لقاء أردوغان والبرهان.. كيف قرّب تركيا والسودان وأقلق السعودية والإمارات؟

أحمد يحيى | منذ ٥ أعوام

12

طباعة

مشاركة

"عدم اهتمام تركيا بالتطورات الإفريقية، والنظر إلى هذه القارة باعتبارها مجموعة دول متخلفة، وإغفال الموارد الهامة التي تمتلكها، والتقليل من شأنها، نقطة ضعف".

بهذه الفقرة، عبر المفكر السياسي رئيس الوزراء التركي الأسبق أحمد داود أوغلو، في كتابه "العمق الإستراتيجي.. موقع تركيا ودورها في الساحة الدولية"، عن دور أنقرة المتوقع في إفريقيا.

في الكتاب جزم أوغلو بأن ابتعاد بلاده عن إفريقيا "نقطة ضعف لا يمكن تبريرها بالنسبة لتركيا كقوة إقليمية تمتلك مقومات تاريخية وجغرافية هامة".

وأضاف: "تظهر تركيا نتيجة هذا الضعف، في موقف انعزالي عند كل قرار للأمم المتحدة، يظهر فيه دور للدول الإفريقية".

وهذا تحديدا ما تحاول الإدارة التركية تجنبه وتطويره، والسعي نحو دور أكثر عمقا في الساحة الإفريقية. 

وهو ما ظهر في الاستقبال الحافل، من الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، في القصر الرئاسي بالعاصمة أنقرة، لرئيس المجلس السيادي السوداني الفريق أول عبدالفتاح البرهان.

زيارة البرهان إلى تركيا، هي الأولى له، وهو أرفع مسؤول سوداني يزور أنقرة عقب الإطاحة بالرئيس السوداني السابق عمر البشير أبريل/ نيسان 2019.

كما أن لقاء أردوغان والبرهان يأتي بعد أشهر قليلة من زيارة قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو "حميدتي" إلى تركيا، واستقبال أردوغان له أيضا بحفاوة بالغة مايو/ أيار 2021. 

السودان على رأس الدول التي توليها تركيا الاهتمام، منذ صعود حزب "العدالة والتنمية" إلى سدة الحكم عام 2002.

حرصت أنقرة على إقامة علاقات سياسية واقتصادية مع الخرطوم، ووضعتها ضمن أجندتها المستقبلية، كنقطة انطلاق إستراتيجية، لدور أكثر فاعلية ونفوذا في إفريقيا، ومنطقة البحر الأحمر.

تركيا أعلنت أن 2005 "عام إفريقيا"، حينها قام أردوغان، وكان رئيسا للوزراء، بـ30 رحلة إلى 23 دولة إفريقية، منها السودان.

بالفعل نجحت تركيا فى إعادة العلاقات مع إفريقيا، في ظل حالة من الاستقطاب الإقليمي والدولي، ورغبة بعض الدول في فرض النفوذ والهيمنة على دول القارة السمراء.

أبعاد الزيارة 

في 12 أغسطس/ آب 2021، وصل البرهان إلى المجمع الرئاسي بالعاصمة أنقرة، وكان فرسان حرس الرئاسة التركية في استقباله، إذ رافقوه حتى بوابة البروتوكول حيث كان بانتظاره أردوغان.

شهدت المراسم إطلاق 21 طلقة مدفعية وسط ترديد النشيدين الوطنيين التركي والسوداني، بمشاركة الجنود والأعلام التي تجسد الدول التركية الـ16 التي تأسست عبر التاريخ.

انتقل الزعيمان إلى القصر لإجراء لقاء ثنائي، كما شاركا في اجتماع موسع لوفدي البلدين، وجرى توقيع الاتفاقيات الاقتصادية والتجارية التي أعقبها مؤتمر صحفي مشترك.

في البداية أعلن الرئيس التركي أن "بلاده عازمة على الوقوف بجانب الشعب السوداني الشقيق وحكومته ومواصلة العلاقات في أجواء من التضامن". 

أوضح أردوغان أن "وكالة التنمية التركية"، تولت ترميم مبان قديمة في جزيرة سواكن السودانية، مؤكدا أن بلاده ستواصل دعم السودان في إنشاء البنية التحتية.

من جانبه، قال البرهان: إن "تركيا دولة عظمى وقائدة ورائدة في المنطقة والعالم، وتمتلك خبرات كبيرة ومتقدمة في العديد من المجالات، مثل الزراعة وغيرها من القطاعات".

وأكد أنهما يسيران نحو "الشراكة التركية السودانية بكل الوسائل المتاحة، لجعلها أقوى"، لافتا إلى أن "أنقرة قدمت للخرطوم دعما بكل المجالات، من التعليم إلى الصحة ومكافحة جائحة (كورونا)".

البرهان شدد على أن أردوغان "وقف إلى جانبنا، والشعب السوداني لن ينسى هذا الموقف، والسودانيون يقولون عن الرئيس أردوغان: إنه (الرئيس القوي)".

جرى ترجمة المباحثات السودانية التركية، بطريقة عملية، عندما جرى توقيع 6 اتفاقيات في مجالات الطاقة والصناعة.

وقعت مذكرة تفاهم بمجال الطاقة المتجددة، واتفاقية تعاون مالي واقتصادي بين وزارتي الخزانة التركية، والمالية السودانية، وأخرى للتعاون المالي العسكري، وبروتوكول لتنفيذ المساعدات النقدية بين البلدين.

السودان وافق أيضا على تخصيص 100 ألف هكتار (مليون فدان) من الأراضي الزراعية تزرعها تركيا كمرحلة أولى.

كما بدأت خطوات للتعاون في تصدير اللحوم السودانية إلى أوروبا عبر تركيا، بحسب ما أعلن نائب الرئيس التركي فؤاد أوكتاي.

