خطاب رئيس الصين في ذكرى تأسيس الحزب الشيوعي.. أبرز ملامح التغيير
.jpg)
سلط مركز تركي للدراسات الضوء على تاريخ الصين التي تعد واحدة من أقدم الحضارات في العالم؛ حيث يعود تاريخها إلى ما قبل 4000 عام تقريبا.
ومنذ أن أسس الإمبراطور تشين شي هوانغ أسرة تشين ـ أول دولة مركزية ومتعددة الأعراق في التاريخ الصيني ـ وحتى عام 1912، دخلت الصين تحت حكم العديد من الأسر الحاكمة.
ويقول "مركز أنقرة لدراسة السياساتوالأزمات" في مقال للكاتب مصطفى جيم كويونجو: "نجحت الحركة التي قادها سون يات سين في الإطاحة بأسرة تشينغ الحاكمة في عام 1911، وإنشاء جمهورية الصين في عام 1912".
ليتم إعلان سون يات سين كأول رئيس لجمهورية الصين وينقضي بذلك عهد الأسر الحاكمة.
عهد جديد
غير أنه ومع الثورة الاشتراكية التي جرت في روسيا في عام 1917، حدث انقسام سياسي في الصين واندلعت حرب أهلية بين القوميين والشيوعيين، انتصر فيها الشيوعيون وأسسوا بعدها الجمهورية الشعبية في عام 1949، وفق قوله.
وتابع قائلا: الآن، يواصل الحزب الشيوعي الصيني الذي تأسس بالاستلهام من الثورة الروسية، رحلته كأكبر منظمة حزبية في العالم بأعضائها البالغ عددهم 95 مليون عضو أو يزيد، بعد أن كانوا 50 شخصا فقط.
وبمناسبة مرور 100 عام على تأسيس الحزب الشيوعي الصيني، أقيم احتفال مهيب في بكين في الأول من يونيو/حزيران 2021.
وخلال هذا الاحتفال، أدلى الرئيس الصيني شي جين بينغ بخطاب تاريخي حوى تصريحات بالغة الأهمية فيما يتعلق بالسياسة الداخلية والخارجية للصين.
وأردف: كما هو معروف، كانت الصين قد خرجت من الأزمة العالمية التي حدثت في عام 2008 بأضرار أقل نسبيا من الغرب الذي لحقه أضرار بالغة.
وبما أن بكين رأت في فترة ما بعد الأزمة فرصة إستراتيجية، فقد اتبعت سياسات من شأنها أن تزيد في قوتها الداخلية والخارجية؛ وذلك في سبيل ضمان رفاهية المجتمع والتحديث الاشتراكي.
وتابع: وباستلامه المنصب من (رئيس الجمهورية الأسبق) "هو جينتاو" في المؤتمر الثامن عشر للحزب في عام 2012، فتح جين بينغ صفحة جديدة في تاريخ الصين؛ تخلى فيها عن سياسة "إخفاء النية" التي اتبعها الرؤساء من قبله، وتبنى إستراتيجية أكثر جرأة في السياسة الداخلية والخارجية.
وأوضح ذلك بالقول: بدأ جين بينغ حركة مناهضة للفساد داخل البلاد وأجرى تصفية واسعة شملت شخصيات بارزة من إدارة الحزب، وترأس اللجنة العسكرية المركزية التي تشرف على جيش التحرير الشعبي لزيادة سيطرته على الجيش.
كما وأجرى تغييرات بالقانون الذي يحدد فترة ولاية الرئيس في المؤتمر الذي عقد في مارس/آذار 2018، ما مهد الطريق لانتخابه في عام 2022.
وأضاف: منذ اللحظة التي تحدث فيها جين بينغ عن رؤيته لـ "الحلم الصيني" والذي يرسم هدف صين متحضرة وقوية اقتصاديا واجتماعيا وعلميا وعسكريا خلال زيارته لمتحف الثورة الصينية في بكين في نوفمبر/تشرين الثاني 2012، شهدت الصين نموا مطردا وأصبحت تعرف كفاعل رئيس في النظام العالمي تماما مثل الولايات المتحدة.
وجدير بالذكر أن الرسائل التي قدمها الرئيس الصيني والإستراتيجيات التي ستتبعها بكين توفر معطيات مهمة لفهم أهداف الصين والتوازنات الدولية.
وفي هذا، يحوي خطاب جين بينغ في مئوية الحزب الشيوعي الصيني دلائل مهمة حول مستقبل النظام العالمي والتنافس بين الولايات المتحدة والصين والتوتر المتزايد في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، يلفت الكاتب.
ملامح الخطاب
ويعتبر كويونجو أن فكرة "الاشتراكية المتمركزة في الصين" كانت أهم المواضيع التي ركز عليها الخطاب.
إذ يساوي جين بينغ وجود الحزب الشيوعي الصيني بوجود الصين بما أن الحزب يمثل القوة الوحيدة التي تسيطر على بيروقراطيات الدولة التي ترسم السياسات الداخلية والخارجية، مثل الجيش والنظام القانوني والمؤسسات المشابهة في بكين.
ودليل ذلك ما قاله الرئيس في الخطاب من أن "الاشتراكية فقط هي التي كان من الممكن أن تنقذ الصين، ووحدها الاشتراكية المتمركزة هناك هي التي كان من الممكن أن تطور البلاد".
وأن "تاريخ الصين الحديث بطول 180 عام، والحزب الشيوعي الصيني بطول 100 عام، والجمهورية الشعبية بطول 70 عام يظهر أنه لا يمكن للجمهورية الجديدة ولا للشعب الصيني أن ينمو ويتقدم بدون الحزب".
