موسكو تنظم مؤتمرا لإعادة لاجئي سوريا.. لماذا ترفضه أنقرة والمعارضة؟

يوسف العلي | منذ ٦ أعوام

12

طباعة

مشاركة

برعاية روسية، تشهد العاصمة السورية بعد أيام قليلة انطلاق "مؤتمر دولي" لعودة اللاجئين السوريين، حيث وجهت موسكو عن طريق وفد رفيع المستوى الدعوة إلى نحو 108 دول للحضور إلى المؤتمر المزمع إقامته في 11 و12 نوفمبر/ تشرين الثاني 2020.

في 23 أكتوبر/ تشرين الأول 2020، قالت المتحدثة الرسمية باسم الخارجية الروسية، ماريا زاخاروفا: إن "السلطات السورية ستعقد مؤتمرا دوليا للترويج لعودة اللاجئين، تشارك في تنظيمه روسيا"، آملة أن "يساهم المجتمع الدولي في حل هذه القضية الإنسانية".

تنظيم المؤتمر في ظل الظروف الحالية التي يعيشها نظام الأسد والمناطق التي يسيطر عليها، أثار تساؤلات عن الهدف الروسي من وراء ذلك، ولماذا ترفضه أطراف المعارضة السورية؟، وهل لتركيا موقف من انعقاده كونها إحدى الأطراف الضامنة لمسار أستانا؟.

تعويم الأسد

تعليقا على هذه التساؤلات الملحة، أكد وائل علوان الباحث في مركز "جسور" للدراسات لـ"الاستقلال" أن "روسيا لديها إستراتيجية طويلة بغية احتواء الانتفاضة العارمة ضد نظام الأسد ومحاولة إعادة تدويره أو إنتاجه داخليا وخارجيا".

وأضاف علوان: أن "خطوات كثيرة اتخذتها روسيا لدعم نظام الأسد، وجزء كبير منها كانت متعثرة، لكنها تمكنت من إنقاذه إلى حد ما في وفق إستراتيجية دعم التقدم الميداني للنظام في المناطق التي فقد السيطرة عليها خلال الثورة".

وأوضح أن "روسيا كانت لها خطوات لإعادة تعويم الأسد سياسيا ودوليا، لكن معظمها كانت متعثرة، حيث حاولت مرارا وتكرارا إعادة فتح باب التطبيع بين النظام والكثير من الدول وبعضها عربية، وكذلك كانت تحاول فتح ملف إعادة الإعمار".

وتابع: "كانت روسيا تحاول اختزال الحل السياسي الدولي بموضوع إصلاحات دستورية ودمج المعارضة التقليدية أو المصطنعة مع البنية الحالية للنظام، لكن معظم هذه الخطوات كانت متعثرة".

وأشار علوان إلى أن "خطوة تنظيم مؤتمر للاجئين في دمشق الآن، هي إحدى الخطوات الروسية للمناورة السياسية لتقديم نظام الأسد على أنه متفاعل مع الحل السياسي والإستراتيجية الدولية لحل الأزمة في سوريا".

ولفت إلى أنه "سيكون هناك شعارات روسية من قبيل أن نظام الأسد جاهز للانخراط في العمل السياسي، وأن روسيا متفاعلة ووسيط للعمل السياسي، لكن الحقيقة غير ذلك تماما، بدليل إقامة المؤتمر في دمشق وبمشاركة الأسد".

وبناء على ذلك، خلص علوان إلى أن "هذا المؤتمر هو إحدى الخطوات العاثرة التي تحاول فيها روسيا إعادة تقديم النظام دوليا وأمميا على أنه شريك سياسي وهو أساس الحل في سوريا ويستطيع أن يحتوي المعارضة والأزمات، التي هو سببها من الأساس".

