نشاط الصين يزداد بقوة في سوريا.. لماذا انزعجت أميركا وإسرائيل؟
.jpg)
منذ بداية الثورة السورية عام 2011، اتخذت الصين إلى جانب كل من روسيا وإيران موقفا مؤازرا لنظام بشار الأسد، رغم أن بكين لم يكن لها حضور عسكري مماثل لموسكو وطهران في سوريا، لكن دورها بدأ يتنامى مؤخرا بشكل أثار القلق لدى الولايات المتحدة وإسرائيل.
تعمل الصين على تعزيز حضورها السياسي في ملفات ساخنة بالشرق الأوسط من بوابة سوريا، كون دمشق يمكنها أن تصبح نقطة رئيسية في مبادرة الحزام ذات الأبعاد الاقتصادية والسياسية الهامة للصين، فيما تنظر إليها سوريا على أنها منقذ محتمل، مع افتقار روسيا وإيران للقوة المالية.
هدف إستراتيجي
في 22 يوليو/ تموز 2020، كشف تقرير لـ"المرصد الإستراتيجي" عن اهتمام بكين بإعادة فتح أسواق سوريا بعد 9 سنوات من الحرب، حيث إنه بات يشكل أهمية إستراتيجية للصين التي تتقدم على روسيا في البحر الأبيض المتوسط.
وأفاد بأن وفدا يضم عددا من المديرين التنفيذيين لشركات صينية كبرى إلى دمشق، وسط احتفاء نظام الأسد بوصولهم، وعلى رأسهم مسؤولو شركة "نيوكتيك" الأمنية التي ترغب بتوريد معدات للنقاط الحدودية والمنشآت الأمنية للنظام، كالقواعد العسكرية والسجون.
ونوه التقرير إلى أنه إضافة للتعاون في القطاع الأمني، ترغب الصين بالمساهمة في مشاريع إعادة الإعمار، حيث تتوفر لديها السيولة المطلوبة بالمقارنة مع روسيا وإيران اللتين استنزفتا بعد نحو عقد من الصراع في سوريا، وتتقدم في الوقت الحالي شركات صينية عدة بعطاءات للعمل في قطاع الإنشاءات بسوريا.
وتمتد طموحات بكين في سوريا لضمها إلى مشروع "الحزام" الذي يروج له المجلس الصيني للتجارة العالمية "سي سي بي أي تي"، والذي يدعمه بشار الأسد بقوة، إذ إنه يقيم معرضا تجاريا سنويا حول إعادة الإعمار في سوريا، كما نشر دليلا للمستثمرين الصينيين في سوريا عام 2019، بحسب التقرير.

إعادة الإعمار
ولفت إلى أن الصين تنسج شبكتها التجارية في سوريا من خلال إبرام اتفاقيات مع النظام، حيث أبرمت شراكة علمية عام 2016، واتفاقية نقل عام 2019، واتفاقية تعاون اقتصادي وتقني مدعوم بقروض، بلغ آخرها 14 مليون دولار في مارس/آذار 2020.
ووفقا للتقرير، فإن رجل الأعمال محمد حمشو، المقرب من ماهر الأسد، يلعب دورا محوريا بصفته رئيس مجلس رجال الأعمال الصيني-السوري، حيث يقف خلف الاتفاقيات التي تم إبرامها بين السفير الصيني في دمشق، فينغ بياو، ومستشاره الاقتصادي تشين وينلينغ، مع مختلف الجهات الرسمية السورية.
وفي السياق ذاته، قال الكاتب جوناثان فينتون-هارفي في مقال بموقع "المونيتور" الأميركي: إن "الوجود المتزايد للصين في الشرق الأوسط يضع سوريا كهدف إستراتيجي لمجال لنفوذها، في حين أن التوترات مع الولايات المتحدة وسط وباء فيروس كورونا تدفع الآن اهتمام بكين المتزايد بسوريا".
وأضاف الكاتب في 10 يونيو/ حزيران 2020: أن رئيس النظام بشار الأسد طلب مساعدة بكين في إعادة الإعمار وترميم الأضرار الناجمة عن النزاع المستمر منذ 9 سنوات. ويبدو أن الأسد يشعر أن الصين ستمنح سوريا القدرة على الاستمرار بعد الحرب تحت رعايته.
في كانون الأول / ديسمبر 2019، رحب الأسد باستثمارات صينية أكبر، قائلا: "الآن، مع تحرير معظم المناطق، بدأنا مناقشات مع عدد من الشركات الصينية التي لديها خبرة في إعادة الإعمار". وتابع: "من المعروف جيدا أن إعادة بناء الدول التي دمرتها الحرب جزئيا أو كليا مربحة للغاية ولها عوائد عالية على الاستثمار".
