محمد السواح.. دمية اقتصادية بيد الأسد لتجاوز العقوبات مع دول العالم
.png)
ما زال رئيس النظام السوري بشار الأسد، يدفع برجال أعمال ساندوه في تغطية نفقات حربه لقمع الثورة، إلى مهمات جديدة تهدف لإعادة إحياء اقتصاده المدمر من جديد.
ومن هذه الأسماء، رجل الأعمال الدمشقي البارز محمد ناصر السواح، الذي جرى تسميته في 16 أغسطس/ آب 2022، رئيسا لمجلس الأعمال السوري- العراقي، وفق قرار صدر عن وزارة الاقتصاد بحكومة الأسد.
ولم يكن اختيار السواح لهذا المنصب صدفة، بل لكونه أحد رجالات الاقتصاد والصناعة البارزين في سوريا، وأحد المقربين من بشار الأسد قبل توليه السلطة وراثة عن أبيه حافظ بعد وفاته عام 2000.
ورغم أن السواح يعد أحد حيتان الاقتصاد السوري في مجال التصدير، إلا أن اسمه ارتبط خلال العقد الأخير في تلميع صورة الأسد عبر البوابة التجارية.
ومنذ يوليو/ تموز 2022، بدأ نظام الأسد بتأسيس مجالس أعمال مع دول عربية، بدأها بالجزائر ثم سلطنة عمان، والإمارات، والعراق.
ويسعى النظام السوري لنفض الغبار عن اقتصاده المنهك بفعل حربه على الثورة التي تفجرت في مارس/ آذار 2011، عبر إيجاد أسواق جديدة لمنتجاته وصناعاته.
فضلا عن سعي النظام السوري لإحياء مشروعات في مجالات النفط والبيئة والصناعة والاتصالات والمقاولات في الفترة القادمة.
النشأة والتكوين
ولد محمد السواح في دمشق عام 1963 لعائلة معروفة من دمشق، ودخل مجال صناعة النسيج منذ سن الثانية والعشرين، حيث أنشأ أول معمل نسيج له.
ثم شرع السواح في تسعينيات القرن العشرين بعمليات تصدير نحو الدول العربية ولاحقا الدول الأوروبية، حيث افتتح أول مركز في الخليج لمستودعات التصدير عام 2000.
كما أنشأ عام 2003 مركزا في فرنسا للتصدير، وأسس شركة "إن تي جي" في إيطاليا عام 2008، وأصبح عضوا في لجنة معرض "موتكس" للأزياء والأقمشة بدمشق.
وتقلد كذلك السواح منصب أمين الصندوق مجلس الأمناء في "مؤسسة تاريخ دمشق" الثقافية.

ويعد السواح أحد أبرز رجال الأعمال الدمشقيين الداعمين للنظام السوري، الأمر الذي دفع ببشار الأسد لمكافأته عبر تعيينه في عديد من المناصب.
إذ تولى مسؤولية لجان التريكو والأصواف عام 2000، كما أصبح نائبا لرئيس رابطة المصدرين في سوريا لمدة ست سنوات.
كما تولى عام 2012 رئاسة اتحاد رابطة المصدرين ومن ثم رئاسة اتحاد المصدرين عام 2014.
وشغل السواح منصب رئيس مجلس إدارة "اتحاد المصدرين السوري" ممثلا عن قطاع الصناعات النسيجية منذ 2014 حتى استقالته عام 2019.
والسواح هو رئيس المكتب الإقليمي لاتحاد المصدرين العرب، الذي تأسس في دمشق في عام 2008 بمرسوم من بشار الأسد، والذي كان يشغل رئاسة مجلس إدارته، رجل الأعمال العراقي الأصل حسن جواد، والذي يشغل حاليا منصب رئيس مجلس الأعمال السوري الإيراني.
اللعب مع الأسد
وعند اندلاع الثورة السورية عام 2011؛ بادر السواح إلى دعم النظام، وفق ما يؤكد موقع "مع العدالة" (مستقل) الذي يعنى بإحقاق مبدأ المساءلة ومنع الإفلات من العقاب لمجرمي الحرب ومنتهكي حقوق الإنسان.
ولعب السواح دورا أساسيا في تلميع صورة النظام خارجيا ودعمه داخليا، وذلك عبر شبكة المعارف التي يمتلكها خارج سوريا.
