تفريعة قناة السويس.. شريان استنزف أصول مصر بدل تغذيتها طوال 7 سنوات

محمد السهيلي | منذ ٤ أعوام

12

طباعة

مشاركة

مع ذكرى مرور سبع سنوات على افتتاح مشروع "قناة السويس الجديدة"، والذي شهد في 6 أغسطس/آب 2015 حضور 38 من الملوك والرؤساء والوفود العربية والأوروبية والإفريقية والآسيوية، يثار التساؤل بشأن ما قدمته لمصر وللمصريين.

قبل 8 سنوات، وفي 22 نوفمبر/ تشرين الثاني 2014، أعلن رئيس هيئة قناة السويس حينها الفريق مهاب مميش، بأن تلك القناة البالغة  "35 كلم" ستدر على مصر 100 مليار دولار سنويا، ثم خفضها إلى 13 في 2023، وسط دعاية إعلامية بالرخاء للمصريين.

طمس "الرخاء"

على مدار تلك السنوات لم تحقق إيرادات قناة السويس بالأرقام ذلك الوعد أو تقترب منه، بل إن حفر التفريعة كما يصفها المعارضون للنظام، أفقد مصر 8 مليارات دولار من احتياطي النقد الأجنبي بالبنك المركزي خلال عام واحد، ما دفع البلاد لاحقا للاستدانة.

بعد 13 شهرا من الافتتاح اقترضت مصر من صندوق النقد الدولي 12 مليار دولار، واتخذت قرارات أضرت بالمصريين أخطرها تعويم الجنيه في نوفمبر 2016.

منذ ذلك الحين فقدت العملة المحلية الكثير من قيمتها، وتحرك سعر صرف الدولار الأميركي من نحو 6 جنيهات إلى 19.15 جنيها، وقت كتابة التقرير.

وهو ما رفع أسعار جميع السلع والخدمات، ليواجه المصريون أوضاعا قاسية بدلا من الرخاء الموعود.

الاقتصادي المصري عبدالمنعم بدوي، عبر عن أسفه من تبخر وعود النظام بـ"الجنة والفردوس"، قائلا عبر "فيسبوك"، إنها لم تحقق ازدواجية الملاحة، ولم ينتج عنها دخل إضافي، وإن زيادة الإيرادات طبيعية لا دخل للتفريعة فيها.

قناة السويس أكبر ممر مائي عالمي يربط البحرين الأحمر جنوبا والمتوسط شمالا بطول 168 كم، وعرض من 160 إلى 200 متر، وعمق 11.60 مترا، وتعد في ظل موقع مصر الإستراتيجي أقصر رابط بين الشرق والغرب.

يمر منها 70 بالمئة من حجم التجارة البحرية و12 بالمئة من التجارة الدولية، وافتتحت للملاحة العالمية عام 1859، وتمثل للمصريين أهمية كبيرة خاصة وأنه شارك بحفرها نحو مليون مصري في 10 سنوات، وخاضوا حروب 1956 و1967 و1973 دفاعا عنها.

لكن الجديد والخطير بعيدا عن تبخر وعود النظام بشأن إيرادات التفريعة؛ أن قناة السويس تقترض هي الأخرى وتستدين لإدارة أمورها، كباقي قطاعات الدولة المصرية بعهد رئيس النظام عبدالفتاح السيسي، ليبلغ حجم الدين الخارجي 157.8 مليار دولار في مارس/آذار 2022.

آخر ما طلبته هيئة القناة التي تتبع لها 8 شركات من قروض هو 20 مليار جنيه. وطالبت في 30 يوليو/تموز 2022 من البنوك المحلية مضاعفة قيمة قرض طلبته سابقا بتسهيل مدة 20 عاما، لتنفيذ مشروعات بمنطقتي "السخنة" و"شرق بورسعيد" الصناعيتين.

الناشط المصري عادل دوبان، أعرب عن حسرته من توجه قناة السويس للاقتراض قائلا: "بدلا من أن تكسب وتدخل فلوسا لمصر، تقترض"، منتقدا النظام وخسائره في كل مشروعاته.