قوة مالية
اندفاع النظام السوري نحو الصين، يعود إلى أسباب امتلاك الصين القوة المالية الكبيرة على العكس من الحليفين الآخرين روسيا وإيران، اللذين يفتقران إلى الوسائل المالية اللازمة لتلبية احتياجات إعادة الإعمار في سوريا، والتي تقدر بين 250 و400 مليار دولار، وفقا لرأي محللين.
ونقلت "المونيتور" عن لوسيل غرير، الباحثة في مركز "وودرو ويلسون" الدولي قولها: "كانت سوريا حريصة على الترويج لنفسها كجزء من مبادرة "الحزام والطريق" الصينية، والتي غالبا ما تدعو إلى أساطير طريق الحرير والأهمية التي تحتلها دمشق في ذلك التاريخ".
ويسلط المسؤولون السوريون الضوء على الروابط الجغرافية لسوريا بأوروبا وإفريقيا، وهي النقطة التي ترددها الصين كذلك، فيما تشير غرير إلى خطط لإدراج سوريا في عدد كبير من خطوط السكك الحديدية التي تبنيها الصين في المنطقة باسم مبادرة "الحزام والطريق".
وأكدت أن الداعمين العسكريين لنظام الأسد (روسيا وإيران) يفتقران إلى الوسائل المالية اللازمة لتلبية احتياجات إعادة الإعمار في سوريا، لذلك، الصين هي الدولة الوحيدة التي يمكن أن يلجأ إليها الأسد.
وبالتأكيد للصين مصلحة في الاستثمار في سوريا. ويذكر مجلس الأعمال السوري الصيني على موقعه على الإنترنت أن "الشركات السورية والأجنبية ستشارك في إعادة إعمار سوريا، وستحصل الشركات الصينية على أكبر حصة".
وعلى نحو مماثل، يرى الكاتبان علي القادري وليندا مطر في مقال مشترك بصحيفة "الأخبار" اللبنانية في 22 يونيو/ حزيران 2020، أن الصين تستطيع دعم إعادة بناء البنية التحتية المادية والاجتماعية في المناطق التي تسيطر عليها الحكومة والمناطق "المحررة" أخيرا. ويمكن لجهود إعادة الإعمار الفورية والنشطة أن تعيد الاستقرار النسبي عبر الأراضي السورية.

"مصلحة جيوإستراتيجية"
وحسب المقال، فإن سوريا يمكنها الاستفادة من التمويل الصيني وخبرتها في تطوير البنية التحتية وبناء القدرات، فسوريا تعاني من نقص الموارد الإنتاجية، لذا يمكنها الاستفادة أيضا من الآلات والمعدات الصينية من خلال إشراك الشركات الصينية الصغيرة والمتوسطة (SMEs).
ونوه إلى أن ما تصر عليه الصين للمشاركة في إعادة إعمار سوريا وتطوير البنية التحتية للدول الأخرى، هو أن تستند العملية إلى مبادئ مبادرة "الحزام والطريق" الرئيسية الثلاثة: "المناقشة المشتركة، المشروع المشترك والمنفعة المشتركة".
ولفت المقال إلى أن الصين لديها مصلحة جيوإستراتيجية في دعم صمود الدولة السورية (نظام بشار)، لأن سقوط سوريا يدفع هذه الدولة إلى أحضان الغرب. مثل هذه النتيجة ستُضعف الصين وحلفاءها وستغير هيكل القوة العالمية بشكل كبير لمصلحة الولايات المتحدة وحلفائها.
وتابع: صراع القوى على الأراضي السورية لعبة قوة إمبريالية، والمنتصرون في الحرب قد يصنعون أو يكسرون "الحزام والطريق". وبما أن الصين تدعم دولة ذات سيادة ومركزية في سوريا، فإن تدخلها الفوري في إعادة إعمار سوريا سيخدم مصالحها. وهذا بدوره سيعزز حكم الدولة السورية على الأراضي ويعزز سيادة سوريا.
وختم الكاتبان حديثهما بالقول: "يمكن أن تلعب النفقات المالية المقدمة في سياق التجديد الاقتصادي والمادي دورا حاسما في تعزيز استقلال سوريا واستقلالها وتكاملها الإقليمي. هذا بغض النظر عمن هو على رأس الدولة".
أميركا وإسرائيل
لكن تحركات الصين نحو سوريا أثارت مخاوف إسرائيل والولايات المتحدة، لأن المشاريع التي تنوي بكين تنفيذها هي امتداد لما يجري الاتفاق عليه بين طهران وبكين حاليا، والذي سيمكن الصين من استخدام القواعد الجوية الإيرانية بشكل غير محدود، كما يتضمن بناء قدرات إيران للحرب الإلكترونية مقابل الحصول على نفط ومصانع بأسعار رخيصة وتمكينها من إنشاء محطات مواصلات لنقل بضائعها للغرب.
وفي مقابل استثمارها في البنية التحتية والنفط والتكنولوجيا الإيرانية، ترغب الصين في الحصول على مزايا عسكرية يمكن أن تغير ميزان القوى الجيوسياسية في الشرق الأوسط، حيث تشير بعض التسريبات إلى إمكانية منح الصين عقد إيجار لجزيرة "كيش" مدته 25 عاما، واستحواذها على حقوق الصيد في المياه الجنوبية.