إذ أقام معرضا لمنتجاته في الخارج، وكان أول رجل أعمال دمشقي يقيم معارض في إيران، ويشجع غيره من رجال الأعمال الدمشقيين على زيارة إيران وإقامة علاقات تجارية معها.
وعمل في الوقت نفسه على جلب الشركات الإيرانية إلى دمشق، ومارس دورا بارزا في تمليكهم عقارات ومنشآت كبيرة بحجة أنها مستودعات لتجارتهم.
وخلال العقد الأخير لعبت المستشارية الثقافية الإيرانية في دمشق دورا بشراء منازل وفنادق وعقارات في العاصمة، بهدف تسهيل تنقلات أعضاء المركز القادمين من إيران.

واستغل السواح منصبه لاستصدار قرارات تعود عليه بالمنفعة له، حيث قام بتأسيس شركة تابعة لاتحاد المصدرين الذي يرأسه.
وهو تصرف غير قانوني فتح من خلاله المجال لإنشاء أربعة مراكز دائمة للمنتجات السورية خارج البلاد، في طهران، وموسكو وبغداد والجزائر، وحصر نشاط تلك المراكز في الشركات التابعة له.
اللافت أن بشار الأسد، ساند السواح الذي يملك معمل "تريكو" عبر إصدار مرسوم تشريعي عام 2017 والذي يعفي مواد النسيج من الرسوم الجمركية بنسبة 50 بالمئة.
وحينها ثار صناعيو حلب عاصمة الاقتصاد السوري باعتبار ذلك يضر صناعة أقمشتهم التي اشتهروا بها، فهم لا يستوردونها وإنما يصنعونها.
وللسواح باع كبير في التجارة مع العراق والعلاقة مع تجار بغداد، إذ سبق أن أشرف على جلب وفد عراقي يضم 200 تاجر وصناعي عراقي إلى دمشق في يناير 2017.
ونجح وقتها السواح في توقيع عدد من العقود التجارية بين الصناعيين لتصدير البضائع السورية إلى العراق.
أبو المعارض
وأسهم السواح في إعادة تفعيل معرض دمشق الدولي عام 2017 عقب خمس سنوات من توقفه، ما ساهم في نيله لقب "أبو المعارض".
ويتخذ نظام الأسد من معرض دمشق منصة كبيرة، للتشبيك مع شركات عربية وأجنبية خاصة في قطاعات البناء والطاقة والصناعات الغذائية وإدارة الفنادق والسياحة.
إذ يعتمد على رجال أعمال في إقناع رجال أعمال عرب في زيارة المعرض وعقد شراكات تجارية مع الصناعيين السوريين، الذين يمتلكون تسهيلات واسعة لا تتأتى لغيرهم من الاستيراد والتصدير.
وتكمن قوة السواح، في علاقاته الشخصية مع رجال أعمال عرب وأجانب، حيث يجتهد بشدة لجلبهم إلى المعرض والمشاركة فيه والادعاء أنهم يمثلون دولهم.
كما لعب دورا في إقامة معرض "صنع في سورية" في العراق عام 2021، والذي هدف الى إعادة تنشيط تصدير البضائع السورية وزيادة توريدها إلى الأسواق العراقية.

ولهذا فإن علاقته القوية مع تجار العراق البلد الجار لسوريا، والذي يفتقد للصناعات المحلية، تمكنه من تحريك عجلة التبادل التجاري أكثر من أي وقت مضى.
لا سيما أن العراق يعتبر من أهم الأسواق للبضائع السورية، بسبب جودة المنتج المحلي السوري، وأسعارها المناسبة التي يخدمها قصر المسافة البرية لوصولها.
ولهذا جرى التأكيد مرة أخرى على ضرورة تعزيز التعاون الاقتصادي الثنائي بين النظام السوري والعراق باجتماع عُقد في 14 ديسمبر/كانون الأول 2021 بين القائم بالأعمال العراقي في سوريا ياسين شريف الحجيمي ووزير الاقتصاد والتجارة الخارجية بدمشق محمد سامر الخليل.
ولتعزيز ذلك، أوفدت بغداد ملحقا اقتصاديا إلى دمشق، فضلا عن استضافة بغداد أكثر من 170 شركة سورية، في أحدث معرض تجاري لها بعنوان "صنع في سوريا" في 26 ديسمبر 2021 ضمن عرض كبير لهذه العلاقات التجارية المتجددة.
