عمالة مغربية إلى دولة الاحتلال، قال أحمد ويحمان أحد الوجوه البارزة في مناهضة التطبيع، إنه "مشروع إبادة جماعية في حق شبابنا يجري تحضيره من قبل عملاء الكيان الصهيوني".

وحذر ويحمان، في تصريح لموقع محلي، من "التبعات الخطيرة لهذه الخيانة المزدوجة، في حق فلسطين والشباب المغربي المهمش والمفقر".

ويحمان، بين أن "تسفير الشباب المغربي إلى الكيان الصهيوني بفلسطين المحتلة تحت عناوين مضللة وتنطوي على مخاطر كبيرة تتهدد الشباب الذي يعدونه حطبا لهذه المحرقة".

وتابع أن "هذه العناوين المضللة للتشغيل في مجال البناء والتمريض وغيرها من المجالات تطرح مسؤوليات كبيرة على من يسهرون على تسفير أبنائنا وبناتنا، إلى فلسطين المحتلة مستغلين فقرهم وجهلهم".

الكاتبة والإعلامية المغربية عائشة البصري، رأت أن "مشروع إرسال آلاف المواطنين المغاربة للعمل في دولة الاحتلال يقدم دعما مباشرا لدولة الأبارتهايد (العنصرية)، ويُكرس جرائمها ضد الفلسطينيين".

وينتهك أيضا الاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري التي أصبح المغرب طرفا فيها منذ سنة 1970، وفق ما قالت خلال مقال لها في 28 يونيو/حزيران 2022.

وبينت أن "مشروع ترحيل المغاربة للعمل تحت نظام الأبارتهايد في بيئة غير شرعية عنصرية، وغير آمنة، له تبعات قانونية، ويتطلب نقاشا علنيا في قبة البرلمان"، وفق ما نشر موقع "العربي الجديد".

وأضافت أن "من حق المغاربة أن تُطلعهم حكومتهم على تفاصيل المشروع، ومناقشة مدى شرعيته ومخاطره، بدلا من دفع المواطنين إلى تصيّد الأخبار من هنا وهنالك، لمعرفة إن كانت الصفقة تشمل بناء المستوطنات، أي الاشتراك في جريمة ضد الفلسطينيين والإنسانية".

هرولة تطبيعية

الكاتب العام للمرصد المغربي لمناهضة التطبيع عزيز هناوي، استنكر "الهرولة التطبيعية للمغرب التي وصلت إلى محاولة الزج بأرواح آلاف الشباب المغاربة وبأمنهم وبسلامتهم في منطقة خطرة مهددة بالاشتعال في حروب خلال أي لحظة".

وأوضح هناوي، في حديث لـ"الاستقلال"، أن منطقة الجنوب الشرقي بالمغرب معروفة بتصدير اليد العاملة فيما يتعلق بقطاع البناء داخل المغرب وخارجه أما التمريض فهذا مرتبط بما يحوزه الشباب من دبلومات في المعاهد المختصة.

وأكد أن "تركيز الكيان الصهيوني على منطقة الجنوب الشرقي يأتي بسبب حضور وتأثير بعض ناشطي الحركة الأمازيغية المتصهينين بالمنطقة".

وبين أن هؤلاء "عملوا منذ فترة على تأطير عدد كبير من الشباب عبر الركوب على الهشاشة الاقتصادية والاجتماعية لتبرير التطبيع واستغلال العداء للعربية والإسلام للارتماء في حضن الدعاية الصهيونية".

وأفاد هناوي، أنه "يتردد في أوساط متصهينة داخل الحركة الأمازيغية بأن ناشطيها مستعدون للذهاب والعمل في الكيان الصهيوني، انسجاما مع قناعاتهم المؤيدة للتطبيع بل والتحالف مع العدو الإسرائلي"".

ونبه إلى أن وجود "استهداف أيديولوجي للشباب العاملين بقطاع البناء للعمل بالمستوطنات الصهيونية بمرجعية إثنية أمازيغية معادية لكل ما هو عربي وإسلامي".

ويتزامن ذلك مع إطلاق تعبئة إلكترونية في وسائل التواصل الاجتماعي للتحفيز على تقديم طلبات العمالة في دولة الاحتلال. 

وقال إن "الأخطر هو أن هذه الإيديولوجية تتجاوز التطبيل للتطبيع مع الكيان الإسرائيلي إلى ترويج خطابات معادية للدولة المغربية على المستوى الأيديولوجي".

وخلص قائلا: "نحن لسنا إزاء تشغيل يد عاملة بشكل عادي، بل تجنيد لشباب سبقه تأطير أيديولوجي بالصهينة".

صمت مريب

اللافت للانتباه هو أن الرباط تلتزم الصمت، لتفوض الإعلان وتسويق "صفقة اليد العاملة المغربية" إلى الجانب الإسرائيلي.

وهو ما عده هناوي، "محاولة من الكيان الصهيوني لجر الجانب الرسمي المغربي نحو مواقع تطبيعية متسارعة".

وأشار هناوي إلى أن هناك العديد من الأحداث التي تلت تطبيع العلاقات لم يُصدر المغرب أي توضيحات عنها من قبيل "إعلان دافيد غوفرين رئيس البعثة الإسرائيلية في المغرب، تعيينه سفيرا رسميا لإسرائيل لدى الرباط".

إضافة إلى ما أثير بخصوص زيارة وزير الخارجية المغربي بوريطة إلى دولة الاحتلال لبناء سفارة مغربية والإعلان عنها في دولة الاحتلال الإسرائيلي.

وتابع أن المسؤولين الصهاينة يزورون مقرات الطائفة اليهودية بالمغرب في ظل صمت الجانب الرسمي، متسائلا: هل أصبحت الطائفة اليهودية جالية إسرائيلية بالمملكة بصمت رسمي وبتواطؤ مدان؟".

وقال هناوي، "نحن إزاء هرولة تطبيعية انطلقت تحت غطاء موضوع الصحراء (الغربية)، لكن في ظرف وجيز جدا أصبح المغرب الرسمي متجاوزا من طرف إسرائيل التي تقرصن فضاءات خطيرة جدا وحساسة".

وشدد على أن "صمت المغرب إزاء موضوع إرسال يد عاملة للعمل في المستوطنات الإسرائيلية، راجع إلى أن الدولة أصبحت مرهونة إلى الجانب السياسي الصهيوني خوفا من أي عرقلة أو تراجع عن ما يسمى الاتفاق الثلاثي في قضية الصحراء".

ويرى أن "الدبلوماسية المغربية والسياسة الخارجية والداخلية المغربية أصبحت مرهونة خوفا من أي رد فعل صهيوني"، مؤكدا أن "هذا أمر خطير على أمن الدولة واستقرارها وعلاقتها بشعبها".

من جهتها، فسرت الكاتبة والإعلامية عائشة البصري، صمت السلطات المغربية بأنه "ينم عن وعيها بأنها إن مضت في تطبيق هذه الخطة الإسرائيلية فإنها ستتسبّب في حرمان آلاف العائلات الفلسطينية من مصدر عيشهم".

وأضافت أنه ينم أيضا عن "أنها ستُحوّل مواطنين مغاربة إلى يدٍ يضرب بها المحتلّ الصهيوني الشعب الفلسطيني، وطوقا يخنقهم اقتصاديا، ويضعف قدرتهم على الصراع من أجل البقاء".

وتساءلت البصري، "هل يجرؤ على فعل ذلك بلدٌ يترأس ملكه (محمد السادس) لجنة القدس (لدعم المقدسات في فلسطين)، ويضع القضية الفلسطينية في مرتبة ملف الصحراء المغربية؟".