لم يكن ذلك هو القرض الوحيد، بل إن الهيئة غرقت في سلسلة من القروض منذ افتتاح التفريعة بحجة تطوير البنية التحتية والمرافق للمناطق الصناعية والموانئ، وتطوير مجرى القناة.

في أبريل/ نيسان 2021، اقترضت 10 مليارات جنيه من 6 بنوك محلية بضمانات حكومية، بعد طلبها في نوفمبر 2020 تمويلا من بنكي الأهلي" و"مصر" بـ10 مليارات جنيه بضمانة وزارة المالية.

وفي مايو/أيار 2018، طلبت الهيئة قرضا بـ400 مليون دولار من البنوك المحلية، لكنها في يونيو/حزيران 2018، طلبت 300 مليون يورو من بنوك خليجية لشراء حفارين من شركة هولندية، بعد تعثر طلبها لنفس الغرض من بنوك محلية في 2017.

وفي مايو 2016، طلبت القناة من بنوك محلية قرضا بقيمة 600 مليون يورو.

وقبل ذلك جميعه، اقترضت الهيئة من 8 بنوك محلية لحفر مشروع التفريعة مليار دولار عام 2015، ونحو 400 مليون دولار في 2017، بعضها لسداد حقوق الشركات الأجنبية والمحلية.

وزارة المالية المصرية، وإثر تعثر قناة السويس ثلاث مرات في تسديد قروض الحفر دفعت في مايو 2019، نحو 600 مليون دولار لبنوك محلية وأجنبية، كانت مستحقة عن عامي 2017 و2018. 

خيبة أمل

برغم كل تلك الديون، وبحسب البيانات الرسمية انخفضت إيرادات القناة عقب افتتاح التفريعة الجديدة، إذ بلغت عام 2016 نحو 5 مليارات دولار، انخفاضا من 5.17 مليارات عام 2015 ومن نحو 5.46 مليارات في 2014.

وهو ما دفع السيسي في يونيو 2016 للقول إن المشروع كان لرفع الروح المعنوية للمصريين.

لكنه ومع ذلك أقام احتفالا أسطوريا ثانيا بعد مرور عام على حفر التفريعة وسط طلعات جوية للطائرات الحربية، والقوات البحرية.

وانخفضت إيرادات القناة عام 2020 بنسبة 3.27 بالمئة على أساس سنوي، من 5.8 مليارات دولار في 2019 إلى 5.61.

 لكنها في 2021، حققت 6.3 مليارات دولار، وسبعة مليارات دولار بالسنة المالية المنتهية في 30 يونيو 2022، بزيادة 20.7 بالمئة عن 2021، وفق تصريح الهيئة في 5 يوليو 2022.

زيادة الإيرادات تأتي على خلفية ارتفاع صافي الحمولة عبر القناة وسط زيادة بنسبة 10 بالمئة بعدد السفن المارة، إلا أنه مع ذلك فإن هذا ليس المعدل الذي أعلن عنه النظام المصري سابقا عن الأرباح المتوقعة.

موقع "ذا إيكونميك تايمز" الصادر بالإنجليزية، اعترف أن تفريعة السيسي لم تؤت ثمارها، مؤكدا في تقرير له في 5 يوليو 2022، أن توسعة القناة أدت لزيادة محدودة بالإيرادات.

وألمح إلى أن تلك التوسعة لم تمنع جنوح السفينة البنمية "إيفر جيفن" مارس 2021، ما دفع مصر للإعلان عن توسعة أخرى تنتهي عام 2023.

اكتساب الشرعية السياسية هدف السيسي من التفريعة، وفق ما يرى أوفير فينتر الباحث الإسرائيلي بمعهد أبحاث الأمن القومي بجامعة تل أبيب.

ونشر موقع مركز الناطور للدراسات في 25 نوفمبر 2019 مقال فينتر الذي قال فيه إن "النظام المصري روج لهذا المشروع تحت اسم قناة السويس الجديدة لاكتساب شرعية سياسية بالأساس، ومكاسب اقتصادية"، مشيرا إلى أن "التقييم الأولي لإنجازات (القناة الجديدة) يظهر نجاحات إلى جانب خيبات أمل".