كما تمكن السواح من تنظيم معرضين "صنع في سورية" للبيع المباشر في مدينة بنغازي الليبية الأول والمتخصص في المواد الغذائية في فبراير/ شباط 2022، من أجل الوصول إلى الأسواق الإفريقية التي تعود بالنقد الأجنبي من عائدات التصدير.
البرجوازية الدمشقية
وفي عام 2014 حدد محمد السواح موعد إطلاق مشروع إعادة إقلاع المدينة الصناعية الأولى بمنطقة حوش بلاس في العاصمة دمشق تحت اسم (مزرعة فضلون).
وأشراف السواح على المشروع شخصيا، حيث رأى أن هذه الخطوة ستدفع باتجاه مشاريع إعمار الصناعة السورية. إذا كان يأمل بإعادة تفعيل أكثر من 500 معمل ومصنع وورشة إلا أن مشروعه لم يبصر النور.
لكن هذه الحركة ما كانت إلا "خطة ذكية"، لكي يستفيد من شبكات الفساد داخل مؤسسات النظام السوري.
حيث اتهم بجني الملايين عبر التلاعب باتحاد المصدرين، وتسخيره لخدمة مصالحه الشخصية وتحقيق هامش ربح أكبر له ولشركاته، لاسيما التي تحمل اسم "فارس كرتلي".
وأمام نشاط السواح خلال السنوات الأخيرة تمكن من حصد لقب "الحجي" كناية عن نفوذه المالي والاجتماعي كتاجر.
فأصبح عرابا للكثير من الصفقات التجارية الداخلية منها والخارجية، وخاصة أنه يجمع حوله عددا كبيرا من رجال الأعمال الدمشقيين تحديدا، ويتنقل بهم من طهران إلى موسكو مرورا ببغداد لعقد الصفقات وتسهيل التبادل التجاري.
.jpg)
ولم يكن دور السواح هامشيا أو يدار خلف الكواليس، بل سمح النظام السوري بظهوره على وسائل إعلامه بكثرة.
لدرجة أن موقع "الاقتصاد اليوم" الذي يديره أحد أعضاء اتحاد المصدرين، قال إن السواح استطاع ورغم الحرب وظروفها المعقدة، أن يعيد الألق والنشاط لاتحاد المصدرين بعد ركود نشاطه لسنوات طويلة.
وهذا ما يجعل منه "شريكا موثوقا" من قبل التجار الصغار لجرهم نحو مشاريع واستثمارات جديدة طبعا لاحتياجات النظام السوري، بعدما خسر كثير من التجار الكبار الذي فروا مع أول دم أريق على يد أجهزة المخابرات.
واستقطاب الأسد، للسواح في هذه الفترة بالذات، تنبع من رغبته في تجميع نخبة البرجوازية الدمشقية حوله، طمعا في استخدمها بتحسين علاقاته الاقتصادية الخارجية العربية، وأيضا مع الدول الأوروبية.
إذ سبق للسواح أن شارك في معرض "اكسبو ميلانو 2015" بصفته رئيسا باتحاد المصدرين السوريين، وعمد إلى الترويج للصناعات الوطنية السورية بمناطق نفوذ الأسد.
وصرح وقتها لوكالة "سانا" الرسمية، إن "هذا الحدث الاقتصادي والتجاري والاستثماري الهام هو فرصة قام بتهيئتها الاتحاد للشركات السورية المختصة، لعرض منتجاتهم والترويج لها وتقديم العروض وحضور الاجتماعات الرامية لاستنهاض المبادرات والحلول التي تنعكس إيجابا على اقتصاديات الدول المشاركة".
فالسواح له من اسمه نصيب، فهو رجل دائم التجوال في الدول العربية والأجنبية، وكان على رأس وفد من رجال الأعمال المقربين من الأسد، الذين زاروا الإمارات في يناير 2019، وحصلوا على عقود تشاركية في جميع القطاعات الخاصة، وإعادة الخطوط الجوية الإماراتية إلى سوريا.
وبالمحصلة، فإن محمد السواح ما هو إلا إحدى الواجهات التجارية والاقتصادية التي يستخدمها النظام السوري، من أجل السيطرة على عمليات التصدير والتحايل على العقوبات الدولية المفروضة عليه.


















