الأرض تتنفس.. هكذا أثر كورونا على مستويات التلوث في العالم

12

طباعة

مشاركة

تعقبت عدسات مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي في عدد من الدول تجوّل الحيوانات البرية في شوارع المدن الكبرى التي توقفت الحياة فيها بسبب الحجر الصحي على إثر انتشار فيروس كورونا.

ناشرو هذه الصور والفيديوهات أجمعوا على أن الطبيعة تتنفس بأريحية بعد أن تخلصت من قبضة الإنسان. فالسكون الذي يعم المدن عبر العالم هو ما منح الحيوانات الطمأنينة وجعلها تخرج للتجول على شكل مجموعات وفرادى دون أي خوف.  

رأي الناشطين عززه الخبراء عبر تقارير عديدة تفيد بأن توقف حركة السيارات والطائرات أدت إلى انخفاض التلوث وانبعاثات الغازات الدفيئة عبر القارات، حيث تحاول الدول احتواء انتشار الفيروس التاجي المستجد. ودفعهم إلى التساؤل هل هو تغيير عابر، أم انخفاضات طويلة الأمد في الانبعاثات؟

في غضون أسابيع قليلة تغير العالم، وأصبحت الشوارع مهجورة بعد أن فرضت السلطات حظرا صارما، ووضعت قيودا على السفر غير مسبوق منذ الحرب العالمية الثانية. إذ تم إلغاء الرحلات الجوية أو الدوران في الجو وتراجع قطاع صناعة الطيران. كل هذا من أجل السيطرة على انتشار كوفيد 19.

هذا التغيير أدى إلى نتائج لم تكن في الحسبان، بحسب تقرير لموقع "بي بي سي" البريطاني، فقد أدى إغلاق الصناعات وشبكات النقل والشركات إلى انخفاض مفاجئ في انبعاثات الكربون. ومقارنة مع هذا الوقت من العام الماضي، انخفضت مستويات التلوث في نيويورك بنسبة 50٪ تقريبا بفضل إجراءات احتواء الفيروس.

اقتصاد بلا كربون

وفي الصين، انخفضت الانبعاثات بنسبة 25٪ في بداية العام، حيث صدرت تعليمات للناس بالبقاء في منازلهم وأغلقت المصانع، وانخفض استخدام الفحم بنسبة 40٪ في أكبر ست محطات للطاقة في الصين منذ الربع الأخير من عام 2019. 

ووفقا لوزارة البيئة فقد ارتفعت نسبة الأيام التي تتمتع "بالهواء الجيد" بنسبة 11.4٪ مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي في 337 مدينة في أنحاء الصين. 

وقد أشاد العديد من الخبراء بهذا التراجع الملحوظ في نسبة تلوث الهواء في الدول المصنعة كالصين والدول الأوروبية.

وأوضحت الباحثة في وكالة الفضاء الأميركية "في ليو" في تعليق على تقلص التلوث في الصين "هذه المرة الأولى التي أرى فيها تغييرا بهذه الدرجة في منطقة بهذا الحجم بفعل حدث معين".

أما الاختصاصي في جودة الهواء في الوكالة الأوروبية للبيئة، ألبرتو غونزاليز أورتيز، قال: إنه حتى في الأزمة الاقتصادية العالمية في 2008 و2009، كان التراجع "أكثر استمرارا على المدى الزمني".

ولفت فنسان هنري بوش، من برنامج "كوبرنيكوس" الأوروبي لمراقبة الأرض لوكالة "فرانس برس"، إلى أن مستويات التركيز الوسطي بثاني أكسيد النيتروجين في شمال إيطاليا تراجعت إلى النصف تقريبا، لكن ذلك لا يعني أن الهواء في العالم بات نقيا.

وتنتظر وكالات الفضاء تطور الوضع قليلا في بلدان ومناطق أخرى اتخذت مؤخرا تدابير حجر منزلي بينها فرنسا وبلجيكا والأرجنتين وتونس وكولومبيا وكاليفورنيا وبافاريا لرصد مدى تأثير ذلك على تراجع نسبة التلوث.

تسبب الوباء في فقدان الوظائف على نطاق واسع وهدد سبل عيش الملايين بينما تكافح الشركات للتعامل مع القيود المفروضة للسيطرة على الفيروس. توقف النشاط الاقتصادي وتعثرت أسواق الأسهم إلى جانب انبعاثات الكربون المتراجعة.

