Thursday 09 July, 2020

صحيفة الاستقلال

محمد بوراس.. محارب جزائري أسس الكشافة لمحاربة الاستعمار

منذ 2020/05/31 16:05:00| شخصيات ,المغرب العربي ,
محمد بوراس كان يؤكد على ضرورة الحفاظ على مكونات الهوية الوطنية ونشر وترسيخ الوعي الوطني
حجم الخط

في الأسبوع الرابع من مايو/أيار قبل 79 عاما، أعدمت القوات الفرنسية مؤسس الكشافة الإسلامية في الجزائر، بعد رحلة نضال طويلة غرس فيها قيم المقاومة والانضباط في صفوف تابعيه، وبعد أن علمهم أن "الحرية تنتزع ولا توهب".

وأعدم المحتل الفرنسي القائد محمد بوراس رميا بالرصاص في 27 مايو/أيار من عام 1941، في خضم نشاطه ضد الاستعمار الفرنسي، حيث نجح في بلورة الوعي الوطني ودافع عن مقومات الهوية وأسس لمنظمة تربوية إسلامية متشبعة بالوطنية. 

كان أول فوج كشفي أسسه بوراس في العام 1935 يدعى "الفلاح"، وقد تولى تدريب الشباب المنضمين له وعلمهم قيم الحرية والكرامة.

ومع أن النشاط في بداياته كان فقط رياضي كشفي، إلا أنه علمهم بأن هذه الأنشطة ليست إلا تأهيلا للهدف الوطني الأسمى، المتمثل بتحقيق الاستقلال، والتي كان شعارها الدائم "كن مستعدا".

نشاط اجتماعي

لم يكن النشاط الذي ينفذه بوراس سياسيا في بادئ الأمر، بل كان اجتماعيا في المقام الأول، فقد كان ينضم مع الشباب المنضمين للكشافة أنشطة تضامنية وتطوعية لخدمة المجتمع.

كانت تلك الأنشطة التطوعية التي أسسها ودعا إليها، مناسبة لأن تدعو إليها محافظات الجزائر، في أحيائها بالتزامن مع ذكرى استشهاده.

وفي حفل تأبيني لذكراه في الجزائر في 27 مايو/أيار 2020، أكد المحافظ الولائي أن القائد بوراس، أرسى مفهوم العمل التطوعي، وهي مناسبة للدعوة حاليا للتطوع بالأنشطة الاجتماعية ضمن الجهود لمكافحة انتشار فيروس كورونا، وتوزيع الاحتياجات للأسر المعوزة. 

وكان أنيس عيلول المكلف بالإعلام قد أكد أن جمعية قدماء الكشافة الإسلامية، تضم أكثر من 22 ألف منتسب، على المستوى الوطني، منها نحو 2400 شخص في الجزائر، وهم يعملون في الوقت الحالي في جهود مكافحة انتشار فيروس كورونا.

وبالرغم من انخراطها في الأنشطة الاجتماعية التطوعية، إلا أن القائد بوراس كان دائما ما يؤكد على ضرورة الحفاظ على مكونات الهوية الوطنية ونشر وترسيخ الوعي الوطني لتحقيق الانتفاضة الكبرى ضد الاستعمار.

شحذ الأفكار

كانت اللغة الفرنسية تهدد بضياع العربية، نظرا للتوسع المتسارع للهوية الاستعمارية على حساب الجزائرية، وكان بوراس مدركا لهذا الخطر، فكان دائم التردد على نادي الترقي في العاصمة الجزائر، الذي التحق به مؤخرا في عام 1935 للحفاظ على لغته وهويته.

و"الترقي" ناد ثقافي  وأدبي، أسسته جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، من أجل النهوض بالشعب الجزائري وإصلاح المجتمع والمحافظة على هويته.

وأتاح ذلك الانضمام لبوراس الاحتكاك بعدد من العلماء، ومن بينهم الشيخ عبد الحميد بن باديس، مؤسس جمعية العلماء المسلمين، ومن ثم المشاركة في عدة مظاهرات وتجمعات ضد سياسة فرنسا تجاه المساجد وغلق المدارس العربية التابعة للجمعية.

وبالرغم من أن بوراس لم يكن عضوا في جمعية العلماء المسلمين، لأنه لم يكن عالما بالمعنى الشرعي، فإنه تأثر بأفكارها وأهدافها الوطنية، منذ تأسيسها في 5 مايو/أيار 1931، كما استغل وجوده بالقرب من أعضائها لشحذ أفكاره الوطنية وتوسيع مداركه.

 من هو؟

ولد محمد بوراس في 26 فبراير/شباط 1908، بمدينة مليانة الجزائرية، من عائلة فقيرة، حيث كان يعمل والده كعامل بناء في المدينة.

وبنفس طريقة أقرانه، التحق بالكتّاب (نوع من المدارس القديمة) في مدينته، ثم بمدرسة موبوروجي الابتدائية الفرنسية عام 1915 التي طرد منها لاحقا (لم تذكر الروايات سبب ذلك)، فالتحق بعدها بمدرسة الفلاح في ذات المدينة لإتمام دراسته باللغة العربية.

وفي عام 1922، انضم بوراس للجمعية الرياضية لألعاب القوى، ثم تخصص في كرة القدم، وأصبح عضوا بارزا بفريق بمدينة مليانة.

