بالمخالفة لنظام الحكم.. ماذا وراء تعيين ابن سلمان رئيسا لمجلس الوزراء؟

12

طباعة

مشاركة

قبل أيام من إصدار حكم أميركي بشأنه، صدرت أوامر ملكية تقضي بتعيين ولي العهد محمد بن سلمان، رئيسا لمجلس الوزراء، خلفا لوالده الملك سلمان بن عبد العزيز.

وجاء في الأمر الملكي الذي نشرته وكالة الأنباء الرسمية (واس) في 27 سبتمبر/أيلول 2022 أنه جرى تكليف "الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود ولي العهد رئيسا لمجلس الوزراء". 

ويأتي تعيين ابن سلمان في منصب رئيس الوزراء كاستثناء من المادة 56 من نظام الحكم في المملكة، وهي المادة التي تحصر رئاسة مجلس الوزراء في ملك البلاد فقط.

وتشير أوامر ملكية صدرت أيضا إلى تعيين الأمير خالد بن سلمان في منصب وزير الدفاع، خلفا لشقيقه ولي العهد الذي شغل هذا المنصب منذ مطلع العام 2015، وتعيين عبدالعزيز بن سلمان وزيرا للطاقة.

وجاء في الأوامر الملكية تعيين طلال بن عبد الله بن تركي العتيبي مساعدا لوزير الدفاع بالمرتبة الممتازة. كما صدر أمر ملكي بتعيين يوسف البنيان وزيرا للتعليم.

وأثارت الأوامر الملكية ردود فعل غاضبة بين الناشطين على تويتر تجلت في تغريداتهم على حساباتهم الشخصية ومشاركتهم في وسم #محمد_بن سلمان.

إذ أشار ناشطون إلى أنها صادرة عن ولي العهد وليس للملك يد فيها، فيما رأى آخرون أن سلمان وزع تركته على أبنائه وأنهى بذلك انتقال الملك لعائلته دون غيرها. 

وذهب البعض إلى القول إن تلك الخطوة بمثابة هروب من ابن سلمان إلى الأمام، للحصول على الحصانة السيادية في القضايا التي يواجهها خارج المملكة وعلى رأسها اغتيال الصحفي السعودي جمال خاشقجي داخل قنصلية بلاده بتركيا في أكتوبر/تشرين الأول 2018.

وتبنى ناشطون الرؤية التي أعلنتها جهات إعلامية بريطانية وأميركية من بينها صحيفة الغارديان في تحليلها للأوامر الملكية، إذ خلصت إلى أن تعيين ابن سلمان رئيسا للوزراء خطوة لحمايته مع اقتراب موعد نظر القضاء الأميركي في قضية مقتل الصحفي جمال خاشقجي.

وأكدت أن المنصب الجديد سيمنح الأمير حصانة سيادية في مواجهة التحديات القانونية أثناء سفره خارج المملكة.

وطلب قاض أميركي من إدارة الرئيس جو بايدن التفكير في إذا ما كان يجب حماية الأمير محمد بالحصانة السيادية في قضية رفعتها خطيبة خاشقجي، خديجة جنكيز. وعادة ما تُمنح هذه الحماية لزعيم دولة مثل رئيس الوزراء أو ملك أو رئيس.

فيما عد ناشطون الأوامر الملكية مقدمة لاستحواذ ابن سلمان على كل السلطات وتهيئة لإعلان وفاة والده وتنصيبه ملكا، محذرين من تبعات هذه القرارات التي غيبت رأي الشارع السعودي وتجاهلت حالة الغضب الشعبي المتصاعدة جراء سياساته الداخلية والخارجية.

واستنكروا انتهاك المادة 56 من النظام الأساسي للحوكمة في المملكة، بتعيين محمد بن سلمان رئيسا لمجلس الوزراء وخالد بن سلمان وزيرا للدفاع، راصدين الأزمات التي ورطا فيها البلاد خلال فترة تولي الأول وزارة الدفاع والثاني نائبا له.  

خطوة للعرش

وتعقيبا على الأوامر الملكية، أعاد رئيس منظمة سند الحقوقية سعيد بن ناصر الغامدي، نشر وثيقة من الديوان الملكي فيها أسماء المناصب التي يشغلها ابن سلمان بالعربي وبالإنجليزي وعددها 23، مشيرا إلى أنه زاد لنفسه منصبا جديدا ليصبح أكبر صاحب مناصب في العالم.

وعّد المعارض السعودي ناصر العربي، الأمر الملكي الصادر بمثابة "خلع (من) بن سلمان لوالده".

وقال الصحفي والكاتب السعودي المعارض فؤاد إبراهيم: "سلمان وزع التركة السياسية فأعطى مبس رئاسة الوزراء لطمأنته وأعطى الدفاع لابنه خالد.. سلمان يحاول تأسيس معادلة للمستقبل ولكنه يعلم بأن الملك القادم قادر وبسهولة على تخريبها بضربة "أمر ملكي" كما فعل سلمان مع سلفه.

فيما رأى الصحفي اليمني أحمد فوزي، أن أحد السيناريوهات في السعودية هو فصل القيادة الدينية عن السياسية، ويبقى الملك سلمان محتفظا بلقب خادم الحرمين الشريفين كقيادة للسلطة الدينية، بينما يتولى ابن سلمان إدارة أمور الدولة السياسية والاقتصادية في السعودية بصلاحيات "الملك".