وهو ما يدفع بقوة نحو اقتصاد مستدام منزوع الكربون، الذي دافع عنه نيكولا ستيرن في كتابه "اقتصاديات التغير المناخي"، وإن كان من المؤكد أنه لا ينبغي النظر إلى الوباء العالمي الذي يحصد أرواح الناس كفرصة لإحداث التغيير البيئي.

الخبراء أوضحوا أنه ليس من المؤكد مدى بقاء هذا الانخفاض في الانبعاثات، وبعدما ينحسر الوباء هل تعود انبعاثات الكربون والملوثات إلى حد كبير، لدرجة أن هذه الفترة ستكون استراحة فاصلة، أم يمكن للتغييرات التي نراها اليوم أن يكون لها تأثير أكثر ثباتا؟

وربطت باحثة العلوم في جامعة لوند في السويد، كيمبرلي نيكولاس، بين انخفاض الانبعاثات ووسائل النقل، التي تشكل 23٪ من انبعاثات الكربون العالمية.

وقد انخفضت هذه الانبعاثات على المدى القصير في البلدان التي أدت فيها تدابير الصحة العامة إلى إبقاء الناس في منازلهم وقطع السفر غير الضروري.

وتعد السيارات والطائرات مساهمين رئيسيين في الانبعاثات، وتساهم بنسبة 72 ٪ و 11 ٪ من انبعاثات غازات الدفيئة في قطاع النقل على التوالي.

ماذا بعد الجائحة؟

العزلة التي يعيشها الناس الآن عبر العالم، ستخلق حالة من النهم على السفر والتنقل بعد انتهاء الجائحة، لذلك يمكن أن تعود هذه الانبعاثات ببساطة إذا عاد الناس إلى عاداتهم القديمة. 

وتتوقع منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أن الاقتصاد العالمي سيظل ينمو في عام 2020، وإن كانت توقعات النمو قد انخفضت بمقدار النصف بسبب فيروس كورونا.

ولكن حتى مع هذا الانتعاش، لاحظ باحثون مثل غلين بيترز من مركز أبحاث المناخ والبيئة الدولية في أوسلو أن عام 2020 قد لا يزال يشهد انخفاضا عاما في الانبعاثات العالمية بنسبة 0.3٪، أقل من الانهيار الذي حدث في 2008-2009، ولكن أيضا مع فرصة لانتعاش أقل إذا كانت الجهود المبذولة لتحفيز الاقتصاد تتركز نحو قطاعات مثل الطاقة النظيفة.

أحد العوامل التي يمكن أن تؤثر على الانبعاثات هي المدة التي تستمر فيها الجائحة وهو ما يصعب التنبؤ به، لكن خبراء المناخ يأملون رؤية تأثيرات طويلة المدى وأكثر جوهرية.

إذا استمر تفشي الفيروس التاجي حتى نهاية 2020، فقد يظل طلب المستهلكين منخفضا بسبب فقدان الأجور. قد لا يتعافى استخدام الناتج والوقود الأحفوري بهذه السرعة، على الرغم من وجود القدرة على القيام بذلك. 

هناك طرق أخرى غير أن يكون للفيروس تأثير طويل، وهي رفع مستوى الوعي لدى الناس بأزمة المناخ، إذ يعتبرها الخبراء الأولوية الأكثر أهمية وإلحاحا، إذ أن تلوث الهواء يسلب من عمر الإنسان ما يقدر بثلاث سنوات من متوسط العمر المتوقع العالمي.

وفيما اقتُرح عقد أكبر حدث مناخي لهذا العام "COP 26" عبر الإنترنت لا يزال من المقرر عقده في نوفمبر/ تشرين الثاني 2020 في سكوتلندا، ومن المتوقع أن يجذب 30 ألف مشارك من جميع أنحاء العالم. 

ويمني هؤلاء النفس بتغيير الناس لسلوكياتهم ما بعد وباء كورونا الحالي، وجعل أولوياتهم في الحياة تخصيص وقت للأسرة والبقاء في المنزل، والتقليل من فضلات الطعام بسبب نقص التخزين.

نقلا عن دراسة أجريت عام 2018 بقيادة كورين موسر من جامعة زيورخ للعلوم التطبيقية في سويسرا، قال موقع "بي بي سي": إن مجموعة ممن أجريت عليهم الدراسة عندما تمتعوا باشتراك مجاني لتعلم قيادة الدراجة الإلكترونية، عاد عدد قليل منهم لقيادة سياراته بعد استرجاعها.