أما في عام 1926، فتوجه إلى العاصمة الجزائر، وهناك التحق بالبحرية العسكرية، ليمارس وظيفته الجديدة في البحرية منذ العام 1930.

ولم تمض خمس سنوات، منذ عمله في البحرية العسكرية، حتى أسس بوراس فوج الفلاح بالقصبة، والتي مثلت فيما بعد النواة الأولى للكشافة الإسلامية في عموم ولايات الجزائر.

انتفاضة مسلحة

مثلت هزيمة الجيش الفرنسي في يونيو/حزيران 1940، حافزا للقائد بوراس للقيام بانتفاضة مسلحة ضد القوات الفرنسية، فاتفق مع قبائل بنو مناصر، الذين يسكنون في جبال زكار على تزويده بالأسلحة والذخيرة اللازمة.

وتقول بعض الروايات: إنه سافر إلى مدينة فيشي بفرنسا واتصل بالألمان للحصول على سلاح، لكن جهوده لم تفلح.

وبعد عودته إلى الجزائر، تتبعته المخابرات الفرنسية، ليتم القبض عليه لاحقا في 8 مايو/أيار عام 1941، من قبل مكتب مكافحة التجسس الفرنسية أمام فندق السفير بالجزائر العاصمة.

وبعد أيام من التحقيق والتعذيب، أحيل إلى المحكمة العسكرية ليصدر عليه الحكم بالإعدام، بتهمة اتصاله وعلاقته بألمانيا النازية، جرى تنفيذ الحكم رميا بالرصاص في فجر 27 مايو/أيار من عام 1941، في الميدان العسكري بالخروبة. 

إحياء ذكراه

بالرغم من مرور نحو 79 عاما على استشهاده، إلا أن الولايات الجزائرية ما زالت تحيي ذكراه.

ففي ولاية الجزائر أحيت جمعية قدماء الكشافة الإسلامية الذكرى بحضور القائد العام مصطفى سعدون، والمحافظ الولائي عباد طارق، وقادة الأفواج الكشفية في العاصمة. وفي المسيرة الكشفية التي نضمتها الأفواج، جرى وضع إكليل من الزهور على قبره.

وأكد المحافظ الولائي أن المغزى من إحياء ذكرى استشهاد البطل بوراس هو استرجاع ذاكرة قائد مؤسس الحركة الكشفية للأجيال وتقديمها للأجيال الجديدة.

وأضاف عباد طارق في نفس الاحتفالية السابق ذكرها، أن هذه الذكرى تساهم في إبراز مساهمة الكشافة منذ تأسيسيها في إعداد أجيال من رواد قادة الحركة الوطنية والثورة المتشبعين بالقيم والمبادئ الوطنية.

من جانبه، أكد وزير المجاهدين وذوي الحقوق, الطيب زيتوني أن بوراس "بطل فذ من الذين تحدوا الاستعمار من خلال الدفاع عن أصالة الجزائر وحريتها وأسسوا مدرسة وطنية لصناعة الرجال من أمثال العربي بن مهيدي وأحمد زبانة وديدوش مراد وباجي مختار وسويداني بوجمعة وزيغود يوسف وأمحمد بوقرة وحمو بوتليليس وذبيخ شريف وغيرهم من الأبطال والشهداء الذين كانت الكشافة منهلهم الأول".

متحف للذاكرة

من جانبه, قال وزير الشؤون الدينية والأوقاف, يوسف بلمهدي: إن كل يوم من أيام الجزائر يعد متحفا للذاكرة الوطنية وخزانة من التاريخ، مضيفا بأن اليوم الوطني للكشاف يعد شهادة لملاحم وبطولات هذا الشعب الذي أراد يوما أن يستجيب القدر فاستجاب له وقام بثورة فجّرها وانتصر.

بدوره, أوضح القائد العام للكشافة الإسلامية الجزائرية, عبد الرحمن حمزاوي, أن الاحتفال بهذه الذكرى هو بمثابة "وفاء للبطل الشهيد بوراس ولكل من رافقه في الدرب من الأوائل الذين وضعوا اللبنات الأولى لهذا الصرح الشامخ وعرفانا لهم على ما قدموه للوطن وللأمة من تضحيات أثمرت بهذه المدرسة التي تربت فيها الأجيال وضربوا أروع الأمثلة في خدمة الوطن والمجتمع في كل المناسبات".

جدير بالذكر أن اليوم الوطني للكشاف يتزامن مع ذكرى إعدام بوراس رميا بالرصاص في ميدان الخروبة بالجزائر.


تحميل

المصادر:

1

زيتوني يدعو الى الاستلهام من تضحيات جيل ثورة أول نوفمبر من أجل الالتفاف حول مشروع الجزائر الجديدة

2

بلمهدي:”كلمة الجزائر تجمعُ ولا تفرّق والكشّافة سندٌ وعضد لها”

3

هذه أبشع ‘جرائم’ الاستعمار الفرنسي بالجزائر

4

محمد بو راس على موسوعة الويكبيديا

5

محمد بو راس على موسوعة المعرفة الرقمية

كلمات مفتاحية :

إعدام الاستعمار الفرنسي الجزائر الكشافة الجزائرية محمد بو راس