وتعجب سعد الدوسري، من تجاوز الملك سلمان للمادة السادسة والخمسين من النظام الأساسي للحكم "الدستور" بتعيين ابن سلمان رئيسا لمجلس الوزراء، متسائلا: "هل تكون مقدمة لتنازل الملك في حياته عن العرش أو أن الأخبار عن تدهور صحة الملك ومرضه صحيحة؟"

وكتب عبد الحكيم نجل وكيل وزارة المالية السابق المعتقل عبدالعزيز الدخيِّل، "بعد تعيينه رئيسا للوزراء، يكون ابن سلمان قد تجاوز جيلا من أعمامه وأبناء عمومته الأكبر سنا ليصبح وريثا على العرش، ومع زيادة القمع السياسي والقبضة الحديدية يؤكد منتقدوه بأنه دكتاتوري متعطش للسلطة ومتهور".

وقال الإعلامي المصري عماد البحيري، إن ما جرى في السعودية من تعيين الملك سلمان لثلاثة من أولاده في أهم 3 وزارت، هو ما سبق وتوقعته وقلت إن ابن سلمان لو جلس على العرش فسيكون سلمان آخر ملوك آل سعود ويتحول الملك بعدها إلى آل سلمان، مضيفا: "دعونا نشاهد التصفيات النهائية قريبا".

تهميش الشعب

وانتقد ناشطون تجاهل رأي الشارع السعودي في القرارات المعلنة، واستمرار إدارة البلاد برؤية الرجل الواحد، مستنكرين صمت الشعب على التجاوزات المستمرة من قبل السلطة.

وحذر أحد المغردين من تبعات الأوامر الملكية، قائلا: "هذه الخطوة سواء اتخذها الملك أو ولي عهده، لها مخاطرها السياسية، تماما كما حدث بين فيصل بن عبدالعزيز، وأخيه سعود التي أدت إلى خلع الأخير، بغض النظر عن تعيين خالد بن سلمان أو غيره نائبا لرئيس الوزراء".

وأضاف أنها تعني مبدئيا تحويل توارث العرش لفرع الملك سلمان، ثم حصرا في أبناء وأحفاد محمد بن سلمان.

واستهجن عضو حزب التجمع الوطني السعودي المعارض عبدالله الجريوي، صدور أمر ملكي وتجاهل موقف الشعب.

وردت الناشطة الحقوقية حصة الماضي، على مغردة تعجبت من تعيين 11 وزير من أسرة آل سعود، قائلة: "نعم يعقل لأن الشعب صامت على ظلمهم واستبدادهم".

وأعرب أحد المغردين عن غضبه من تعيين ولي العهد رئيسا لمجلس الوزراء قائلا: "قفزة من المرتبة السادسة إلى رئاسة الوزراء يجب أن تُدَرّس في المدارس حتى يعي الناس خطر الواسطة وخطر توريث الحكم وتهميش الشعب على المجتمعات وأنه السبب والمصدر الرئيس للفساد وسرقة المال العام وضياع الحقوق وانتشار الظلم".

ووصف سعيد العنزي، ابن سلمان بأنه "أقسى دكتاتور في العالم"، مشيرا إلى أنه صنع قمع الحريات، وكمم الأفواه، ودعم الإرهاب، واستغل الدين لتثبيت الحكم، وعبث بالقضاء، وفرض قدسية الأسرة الحاكمة على الشعب، وسيطر على وسائل الإعلام وحولها إلى بوق للأسرة الحاكمة.

حصانة قانونية؟

وخلص ناشطون إلى أن ابن سلمان لجأ إلى طريقة جديدة للتخلص من الملاحقة القانونية له أمام المحاكم الأميركية في قضية اغتيال خاشقجي، وذلك بتنصيب نفسه رئيسا للوزراء في خطوة لا تعني أي تغيير على المستوى المحلي لكنها بمثابة حصانة قانونية له.

ورأى الأمين العام لحزب التجمع الوطني عبدالله العودة، أن تنصيب ابن سلمان نفسه رئيسا للوزراء لن يغير شيء في الداخل، لأن الخطوة هدفها الوحيد محاولة تحصين نفسه قانونيا في الخارج في القضايا المرفوعة ضده، تحت قاعدة أن رئيس الدولة (ورئيس الوزراء؟) يمتلك حصانة (بينما منصب ولاية العهد لوحده لا يعتبر محصّنا وفقا للقوانين الدولية).

الأمين العام لمنظمة العفو الدولية أغنيس كالامارد حثت بدورها على ضرورة أن تتفوق مبادئ العدالة الدولية وحماية حقوق الإنسان الأساسية على الأمور المتعلقة بالحصانة السيادية.

وأكد خالد نجل المستشار الأمني السعودي السابق "سعد الجبري"، أنها "ليست صدفة أن يُستثنى المتهم محمد بن سلمان من النظام ويُعين رئيساً للوزراء، قبل أقل من أسبوع من موعد قرار إدارة بايدن عما إذا كان يستحق الحصانة السيادية في قضية اغتيال خاشقجي، والتي لا تمنح إلا للملوك ورؤساء الوزراء".

وقالت سارة لي ويتسن المديرة التنفيذية لمنظمة الديمقراطية الآن للعالم العربي "داون"، إن هذا النوع من "غسل الألقاب" لن يفعل شيئا للالتفاف على مطلبنا بالعدالة في مقتل خاشقجي، سواء ضده أو ضد زملائه المتهمين، مضيفة: "سيكون لدينا يومنا في المحكمة وسنفضح الدور الشنيع الذي لعبه في هذه الجريمة؛ وسنفوز".

ولفت رعد محمد، إلى أن تعيين ابن سلمان رئيسا لمجلس الوزراء ستعطيه الحصانة القانونية التي لجأ إليها من باب (آخر الدواء الكي) بعد فشل كل السبل لوقف دعوى مدنية مرفوعة ضده في الولايات المتحدة تتعلق بمقتل خاشقجي.