وكشفت دراسة أجريت عام 2001 بقيادة ساتوشي فوجي في جامعة كيوتو في اليابان، أنه عندما أغلق طريق سريع أجبر السائقون على استخدام وسائل النقل العام، وعندما أعيد فتح الطريق ظل الأشخاص الذين كانوا سابقا سائقين ملتزمين بوسائل النقل العام. لذلك يمكن أن تؤدي أوقات التغيير إلى إدخال عادات دائمة في يوميات الناس.

رسائل الطبيعة

ترسل الطبيعة رسالة لنا مع جائحة كورونا وأزمة المناخ الجارية، وفقا لمدير البيئة في الأمم المتحدة، إنجر أندرسن، الذي قال: إن البشرية تفرض الكثير من الضغوط على الطبيعة مع عواقب مدمرة، وحذر من أن الفشل في رعاية الكوكب يعني عدم الاهتمام بأنفسنا.

كما قال علماء بارزون، بحسب صحيفة "الجارديان" البريطانية: إن تفشي فيروس كورونا كان "طلقة تحذير واضحة"، نظرا لوجود أمراض أكثر فتكا في الحياة البرية، وأن حضارة اليوم "تلعب بالنار". وقالوا: إن السلوك البشري دائما ما تسبب في انتشار الأمراض إلى البشر.

وقال الخبراء: إنه لمنع المزيد من تفشي الأمراض، يجب التخلص من الدفيئة العالمية أو الاحتباس الحراري المتزايد الخطورة الذي لعب دورا في الكوارث الطبيعية بما في ذلك حرائق الغابات في أستراليا و الفيضانات في إفريقيا.

وأيضا التوقف عن تدمير الطبيعة عبر الزحف الإسمنتي وجعل الإنسان أقرب من مساحات الحياة البرية. 

كما حثوا السلطات على وضع حد لأسواق الحيوانات الحية - التي أطلقوا عليها "وعاء الخلط المثالي" للأمراض - والاتجار غير المشروع بالحيوانات العالمية.

وقال أندرسن: إن الأولوية العاجلة كانت حماية الناس من الفيروس التاجي ومنع انتشاره، "لكن استجابتنا طويلة الأجل يجب أن تعالج فقدان التنوع البيولوجي".

وأفادت الجارديان بأن 75٪ من جميع الأمراض المعدية الناشئة تأتي من الحياة البرية: "لم يكن هناك من قبل فرص كثيرة لمسببات الأمراض للانتقال من الحيوانات البرية والداجنة إلى البشر.

وتابعت: "لقد أدى تآكل المساحات البرية عن طريق المباني إلى تقريبنا بشكل غير مريح من الحيوانات والنباتات التي تأوي الأمراض التي يمكن أن تنتقل إلى البشر".

وأشار أندرسن إلى تأثيرات بيئية أخرى، مثل حرائق الأدغال الأسترالية، وسجلات الحرارة المحطمة وأسوأ غزو للجراد في كينيا منذ 70 عاما. 

وتفشي الأمراض المعدية البشرية آخذ في الارتفاع وفي السنوات الأخيرة كان هناك إيبولا وإنفلونزا الطيور ومتلازمة الجهاز التنفسي في الشرق الأوسط (ميرس) وحمى الوادي المتصدع والمتلازمة التنفسية الحادة الوخيمة (سارس) وفيروس النيل الغربي وفيروس زيكا، كلها تنتقل من الحيوانات إلى البشر .

وقال البروفيسور أندرو كانينجهام، من جمعية علم الحيوان: إن ظهور كوفيد 19 وانتشاره لم يكن متوقعا فحسب، "بل كان من المؤكد ظهور فيروسي آخر من الحياة البرية سيكون تهديدا للصحة العامة".

وخلصت دراسة أجريت عام 2007 عن تفشي مرض سارس في 2002-2003 إلى أن "وجود خزان كبير من الأوبئة الشبيهة بفيروس سارس موجود في خفافيش حدوة الحصان، وأن ثقافة تناول الثدييات الغريبة في جنوب الصين، هو قنبلة موقوتة".

فيما شدد آرون بيرنشتاي، من كلية هارفارد للصحة العامة في الولايات المتحدة، على أن تدمير الأماكن الطبيعية يدفع الحياة البرية للعيش بالقرب من الناس وأن تغير المناخ يجبر الحيوانات أيضا على الانتقال: "هذا يخلق فرصة لمسببات الأمراض للدخول إلى مضيفين جدد". 

وزاد قائلا للصحيفة البريطانية: "يجب أن ندرك أننا نلعب بالنار، "إن فصل السياسة الصحية والبيئية هو وهم خطير. تعتمد صحتنا بشكل كامل على المناخ والكائنات الحية الأخرى التي نتشارك الكوكب معها".