وأشار إلى أن القناة المتطورة لا تزال بعيدة عن الأهداف المحددة للمشروع، لافتا إلى توقعات النظام بزيادة الدخل من 5.3 مليارات دولار في 2014، إلى 13.4 مليار دولار في 2023. 

وفي سياق يؤكد تأزم موقف قناة السويس المالي، وبعد سلسلة القروض، أعلن رئيسها أسامة ربيع، 3 أغسطس 2022، طرح 3 شركات رابحة هي "الرباط" و"القناة للموانئ" و"القناة للحبال"، وبيع ما بين 10 و15 بالمئة من أسهمها بالبورصة المصرية نهاية 2022.

المثير في الأمر أن البورصة المصرية تواجه تراجعا خلال 2022، ما دفع الحكومة في يوليو من نفس العام لإرجاء طرحين بالبورصة لـ"بنك القاهرة" و"أمان للخدمات المالية"، حتى استقرار أوضاع السوق.

وفي تعليقه، قال الباحث في الاقتصاد السياسي والعلاقات الدولية، مصطفى يوسف: "دشن الجنرال السيسي عهده بالترويج لمشروع عديم الجدوى الاقتصادية، وآذى الاقتصاد المصري وضربه في مقتل باستهلاك معظم الاحتياطي الدولاري بمشروع التفريعة".

الخبير الاقتصادي المصري أضاف لـ"الاستقلال"، "المشروع أتى على الأخضر واليابس، وأدى في النهاية للتعويم الأول للجنيه نوفمبر 2016، والذي فاقم معاناة المصريين من الطبقة الوسطى وميسوري الحال وطحن الفقراء".

وأشار إلى أن "القناة يديرها جنرالات وبمحاباة للموالين للجنرال، وهذا ينعكس سلبا على الكفاءة، وتجلى بأزمة جنوح السفينة (إيفر جيفن) في مارس 2021".

وواصل: "القناة تدار بشكل خاطئ من قبل أشخاص كل مؤهلاتهم تمجيد الجنرال الممسك بزمام أمور القوات المسلحة، والنتيجة مزيد من الخسائر للقناة وعرض شركات مملوكة لها للبيع للإمارات".

منافسة وخداع

ووصف الدولة العربية الخليجية التي استحوذت في السنوات الأخيرة على قطاعات واسعة من الاقتصاد المصري بـ"المتلمظة لبلع الموانئ المصرية وقناة السويس حتى تهيمن شركة موانئ دبي العالمية على صناعة اللوجستيات وتتحكم بشكل كامل بموانئ المنطقة".

ويرى أنه "بعد 9 سنوات من الجمهورية الجديدة، ودعم مملكة الجنرالات مباشرة من إسرائيل والإمارات والسعودية يجري تقزيم مصر سياسيا وجغرافيا"، ملمحا لـ"قضم جزيرتي تيران وصنافير قضما إسرائيليا سعوديا، والتفريط بمياه النيل إثيوبيا وإماراتيا وإسرائيليا".

وأشار إلى وضع الاقتصاد المصري المتأزم وتبخر وعود الرخاء مع أرباح القناة الجديدة، لافتا لـ"انهيار قيمة العملة المحلية ليبلغ الدولار 19.15 جنيها، بعدما كان إبان حكومة الثورة والرئيس محمد مرسي نحو 6.35 جنيهات". 

وألمح يوسف إلى "تضاعف أسعار الخدمات والسلع التموينية والمحروقات والماء والغاز لقرابة 10 أضعاف"، ضاربا المثل بتذكرة مترو أنفاق القاهرة التي ارتفعت من جنيه واحد إلى 19 جنيها بزيادة 19 ضعفا في 7 سنوات".

وأكد الخبير المصري أن "وضع قناة السويس كوضع مصر من ناحية الفشل الذريع نتيجة سوء الإدارة، وخضوع القرار المصري لمحور الإمارات وإسرائيل والسعودية، الذي يلتهم الأصول بأثمان بخسة أقل من 7 إلى 8 بالمئة من قيمتها الحقيقية، ورهن البلاد بديون مكبلة لمدة 50 عاما".