وأشار تقرير "المرصد الإستراتيجي" إلى رغبة الصين في إدماج سوريا، تخطط بكين لمنح إيران موقعا رئيسا في مشروع "حزام واحد، طريق واحد"، حيث ترغب بالاستفادة من العمالة الرخيصة المتاحة في إيران لبناء المصانع التي سيتم تمويلها وتصميمها والإشراف عليها من شركات التصنيع الصينية الكبيرة بذات المواصفات والعمليات الموجودة في الصين، وبعد ذلك ستصل المنتجات المصنعة للأسواق الغربية من خلال محطات مواصلات جديدة تخططها وتمولها وتديرها الصين.
ويتوقع التقرير أن تمثل مدينة "تبريز" ركيزة للمشروع الصيني، حيث توجد فيها منشآت كبرى للنفط والغاز والصناعات البتروكيميائية، ويمثل خط غاز تبريز-أنقرة نقطة محورية في طريق الحرير البالغ طوله 2300 كم، والذي يربط مدينة "أرموتشي" عاصمة إقليم "شينجيانغ" بطهران، مرورا بكازاخستان، إلى أوروبا وقيرغيزستان، وأوزبكستان، وتركمانستان، وتركيا وصولا.
وأثارت التسريبات بشأن تلك الصفقة الصينية - الإيرانية مخاوف في واشنطن وتـل أبيب، إذ إنها ستقوض جهود إدارة ترامب لعزل طهران وخنق اقتصادها، حيث يشمل توسيع الوجود الصيني قطاعات: البنوك، والاتصالات، والموانئ، والسكك الحديدية وعشرات المشاريع الأخرى، وسيمثل شريان حياة يغذي الاقتصاد الإيراني.

"الحزام والطريق"
ويرى الباحث الأميركي المتخصص في السياسات الدولية جيمس دورسي، خلال تصريحات صحفية في 14 يونيو/ حزيران 2020 أن وصول الصين إلى الموانئ السورية المطلة على البحر المتوسط (طرطوس واللاذقية) يعد فرصة جذابة في مبادرة تسعى من خلالها إلى توصيل نفسها بأوراسيا. ومن شأنها أيضا أن تعزز موطئ قدم في بيريوس اليونانية والموانئ الإسرائيلية (حيفا وأسدود).
ويرتبط اهتمام الصين بالموانئ السورية ارتباطا وثيقا باستكشاف شركة الصين لهندسة الموانئ لسبل تعزز استغلال ميناء طرابلس اللبناني لتمكينه من استقبال السفن الكبيرة.
وعلى عكس الموانئ السورية، ستمنح طرابلس الصين حرية أكبر ولن تضطر إلى تقاسم السيطرة مع روسيا، إضافة إلى جعلها نقطة بديلة عن المرور عبر قناة السويس.
من جهته، يقول الخبير الروسي أناتولي إيفانوف خلال تصريحات صحفية في 14 يونيو/ حزيران 2020: إنه "في ساحل سوريا، هناك فرصة للسيطرة على البحر المتوسط بأكمله.. يُعد البحر المتوسط، بالنسبة لروسيا، أقرب جغرافيّا وأهم جيوسياسيّا. لذلك، فمن المعقول أن تغتنم الفرصة لدعم وجودها في سوريا".
التريث الصيني في الانجرار إلى منافسة علنية ومباشرة مع روسيا وإيران منع ظهور أية خلافات، كما قد يسمح بتعميق العلاقات الصينية الروسية في أعقاب انتشار فيروس كورونا واعتماد الإيرانيين على الصين بتقسيم الخطة بطرق تحول سوريا إلى نقطة مهمة في مبادرة الحزام والطريق.
وحسب دورسي، فإن "اهتمام الصين بموانئ البحر المتوسط هو جزء من جهد أكبر يرمي لدمج الشرق الأوسط كمحطة في طريق الحرير البحري، وشملت خطواتها نحو التوسع في البحر الأحمر عبر إنشاء أول قاعدة عسكرية صينية في جيبوتي".
المصادر
- التقرير الاستراتيجي السوري (79) 22 يوليو 2020
- ما هي مصالح الصين في سوريا؟
- China shows greater interest in Syria amid pandemic, US tensions Read more: https://www.al-monitor.com/pulse/originals/2020/06/china-invest-syria-assad-reconstruction-us-tension.html#ixzz6TbstElmF
- دور الصين المتنامي في سوريا
- أي فرص للصين في سوريا لتعزيز نفوذها بالشرق الأوسط
- دور الصين في أمن سوريا القوميّ
- الصين تبدي اهتماماً أكبر بسوريا وتبحث عن الاستثمار في الساحل

















