أباح دماء السوريين لروسيا.. لماذا عاد الأسد لتمجيد تدخل بوتين في بلاده؟

روسيا لجأت إلى تجريب أسلحة جديدة من صناعتها العسكرية خلال قصف المدن السورية
يستغل رئيس النظام السوري بشار الأسد كل فرصة للاعتراف بدور الرئيس فلاديمير بوتين في منع سقوط حكمه أمام ثورة شعبية انطلقت عام 2011 وكادت تطيح به.
وفي موقف يؤكد حماية بوتين لعرش الديكتاتوريات، قال الأسد في لقائه طلابا روسا مشاركين في مخيم الشباب السوري - الروسي، إن الرئيس الروسي أرسل الطائرات وشارك في العمليات العسكرية بسوريا لحماية بلاده "قبل كل شيء".
"سردية الأسد الكاذبة"
وأضاف الأسد للطلاب الروس المشاركين بالمخيم الذي نظمه "الاتحاد الوطني لطلبة سوريا" و"حركة الحرس الفتي" الروسية؛ في 28 فبراير/شباط 2024 :"لو لم يتخذ الرئيس بوتين القرار بمحاربة الإرهاب في سوريا لزاد عدد الإرهابيين أضعافا مضاعفة في روسيا"، وفق قوله.
واستدرك قائلا: "البعض يسأل لماذا أرسل الرئيس بوتين الطائرات إلى سوريا؟ الجواب: هو كان يحمي روسيا وشعبها أولا وقبل كل شيء".
ولم يتوقف الأسد عند حد تزييفه لحقيقة التدخل العسكري الروسي عام 2015 بسوريا، بل راح يكرر جملة الأكاذيب التي يرددها مع بوتين فيما يتعلق بالمجازر التي ارتكبها جيشاهما.
وادعى الأسد بأن "النازيين الجدد في أوكرانيا يعتدون على المدنيين وتُتهم روسيا، وما حصل في سوريا يشبه ذلك تماما".
هذه "السردية الكاذبة" التي مررها الأسد على مسامع الطلاب الروس داخل قصره الجمهوري، لا تبعد سوى أقل من خمسة كيلومترات على أحد شواهد الخراب والدمار الذي أحدثته الطائرات الروسية المقاتلة بأحياء ريف دمشق ودفع أكثر من مليون ونصف من سكانها للهجرة قسرا نحو الحدود السورية مع تركيا وللخارج.
وشكل التدخل العسكري الروسي في سوريا نهاية سبتمبر/أيلول 2015 الحدث المفصلي الأول في رجحان كفة النظام السوري على المعارضة، حيث منع سقوط نظام بشار الأسد ومكنه من استعادة السيطرة على مساحات واسعة من المدن التي كانت تحت نفوذ الثوار.
ولهذا صنف "التدخل الروسي الدموي" كأهم نقاط التحول السياسي والعسكري في الثورة السورية التي انطلقت في مارس 2011.
ولم يكن التدخل الروسي في سوريا دون ثمن بالنسبة للكرملين، الذي وجد الفرصة المناسبة لابتلاع هذا البلد وفرض احتلال وهيمنة عسكرية شبه دائمة.
فقد ضمنت روسيا وجودا دائما لها على ساحل البحر المتوسط، عبر توقيع عقدي استئجار طويلي الأجل عام 2017 لمدة 49 عاما قابلة للتمديد لمدة 25 سنة أخرى، لكل من قاعدة حميميم الجوية بريف اللاذقية وأخرى بحرية على ساحل طرطوس.

وبذلك كبلت روسيا نظام الأسد باتفاقيات تمتد إلى عام 2091، مقابل كلفتها الحربية التي أحالت بعض المدن السورية لكومة من التراب لكي تتمكن قوات الأسد من التقدم على الجثث والأشلاء والدمار وإعلان السيطرة من جديد.
وقد تحولت قاعدة حميميم منذ ذلك الوقت إلى منطلق للطائرات الروسية، وتسببت بقتل عشرات الآلاف من المدنيين السوريين وتدمير كامل للبنى التحتية والمنازل وتهجير مئات الآلاف نحو خارج البلاد.