كذلك أعطى جين بينغ رسائل حول السياسة الداخلية أيضا، بقوله: إنه لا يمكن لأي مجموعة مصالح ومركز قوة في البلاد أن تقسم الحزب الشيوعي الصيني، وأن 95 مليون عضو في الحزب و1.4 مليار صيني سيحولون دون ذلك، بحسب ما يراه الكاتب التركي.
وأضاف: كان جيش التحرير الشعبي قضية أخرى أكد عليها جين بينغ في خطابه.

ويشكل الجيش القوة الصلبة لبكين، خاصة وقد زاد في قدراته بالتوازي مع النمو الاقتصادي للصين.
لهذا، يولي جين بينغ أهمية كبيرة لتحديث القوات المسلحة، حيث يرغب في جيش يكون قويا في الصراعات الساخنة المحتملة وفي عمليات الردع.
واستدرك: غير أن قوله "على الحزب الشيوعي الصيني أن يحافظ على قيادته المطلقة على القوات المسلحة.. كما يجب على القوات أن تزيد من التزامها بالإرادة السياسية" يجب تدقيقها بعناية، فعلى عكس أسلافه، لا يملك جين بينغ خلفية عسكرية.
وبما أن القوات المسلحة هي المؤسسة الوحيدة التي يمكنها تشكيل قوة بديلة عن الحزب الشيوعي الصيني، فإن هذه الكلمات حول طاعة الجيش تحمل معانيا إستراتيجية. وكانت تايوان قضية أخرى أكد عليها جين بينغ.
وكما هو معروف فإن قضية تايوان مستمرة منذ بدء الحرب الأهلية في العقد الأول من القرن الماضي، والتي تسببت برحيل القوميين الصينيين الذين هزموا إلى تايوان، وفقا للكاتب.
وأردف: تحدث جين بينغ عن تايوان وكأنها أرض صينية. ويعطي هذا إشارات توضح أحد أهداف الصين المستقبلية وتظهر أن سياساتها التي ستتبعها في النظام الدولي ستتحول من أرضيتها الليبرالية إلى أرضية أنانية تضع نفسها في المركز.
صين واحدة
وفي هذا، قال الرئيس الصيني: "يعد حل قضية تايوان وتحقيق وحدة البلاد من جديد، مهمة تاريخية والتزاما ثابتا من الحزب الشيوعي الصيني، وهي في الوقت نفسه رغبة مشتركة لجميع أفراد الأمة الصينية".
وتابع الرئيس: "نحن سندعم مبدأ -صين واحدة- واتفاقية 1992 وسندفع عجلة الوحدة الوطنية السلمية إلى الأمام، يجب أن نتحد كمواطنين على جانبي مضيق تايوان ونعمل معا. كما يجب أن نتخذ إجراءات حاسمة للقضاء على أي محاولة (لاستقلال تايوان)".
"ونعمل معا لخلق تجديد وطني ومستقبل مشرق. وينبغي ألا يقلل أحد من تصميم وإرادة وقدرة الشعب الصيني على الدفاع عن سيادته الوطنية ووحدة أراضيه، وفق الرئيس.
ولفت الكاتب قائلا: وهنا لا شك أن جين بينغ ابتعد تماما عن رؤية الصعود السلمي التي دخل حيز التنفيذ في الثمانينيات.
فمثلا يشير قوله بأنه "يجب أن نتحلى باليقظة الشديدة وأن نكون مستعدين دوما لأي خطر محتمل حتى في أوقات الهدوء"، إلى توقف العمل بإستراتيجية "راقب بهدوء، وأمن موقعك، تعامل مع المشكلات بلا إحداث جلبة، وأخف قدراتك، انتظر اللحظة المناسبة، وكن بارعا في التظاهر، ولا تهدف إلى القيادة أبدا".
كان ماو تسي تونغ قد قال في 21 سبتمبر/أيلول 1949، مخاطبا شعبه والعالم: "لن تكون الصين بعد الآن دولة تتعرض للتحقير والإذلال. فقد نهضنا".
ويبدو أن جين بينغ الذي يعتلي عرش السلطة منذ عام 2012، نفذ مقولة ماو هذه بحذافيرها، فهو من قال بأن الاشتراكية الصينية تتفوق على الرأسمالية الغربية.
ولا عجب، فجين بينغ يرى نفسه كبطل قومي ويقدم نفسه على هذا النحو. وهو ما يؤكده لباسه واللون اللذان اختارهما واللذان يعكسان رغبته في التمثل بماو تسي تونغ، يقول الكاتب.
وختم كويونجو مقاله بالإشارة إلى أنه من المتوقع أن يزداد ثقل بكين تدريجيا في إستراتيجيات السياسة الخارجية والداخلية.
إذ إن مكانة الحزب بالنسبة لجين بينغ واعتباره بأن مصير حزبه يعني مصير البلاد يقدم خيوطا مهمة.
ويضيف: خاصة وأن جين بينغ يرغب في أن يجعل الصين الدولة المهيمنة الوحيدة في العالم في محاولة لتسجيل اسمه كواحدة من أهم الأسماء التي سجلها التاريخ الصيني في صفحاته على مدى 4000 عام.
وبالنظر إلى هذا، يبدو أن تايوان ستكون أول حقل اختبار لرغبة الصين في الهيمنة وبناء النظام العالمي الجديد.
