من جهته، رأى الباحث في الشأن الروسي، باسل حاج جاسم، أن "موسكو تريد من هذه الخطوة استكمال خطوات أخرى كثيرة بدأتها منذ تدخلها العسكري المباشر في سوريا قبل سنوات، من لقاءات أستانا إلى سوتشي، ومشاركتها في مؤتمر الرياض 2، وانطلاق اللجنة الدستورية، ودائما كان هناك تأكيد على ضرورة العودة الطوعية للاجئين، لا سيما في بيانات أستانا بتهيئة الظروف لتلك العودة".

ولفت جاسم خلال تصريحات صحفية في 24 أكتوبر/ تشرين الأول 2020، إلى أن "عودة اللاجئين تعني أن هناك مرحلة جديدة بدأت، ومن أجل جذب الأطراف الأوروبية للمساهمة في إعادة الإعمار، ولا سيما تلك الدول التي تقلقها قضايا اللجوء، وأيضا من جهة أننا على أبواب انتخابات رئاسية عام 2021".

ونوه الخبير في الشأن الروسي إلى أن "الدعوة إلى عودة اللاجئين ليست الأولى من نوعها، لكن الظروف الإقليمية والدولية تغيرت، ومدى نجاحها يعتمد على مدى تعاون الدول الأخرى التي على أراضيها أعداد كبيرة من اللاجئين، وأهداف كل طرف من وراء ذلك".

مناورة روسية

وبخصوص موقف قوى المعارضة السورية، رأى الباحث وائل علوان أن "هذه الخطوة الروسية، مرفوضة من مختلف مؤسسات وأطياف الثورة السورية، كونها خطوة من أجل تعويم نظام الأسد والتستر على جرائمه وعلى الاستحقاقات الدولية القاضية بمحاسبته ومعاقبته على جرائمه".

وخلال تصريحات صحفية في 6 نوفمبر/ تشرين الثاني 2020، وصف نائب رئيس الائتلاف السوري المعارض، عقاب يحيى، "المؤتمر الدولي" بخصوص اللاجئين السوريين المُرتقب عقده في دمشق، بـ"المناورة الروسية" الهادفة إلى تسويق بشار الأسد ومشروعها في سوريا.

وقال يحيى: إن غرض موسكو من تنظيم المؤتمر، هو استجلاب بعض الأموال تحت عنوان "إعادة الإعمار"، لافتا إلى أن عودة اللاجئين، يحتاج إلى شروط غير متوفرة، منها البيئة الآمنة. وتساءل: "عن أي عودة للاجئين تتحدث موسكو، وهي تقصف بشكل يومي شمال غرب سوريا؟".

وأكد يحيى، رفض المفوضية العليا لشؤون اللاجئين، حضور المؤتمر، إلى جانب الدول الفاعلة في الشأن السوري، لافتا إلى أن تجارب العودة من عدد من اللاجئين، أثبتت عدم توفر بيئة آمنة، حيث تعرض غالبية العائدين إلى الاعتقال والتنكيل من النظام وأجهزته الأمنية، وقسم منهم لا زال مجهول المصير حتى الآن.

وفي السياق ذاته، اعتبر "الجيش الوطني" التابع للمعارضة، خلال بيان أصدره في 5 نوفمبر/ تشرين الثاني 2020، المؤتمر بأنه "محطة روسية جديدة لتمييع الملف السوري في أروقة المسارات المتعددة للحل".

وقالت "إدارة التوجيه المعنوي" التابعة لـ"الجيش الوطني": إن "روسيا تسعى إلى استنساخ تجربتها في مسار أستانا، بالالتفاف على المسارات الأممية القريبة من الرؤية الغربية والأميركية تحديدا، إذ إنها أخرجت ملف المؤتمر، من خزانة وزارة دفاعها بعد فشلها في عقده عام 2018، لتعيد طرحه مجددا".

وأضافت: "تزيد موسكو من جهودها الدبلوماسية لعقد المؤتمر ربما لخلق مسار جديد يطول لجولات عدة عنوانه الرئيس عودة اللاجئين، مستغلة الانشغال الأميركي بالانتخابات الرئاسية".