ووثقت الشبكة السورية لحقوق الإنسان (معارضة)، مقتل نحو 7 آلاف مدني سوري على يد القوات الروسية منذ بدء تدخلها العسكري لدعم نظام الأسد في سوريا في 30 سبتمبر 2015.
وفصلت الشبكة الحقوقية في تقرير لها نشر في 28 سبتمبر 2023 مقتل 6954 مدنيا بينهم 2046 طفلا و978 سيدة على يد القوات الروسية لوحدها منذ بدء تدخلها العسكري بسوريا.
وذكرت أنها وثقت بالصور والفيديو ما لا يقل عن 360 مجزرة ارتكبتها القوات الروسية منذ تدخلها العسكري، إلى جانب 1246 حادثة اعتداء على مراكز حيوية مدنية من مدارس ومنشآت طبية وأسواق.
وأشار التقرير إلى مقتل 70 من الكوادر الطبية و44 من كوادر الدفاع المدني على يد القوات الروسية كما جرى توثيق مقتل 24 إعلاميا أيضا في الفترة نفسها.
وأوردت الشبكة إحصائية لشن القوات الروسية 237 هجوما بذخائر عنقودية منذ 30 سبتمبر 2015، وكذلك 125 هجوما بأسلحة حارقة.
وبشأن أعداد النازحين، قالت إنها وثقت تشريد 4 ملايين و800 ألف شخص من منازلهم في سوريا منذ عام 2011.
وكان لما وصفته بالعنف المتصاعد من جانب القوات الروسية الأثر الأكبر فيه إلى جانب الهجمات التي شنتها قوات النظام السوري وحلفاؤها من المليشيات الأجنبية.
لعبة روسيا
خلال اشتداد المعارك بين قوات الأسد وفصائل المعارضة في عدد من المدن عقب التدخل الروسي، كانت همجية القصف على الأحياء السكنية تصل لحد مسح الأبنية المجاورة بقصف واحد.
واتضح لاحقا أن روسيا لجأت إلى تجريب أسلحة جديدة من صناعتها العسكرية خلال قصف المدن السورية.
وقد اعترف بوتين، بأن جيش بلاده جرب أحدث الأسلحة التي يمتلكها، وأثبت مواصفاتها "الفريدة" في عمليات نفذها في سوريا.
وقال بوتين في اجتماع سابق عقده مع المسؤولين عن تطوير الصناعات الدفاعية وقادة بالجيش الروسي في مدينة سوتشي جنوب غرب روسيا، إن الجيش الروسي يمتلك أحدث الصواريخ الجوالة البعيدة المدى وراجمات الصواريخ والقنابل الموجهة، التي تمتلك مواصفات فريدة تجعلها أفضل من نظيراتها الأجنبية.
وأضاف قائلا: "تم تأكيد هذه المواصفات في أعمال عسكرية حقيقية أثناء العمليات التي جرى تنفيذها ضد الإرهابيين في سوريا".

كما أن وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو، اعترف بأن جيش بلاده جرب أكثر من 320 نوع سلاح مختلف خلال عملياته في سوريا.
وأضاف في كلمة له منتصف يوليو/تموز 2021 في شركة "روست فيرتول" الروسية لصناعة المروحيات، أن الأخيرة طورت إحدى مروحياتها نتيجة العمليات العسكرية في سوريا.
ولفت شويغو إلى أن نسبة الأسلحة والمعدات الحديثة لدى الجيش الروسي، تصل إلى 70 بالمئة، لافتا إلى أنها من بين الأعلى مقارنة بباقي جيوش العالم.
وقبل ذلك كشف شويغو، عن وجود أكثر من 70 متخصصا ومهندسا ومصمما من شركات أسلحة روسية في قاعدة "حميميم" الجوية الروسية بريف اللاذقية على مدار السنوات الماضية "لإجراء الاختبارات والمساعدة في حل المشكلات في الوقت المناسب"، مؤكدا أن "ورشة إنتاج كبيرة" تم إنشاؤها هناك.
وقال شويغو في مقابلة مع الصحيفة العسكرية البلغارية، في 21 مايو/أيار 2021 إن روسيا اختبرت سلاح الليزر السري "بيريسفيت/ Perevest" في سوريا بالإضافة إلى مئات الأسلحة الجديدة الأخرى.