أردوغان والسودان 

أولى أردوغان للسودان أهمية خاصة في سياسته الخارجية نحو إفريقيا، وفي 24 ديسمبر/ كانون الأول 2017، قام بأول زيارة لرئيس تركي منذ عام 1956، إلى السودان.

رافق أردوغان حينها خلال عهد الرئيس السوداني السابق عمر البشير، وفد ضم 200 رجل أعمال، وجرى توقيع 22 اتفاقا في مجالات مختلفة.

الاتفاقية الأكثر أهمية كانت الإعلان عن برنامج التعاون الإستراتيجي، بهدف تطوير التعاون الثنائي والإقليمي والدولي بين الجانبين. 

عندها استأجرت تركيا جزيرة سواكن السودانية على البحر الأحمر لمدة 99 عاما بهدف تطوير مينائها الذي كان في الحقبة العثمانية مركزا سياحيا.

مساحة سواكن 20 كيلومترا مربعا، وحظيت على مر العصور باهتمام الحضارات الكبرى في المنطقة، وعادت إلى الواجهة بعد تعهد أردوغان للسودان، بإعادة بناء الجزيرة التاريخية. 

سواكن لها أهمية إستراتيجية بالغة تتمثل في كونها أقرب الموانئ السودانية إلى ميناء جدة الإستراتيجي السعودي على البحر الأحمر.

ورغم أن البرهان يتحفظ على الاتفاق الذي أبرمه نظام البشير مع تركيا، والذي ينص على تولي أنقرة إنشاء ميناء مدني حربي في جزيرة سواكن.

إلا أن الإدارة السودانية أبرمت اتفاقيات جديدة مع تركيا.

أهمية السودان 

أهمية السودان بالنسبة لتركيا ومعظم القوى العالمية كونه من أكبر الأقطار العربية  والإفريقية بمساحة تصل قرابة 2 مليون كلم، وعدد سكان يبلغ 33 مليون نسمة.

ويمتلك السودان أراضيا زراعية ضخمة، ويسمى بـ"سلة غذاء العالم" ويعتبر القطن، والسمسم، والفول السوداني والصمغ العربي أهم موارده الزراعية.

كما أن السودان الدولة الأولى في العالم المنتجة للصمغ بنسبة تصل إلى 80 بالمئة من الإنتاج العالمي. 

وتقدر الأراضي الزراعية ذات التربة الخصبة بحوالي 200 مليون فدان، وكذلك يتميز السودان بثروة حيوانية ضخمة تجعله من أكبر أقطار إفريقيا امتلاكا لها. 

هذه الثروة كالتالي: 26 مليون رأس من الأغنام، 25 مليون رأس من الماعز، 22.7 مليون رأس من الأبقار، 35 مليون رأس من الإبل، 35 مليون دجاجة، وفق إحصاءات رسمية.

ويتوافر في السودان ثروة سمكية كبيرة بالمسطحات المائية المقدرة بحوالي 42 مليون متر مربع.

ويحتل السودان الجزء الشمالي الشرقي من قارة إفريقيا، ما يجعله بوابة محورية لقلب القارة، ومنفذا هاما للربط بين دول الوسط والجنوب والشمال.

تلك المعطيات يأخذها ساسة تركيا بعين الاعتبار، في محاولة لتحقيق الاستفادة القصوى، خاصة وأن الرئيس التركي يستحوذ على شعبية كبيرة بين السودانيين، كما صرح البرهان نفسه.

لعبة المحاور 

في 12 أغسطس/ آب 2021، نشرت صحيفة "الراكوبة" السودانية المحلية، تحليلات لسياسيين سودانيين عن وقائع زيارة البرهان إلى أنقرة، منهم المحلل السياسي، الدكتور السر محمد علي.

إذ يقول: إن "الرجل القوي الجديد في السودان، (عبدالفتاح البرهان)، ربما يلعب أدوارا مهمة في هذه العلاقات، نتاج علاقاته الكبيرة ببعض دول المحور العربي المتقاطع العلاقات مع تركيا، في صورة تبرز لعبة المحاور في الخرطوم".

ويضيف: "وقوع السودان في هذه المقصلة يجعله يبحر بعيدا عن علاقات متوازنة مع دول المنطقة التي لا ترى فيه إلا محققا لأهدافها في ظل الرفض العاتي للمشروع الإسلاموي السابق  في السودان".

ويعتقد أن "هذا يجعل العلاقات بينه وبين تركيا علاقات في مرمى نيران دول صديقة ربما كالسعودية ومصر والإمارات".

أما الكاتب الصحفي والمحلل السياسي، طاهر المعتصم يشير إلى "ثمة متغيرات كبيرة يشهدها الشرق الأوسط، لا تحالفات دائمة، بل مصالح تفرض على الدول التقارب، وبطبيعة الحال السودان ليس لديه عداء مع تركيا". 

ويضيف أن "اهتمام تركيا بالسودان ودعمها له خلال جميع الحقب السياسية دون النظر إلى طبيعة النظام السياسي القائم في السودان كان ملموسا بصورة واضحة في بياناتها السياسية أيام الثورة".

المعتصم يستطرد: "لكن الانطباعات السياسة والأحكام المسبقة عند الساسة الجدد في السودان غلبت العقل والحكمة السياسية فيما يخص إدارة ملف العلاقات مع تركيا".

ويؤكد أن "بعض ساستنا أهملوا تركيا واتهموها بدعم الإسلاميين، وبالتأكيد هذا توجه خاطئ وغير صحيح".

ويعتقد، أن "الأتراك جميعهم يمينا ويسارا، معارضة وحكومة يولون السودان اهتماما خاصا، وينظرون إلى العلاقات الثنائية معها على أنها توجه دولة لا حزب".