حملة المعارضة التركية ضد اللاجئين.. معركة سياسية أم محاولة لإحراق البلاد؟

أحمد يحيى | منذ ٣ أعوام

12

طباعة

مشاركة

قبل سنوات طويلة، اندلعت أعمال شغب في مدينة إسطنبول التركية ضد المجتمع اليوناني بها، بسبب شائعة كاذبة، سرت في الأوساط التركية تدعي تدمير بيت زعيم الأمة مصطفى كمال أتاتورك بمدينة "سالونيك" اليونانية.

بعدها انطلقت جماعات من العامة إلى البيوت والأحياء وأماكن العمل ذات الكثافة اليونانية ودمرتها، وارتكبت مذبحة مروعة، عرفت في التاريخ باسم "بوغروم إسطنبول" يومي 6 و7 سبتمبر/ أيلول 1955.

أعمال الشغب تلك خلفت عشرات القتلى والجرحى، وخسائر مادية كبيرة؛ لكن تبين لاحقا أن سبب المأساة مجموعة من الجيش التركي، يقبعون في مقر فرع عملية "غلاديو" العسكرية التركية.

تلك المجموعة من العسكريين الأتراك أرادت زعزعة حكومة رئيس الوزراء حينها عدنان مندريس، وإحداث اضطرابات، يصعب السيطرة عليها.

وما أشبه الليلة بالبارحة، إذ إن أحداث حي "ألتين داغ" الدامية ضد السوريين في العاصمة التركية أنقرة، ليل 11 أغسطس/ آب 2021، لم تأت إلا نتاج حملة تحريض عنيفة، نظمتها أحزاب المعارضة التركية.

تلك الحملة تأتي في إطار استعدادات أحزاب المعارضة التركية للانتخابات الرئاسية والبرلمانية المزمع عقدها عام 2023، ليستخدم التحالف المعارض مبكرا ورقة اللاجئين السوريين لتغيير توجهات الناخب التركي.

محاولات المعارضة التركية هنا تجاوزت حد الضغط على حكومة حزب "العدالة والتنمية" الحاكم منذ العام 2002، ورئيس البلاد رجب طيب أردوغان، إلى إمكانية إشعال تركيا ذاتها بغية إسقاط الرجل القوي أردوغان، كهدف أساسي، وفق مراقبين.

تحريض علني

تحالف أحزاب المعارضة الذي يضم "الشعب الجمهوري"، و"الجيد"، و"الشعوب الديمقراطي"، يسعى بقوة لإنهاء حقبة أردوغان، الذي يحكم البلاد منذ عقدين، مستخدمين مسالك وعرة وإستراتيجية صناعة الأزمات المستمرة.

وكان أقرب أمر أمام تلك الأحزاب هو نكء جرح اللاجئين السوريين، الذين يتجاوز عددهم 3 ملايين و645 ألفا و557 مهاجرا، بحسب إدارة الهجرة التركية للعام 2021.

خطاب زعماء المعارضة المتحفز على ألسنة زعيم حزب الشعب الجمهوري كمال كليتشدار أوغلو، وزعيمة حزب الجيد ميرال أكشنار، تسبب في موجة غضب وكراهية من قبل بعض المواطنين الأتراك.

تلك الدعاية وذلك الغضب الناتج عنها دفع بعض الأتراك لاستغلال حوادث فردية، وهاجموا منازل ومتاجر سوريين، حتى كاد الأمر أن يتطور إلى اقتتال أهلي، لولا تدخل أجهزة الأمن التركية. 

انتهت ليلة "ألتين داغ" الوحشية، وتوعد الرئيس أردوغان الذين يثيرون الفتنة؛ لكن بقي القلق مخيما على ملايين اللاجئين بشكل عام والسوريين بشكل خاص، خشية أن تتفلت الأوضاع على نحو لا يمكن السيطرة عليه.

إحدى أشد دعوات التحريض من المعارضة التركية، أطلقها 18 يوليو/ تموز 2021، رئيس حزب الشعب الجمهوري، أكبر أحزاب المعارضة التركية، كمال كليتشدار أوغلو، مطالبا بإعادة السوريين في تركيا إلى بلادهم.

في إطار ما أطلق عليه "خطة"، قال: إنها جاهزة وتتيح إعادتهم خلال عامين فقط، عقب تصالحه مع رئيس النظام السوري بشار الأسد، حال وصول حزبه إلى السلطة في تركيا عبر انتخابات 2023. 

كذلك، شن رئيس بلدية "بولو" تانجو أوزجان، المنتمي إلى حزب الشعب الجمهوري، وبنفس منهج كليتشدار أوغلو، حملة ضارية ضد السوريين في مؤتمر صحفي 26 يوليو/ تموز 2021.

أوزجان، أطلق تصريحات قاسية، قال فيها: "إنه سيقترح على مجلس المدينة (بولو) فرض رسوم 10 أضعاف على فواتير المياه الخاصة بالأجانب"، قاصدا السوريين.

وعن اللاجئين أضاف: "إنهم لم يذهبوا عندما قطعنا المساعدات، ولم يذهبوا عندما توقفنا عن إصدار تصاريح العمل، لذلك قررنا الآن اتخاذ إجراءات جديدة".

أوزجان، اعترف أنه "كان يفعل ذلك ليغادر الأجانب المدينة، ثم أوضح: "إنهم تجاوزوا مدة الترحيب الخاصة بهم، ولو كانت لدي السلطة، سأرسل مسؤولي البلدية لطردهم بالقوة".