وأضاف أن "العديد من الأسلحة الجديدة لم تشهد المرحلة التالية من تطويرها أو إنتاجها التسلسلي قط، ولم يكن هناك مكان يمكن اختبارها فيه سوى الحرب. على الرغم من أننا لا نريد ذلك، إلا أن الاختبارات العسكرية جيدة وضرورية بالطبع".
اللافت أن إستراتيجية تجريب الأسلحة الروسية الحديثة على رؤوس المدنيين العزل في المحافظات السورية، بدأ تطبيقها عقب التدخل العسكري مباشرة.
إذ سبق أن أكد رئيس هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة الروسية فاليري غيراسيموف أن العسكريين الروس جربوا عمليا في سوريا جميع نماذج الأسلحة الروسية الحديثة.
وأشار غيراسيموف خلال اجتماع في وزارة الدفاع الروسية في 11 يوليو 2017 إلى أن القوات الروسية تمكنت من تطبيق مبدأ "هدف واحد.. قنبلة واحدة" وذلك بفضل الاستخدام الواسع النطاق للأسلحة الاستطلاعية الضاربة.
وراهنا هناك آلاف الجنود الروس يتمركزون في أكثر من 30 قاعدة ونقطة عسكرية في مناطق سيطرة النظام السوري أبرزها قاعدة حميميم الجوية.
وحينما ذهب بشار الأسد لموسكو، في 14 مارس/آذار 2023، في زيارة رسمية هي الرابعة له لروسيا منذ عام 2011، التقى خلالها بوتين، قدم مزيدا من التنازلات لموسكو.
وخلال لقاء مع الأسد أجرته وكالة "سبوتنيك" الروسية ونشرته في 16 مارس 2023 قال الأسد: "إن دمشق سترحب بأي مقترحات من روسيا لإقامة قواعد عسكرية جديدة أو زيادة عدد قواتها في سوريا".
ثمن بقاء الأسد
في الجانب الاقتصادي، جرى رصد توقيع روسيا ما يقارب 40 اتفاقا اقتصاديا وصفقة تجارية مع النظام السوري خلال العقد الأخير، في خطوة تدلل على إقدام الأسد على رهن اقتصاد سوريا لروسيا ثمنا لبقائه بالسلطة، وللحد من تأثير العقوبات الغربية على نظامه.
كما وقعت روسيا مع النظام عدة اتفاقيات إستراتيجية في مجال التنقيب عن النفط والغاز في المياه الإقليمية السورية في البحر المتوسط، واستخراج الفوسفات من مناجم الشرقية في تدمر بريف حمص.
ولم تقتصر الاتفاقيات بين الطرفين على البترول والغاز والطاقة فحسب، بل شملت جوانب أخرى، منها الحبوب والأغذية.
بموجب هذه الاتفاقيات، أصبحت روسيا الدولة الأولى في تصدير مادة القمح لسوريا، إضافة إلى الاتفاق على بناء أربعة مطاحن للحبوب في محافظة حمص، بكلفة 70 مليون يورو، ما يعني أن القمح الذي يشكل المادة الأساسية في قوت السوريين بات بيد روسيا بشكل شبه تام.
كما حصلت شركة "سينارا إنت" الروسية، في 6 يوليو/تموز 2022، على عقد استثماري لبناء مجمع سياحي (4 نجوم) في منطقة "جول جمال" بمدينة اللاذقية الساحلية الواقعة شمال غربي سوريا، بعقد مدته 45 عاما، و6 سنوات لمدة التنفيذ.
وبهذا فإن حلم روسيا بأن تصبح قوة حاضرة في مياه المتوسط الدافئة الذي كانت تخطط له منذ انهيار الاتحاد السوفيتي عام 1991، لإعادة إحياء مكانتها الدولية في النظام الدولي، تحقق على يد بشار الأسد.
ويساعد روسيا في اتخاذ الساحل السوري وجهة لمواطنيها عبر تشجيع السياحة هناك هو كونها معقل ضباط وعناصر النظام، ويمكنها أن تكون بيئة خصبة قادرة على تمرير الغزو الثقافي الروسي.