ولطالما درس المصريون في كتب تاريخهم أن سبب انهيار دولة المماليك كان اكتشاف طريق "رأس الرجاء الصالح" الذي حرمهم من عوائد مرور التجارة بين الشرق والغرب بأراضيهم، وهو الأمر الذي تواجهه قناة السويس اليوم بعد 154 عاما من عمرها.

موقع "ذا إيكونوميك تايمز"، تحدث في 16 يونيو 2022 عن أخطر الممرات الدولية على مستقبل القناة، مشيرا لطريق النقل الملاحي بين الهند وإيران وآسيا الوسطى وروسيا ومنها إلى أوروبا، بمشاركة 13 دولة.

وأكد أن المسافة بين الميناءين الهندي مومباي والروسي سانت بطرسبرغ تستغرق 25 يوما وتقطع الشاحنات 7200 كيلومتر، بدلا من 16 ألف كيلومتر عبر قناة السويس في طريق يستغرق بين 45 إلى 60 يوما، ما يقلل تكلفة الشحن بنسبة 30 بالمئة.

وأشار الموقع إلى أزمة السفينة إيفرجيفن التي جنحت بقناة السويس 6 أيام في 2021 وتسببت بخسارة 9 مليارات دولار للتجارة العالمية يوميا.

وفي ظل التنافس العالمي على الممرات المائية الأخرى فإن دراسات الجدوى كما هو معلوم عن نظام السيسي لم يكن لها نصيب في مشروع التفريعة، ما تسبب في تراجع الإيرادات وخسائر الهيئة مع افتتاح التفريعة.

ويواصل نظام السيسي نهجه في ملف قناة السويس بالعمل دون دراسات جدوى وتقليص فترات إنجاز المشروعات وعدم الإعلان عن مصادر التمويل.

هيئة القناة أعلنت في 26 مايو 2021، ضغط الجدول الزمني لمشروع تعميق الجزء الجنوبي الذي علقت فيه سفينة الحاويات "إيفر جيفن" بتكلفة 14 مليار دولار. 

وخدع السيسي المصريين مرات عدة في ملف تفريعة القناة، ووفق مراقبين كان الخداع الأول بوعود الرخاء، من تلك القناة.

الخدعة الثانية، تمثلت في جمع البنوك المصرية 64 مليار جنيه (حوالي 10 مليارات دولار حينها) من المصريين لحفر التفريعة بعائد 15.5 بالمئة سنويا، تحملته الميزانية العامة للدولة بمبلغ سنوي بلغ 7.6 مليارات جنيه.

الخديعة الثالثة، هي توقيت الحفر الذي قدرته الهيئة بـ 3 سنوات، إلا أن السيسي أمر بإنجازه في عام واحد، ما ضاعف التكلفة، وفق مراقبين.

الخديعة الرابعة، كانت دعاية السيسي بأنها قناة سويس جديدة تماثل ما حفرته مصر بالقرن الـ19، في عهد الخديوي عباس وإسماعيل.

ولكن الأمر لم يتعد حفر تفريعة بطول 35 كلم، وهو أمر تكرر دون ضجة إعلامية أو ديون من البنوك المحلية والأجنبية. 

جرى افتتاح 6 تفريعات بطول 80.5 كم في عهدي أنور السادات وحسني مبارك، هي تفريعات بورسعيد 40.1 كلم، والبلاح 8.9 كم، والتمساح 4.3 كلم، والدفرسوار 8.4 كلم، والبحيرات المرة 11.8 كم، وكبريت 7.0 كم.  

السيسي زاد حجم استفادته من التفريعة بدعوة 38 ملكا ورئيسا ومندوبا، مقلدا الخديوي إسماعيل عند افتتاح قناة السويس، ومكلفا الموازنة العامة للدولة ملايين الجنيهات بهدف اكتساب شرعية لنظامه بعد انقلابه على الرئيس محمد مرسي منتصف 2013.