وعد ووعيد 

من جانبها، وعدت رئيسة حزب "الجيد" المعارض، حليف حزب الشعب الجمهوري ضمن "تحالف الأمة"، ميرال أكشنار، بأنه حال فوزهم في الانتخابات سيبدؤون فورا عملية إعادة اللاجئين السوريين من تركيا إلى بلدهم.

وأكدت 27 يوليو/ تموز 2021، أن "ذلك من شأنه أن يضمن السلام والرفاهية للشعبين السوري والتركي"، متجاهلة الحرب الطاحنة التي تدور رحاها في سوريا، وجرائم نظام الأسد ضد المدنيين العزل، وفق متابعين للشأن السوري. 

في السياق، كرر النائب البرلماني المعارض أوميت أوزداغ تعهداته بأن ينهي مشكلة اللاجئين السوريين فور تسلم السلطة حال فوزه في الانتخابات.

بحسب ما نقل تلفزيون "سوريا"، 13 أغسطس/ آب 2021، ادعى أوزداغ، وصول أخبار دقيقة إليه، تفيد بالتحضير لثورة كبيرة ضد السوريين في إسطنبول، دون أن يذكر جهات بعينها، في شائعة زادت الموقف المضطرب تأزما.

دعوات التحريض تلك قابلها وجود أمني تركي مكثف في مناطق محال السوريين. 

12 أغسطس/ آب 2021، نقل موقع "تركيا بالعربي" عن مصدر أمني أن الأمن التركي انتشر بكثافة في ولاية "هاتاي" بالأناضول، في منطقة الإطفائية، إذ توجد محال تجارية سورية.

الجهات الأمنية حصلت على معلومات تفيد بإيعاز قيادات في المعارضة لبعض المرتزقة بافتعال أحداث شغب مع سوريين، والعمل على تطويرها إلى اشتباكات جماعية.

وبحسب المصدر الأمني فإن المعارضة ستحاول بشكل متكرر تفجير أحداث شغب تستهدف السوريين، لزيادة نقمة المواطنين الأتراك على الحزب الحاكم، بهدف التأثير على نتائج الانتخابات المقبلة، وزعزعة النظام.

رد فعل الرئيس التركي، جاء حادا بمواجهة تلك السياسات الممنهجة من قبل أحزاب المعارضة للإخلال بالنظام العام.

في كلمة متلفزة له 19 أغسطس/ آب 2021، من المجمع الرئاسي بالعاصمة أنقرة، وجه خطابه لممثلي المعارضة قائلا: "لن نغض الطرف عن أولئك الذين يريدون استخدام ملف اللاجئين لأجندتهم الخاصة"، واصفا إياها بـ"القذرة". 

أردوغان أضاف: "السلطات لن تتسامح أبدا مع الذين يستهدفون حياة طالبي اللجوء وممتلكاتهم ويهددون السلامة العامة".

ولفت إلى أن حكومته ستستكمل "سريعا الدراسات الشاملة التي تقوم بها مؤسساتنا بشأن هذه القضية ونحل المسألة تماما على المدى المتوسط".

إسقاط النظام 

الباحث السوري في الشؤون الإعلامية، المقيم في إسطنبول إبراهيم الطناشي، يقول: إنه "لا يفصل بين موجة العنصرية ضد اللاجئين السوريين في تركيا، والمحاولات المستمرة لزعزعة استقرار تركيا، وإنهاء حكم الرئيس أردوغان".

وربط بين صعود اليمين المتطرف في أوروبا بسبب قضية اللاجئين وما يحدث في تركيا، ويؤكد لـ"الاستقلال"، أنه "جرى الضغط على الحكومات المعتدلة بملف اللاجئين، لذلك هي طريقة مجربة ومعتمدة". 

الطناشي، يضيف: "الوضع في تركيا يختلف، لأنها تستضيف العدد الأكبر من السوريين وفي مناطق معينة بكثافة كبيرة، خاصة في المناطق القريبة من بلادهم، في غازي عنتاب وهاتاي وغيرها".

ويلفت إلى أن اللاجئين السوريين "أقاموا مجتمعات كاملة، ويتعايشون بسلام، فإذا ما حدث انفلات، فإن السيناريو سيكون كارثيا".

الباحث السوري، يحذر من السيناريو السيء، ويقول: "يمكن أن تحدث مجازر واشتباكات تودي باستقرار البلد بأكمله، خاصة وأن السوريين يوجدون في معظم مناطق وأحياء تركيا بشكل أو بآخر". 

ويجزم بأن "المعارضة التركية تروج الأكاذيب والشائعات المستمرة بشأن السوريين، وبرصد القنوات الإعلامية، وطريقة الخطاب الإعلامي لهم، يتضح أن هناك مؤامرة منظمة تستهدف اللاجئين".

"بل يصل الأمر إلى تدشين حملات إلكترونية بمواقع التواصل الاجتماعي، تنفث الكراهية والعنصرية ضد اللاجئين، فتجد من بين كل 10 منشورات هجومية، منشورا واحدا معتدلا"، وفق الطناشي. 

ويعتقد أن "تلك الحالة تخلق تعبئة يمكن أن تنفجر في أي وقت، وعملية عنف واحدة مثل التي وقعت في حي (ألتين داغ) بأنقرة أو في منطقة (أسنيورت) بإسطنبول، يمكن أن ينتج عنها حرب شاملة".

ويختم بالقول: "إن "هذا ما تدركه الدولة التركية جيدا، وتعمل على الحد منه وإيقافه، عن طريق التحقيق المستمر، والدعاية الإيجابية".