لكن السفير الروسي في الأردن، غليب ديسياتنيكوف، قال خلال تصريح صحفي في 3 نوفمبر/ تشرين الثاني 2020: "المؤتمر يكتسب طابعا إنسانيا بحتا ولا يستهدف إطلاقا المساهمة فيما يسمى بترسيخ شرعية النظام، مثلما يحاول تصنيفه بعض اللاعبين المعروفين الهادفين لحرمان هذا الاجتماع من الدعم الدولي المطلوب".

وزارة الدفاع الروسية كانت قد أعلنت مطلع مايو/ أيار 2018 عن دعوة لعقد مؤتمر دولي وصفته بـ"التاريخي" للاجئين السوريين، بمشاركة الأمم المتحدة ودول معنية بالأزمة السورية، مشيرة حينها إلى أن رئيس النظام بشار الأسد تعاطى بإيجابية مع تلك الدعوة، التي لم تنجح في النهاية بعقد المؤتمر.

الموقف التركي

ورغم عدم صدور أي تصريح رسمي عن تركيا التي تمثل مع روسيا وإيران إحدى الدول الثلاث الضامنة لمسار أستانا من أجل سوريا، لكن موسكو أكدت أن توافقا حصل بين الأطراف الضامنة جميعا بخصوص انعقاد المؤتمر في دمشق.

وقالت المتحدثة الروسية، ماريا زاخاروفا خلال تصريحاتها: إن "هناك توافقا بين الدول الضامنة في أستانا (روسيا وتركيا وإيران) على أهمية عقده في الموعد المحدد"، لافتا إلى أن "عقد المؤتمر جاء بمبادرة روسية حظيت بموافقة أنقرة وطهران منذ منتصف سبتمبر/ أيلول 2020، وأن الأطراف الثلاثة تواصل بحث الموضوع بشكل مكثف للخروج بأفضل النتائج".

ونقلت تقارير صحفية عن مصدر مقرب من الخارجية الروسية في 23 أكتوبر/ تشرين الأول 2020، أن "الإعداد لعقد المؤتمر نوقش أثناء زيارة المبعوث الروسي لسوريا ألكسندر لافرنتييف، إلى طهران ولقائه مع مساعد وزير الخارجية الإيراني للشؤون السياسية علي أصغر حاجي، في 21 أكتوبر/ تشرين الأول 2020، كما بحثه نائب وزير الخارجية ميخائيل بوغدانوف بعدها بيوم مع نظيره التركي سيدات أونال، في موسكو".

وأضاف: أن "تركيا تقع عليها أعباء كبيرة في موضوع اللاجئين مع استقبالها أكثر من 3.5 ملايين سوري على أراضيها"، معربا عن ثقته بأن "تركيا ستتعاون بشكل جيد لإنجاح المبادرة الروسية المفيدة للأطراف الإقليمية ولضمان الاستقرار في سوريا".

وحسب المصدر الروسي، فإنه من المنتظر أن يكون التحضير للمؤتمر على أجندة اللقاءات المقبلة للمبعوث الدولي غير بيدرسن مع مسؤولي النظام السوري نهاية الأسبوع الحالي في دمشق، إضافة إلى الدفع بمسار اللجنة الدستورية.

من جهته، استبعد الكاتب الصحفي التركي عبد الله سليمان أوغلو مشاركة أنقرة في المؤتمر، لأسباب عدة، في مقدمتها رفض تركيا إرسال وفد رسمي لها لدمشق.

وخلال تصريحات صحفية في 6 نوفمبر/ تشرين الثاني 2020، قال سليمان أوغلو: "لن تسهم تركيا في دعم الأسد، لكن من غير المستبعد أن تشارك أطراف من المعارضة التركية، في المؤتمر".

وتشير إحصائيات الأمم المتحدة إلى وصول عدد اللاجئين السوريين إلى أكثر من 6.5 ملايين لاجئ حول العالم، فيما يساوي عدد النازحين داخليا هذا الرقم، ما يعني أن نصف السوريين باتوا بعيدين عن منازلهم منذ انطلاق الثورة عام 2011.