على صعيد الدعم السياسي، وقفت روسيا ضد أي إدانة دولية للنظام السوري منذ عام 2011 وعملت على شل مجلس الأمن تجاه مساءلة دمشق عن الجرائم ضد الإنسانية المنسوبة إليها.
واستخدمت موسكو حق النقض "الفيتو" في مجلس الأمن 18 مرة، منها 4 قبل التدخل العسكري، و14 مرة استُخدمت بعد تدخلها المباشر في سوريا عام 2015.

ولم يكن زلة لسان ما قاله وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف في معرض تبريره لموقف روسيا الداعم لنظام بشار الأسد في حديث لإذاعة كوميرسانت إف أم الروسية نهاية مارس 2012.
وقال لافروف وقتها: "إذا سقط النظام الحالي في سوريا، فستنبثق رغبة قوية وتمارس ضغوط هائلة من جانب بعض بلدان المنطقة من أجل إقامة نظام سنّي في البلاد".
والسنة هم الأغلبية في سوريا ويحكم آل الأسد (العلويون) البلاد منذ عام 1971 عقب انقلاب والده حافظ على السلطة ومن ثم توريث ابنه بشار الحكم عام 2000.
وتؤكد مواقع سورية معارضة أن الأخير قتل أكثر من نصف مليون سني عقب اندلاع الثورة السورية عام 2011.
ويدرك بشار الأسد أنه بحاجة ماسة لغطاء دولي يمده بالشرعية ولهذا يمسك بعباءة بوتين ويفتح سوريا أمام قواته، كونه يدرك أنه لولا التدخل الروسي لسقط نظامه على يد الثوار.
ولذلك لم يتوان لافروف عن القول إن دمشق كانت على وشك السقوط، عندما بدأت روسيا عمليتها بسوريا في سبتمبر 2015.
وقال لافروف في مؤتمره الصحفي السنوي مطلع يناير 2017: "إننا واثقون من أن قرارنا كان صائبا، عندما استجبنا لطلب حكومة سوريا الشرعية، علما بأن عاصمة هذه الدولة العضو في الأمم المتحدة، كان يفصلها آنذاك أسبوعان أو 3 أسابيع عن السقوط بأيدي الإرهابيين"، وفق وصفه.
إضافة إلى ذلك، فقد لعبت روسيا الدور الأكبر في دفع بعض الدول العربية للتقارب مع النظام من جديد عقب القطيعة معه لقمعه الشعب السوري بالحديد والنار.
وبالفعل، لعب لافروف دورا بارزا في إجراء جولات مكوكية على الدول العربية لإعادة تعويمه، إلى أن أعلنت جامعة الدول العربية إعادة مقعد سوريا للنظام في مايو/أيار 2023 بعد طرده منه في نوفمبر/تشرين الثاني 2011.
وكل ذلك، كان يسير بموازاة استخدام روسيا لسوريا كورقة ضغط وابتزاز دولية على حساب الشعب السوري.
فمنذ بداية غزو روسيا لأوكرانيا في فبراير/شباط 2022، جعلت موسكو من سوريا "ساحة للمساومة ومناطحة الغرب"، وأدخلت ملف الحل السياسي المجمد فيها ضمن لعبة لي الذراع.
وعلى ضوء الحرب الروسية ضد أوكرانيا، وتلقي موسكو عقوبات قاسية من الغرب الرافض للاجتياح غير المبرر، اقترحت روسيا بشكل مفاجئ في 16 يونيو/حزيران 2022 نقل المفاوضات السورية إلى مكان وصفته بـ "المحايد" بدلا من جنيف السويسرية عقب اعتراض البلد الأخير على الغزو الروسي.
حتى إن أيمن سوسان معاون وزير خارجية النظام السوري فيصل المقداد خرج وقال: "بانضمام سويسرا للعقوبات الغربية على سوريا وروسيا فإن جنيف ليست مكانا صالحا لإجراء اجتماعات اللجان الدستورية السورية".
وقد بدا هذا التصريح من سوسان بأنه بإيعاز مباشر من موسكو، ولا سيما أن المباحثات السورية منذ عام 2012 تجري في جنيف ولم يعترض عليها نظام الأسد إلا عقب توتر العلاقة الروسية مع الغرب بشأن أوكرانيا.

















