Thursday 29 October, 2020

صحيفة الاستقلال

زنازين “الحراش” تجمع أثرياء الجزائر.. هل بدأت العدالة الانتقالية؟

منذ 2019/05/06 19:05:00 | تقارير
المعتقلون من أثرياء الجزائر متهمون بممارسة الفساد في عهد بوتفليقة
حجم الخط

منذ استقالة الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة في 2 أبريل/نيسان الماضي، يستمر ضغط الحراك الشعبي الذي انطلق في 22 فبراير /شباط 2019، بالمطالبة بإسقاط النظام بالكامل وإدخال إصلاحات سياسية واقتصادية، ومحاربة الفساد ورموزه في البلاد.

هذا التغيير الجزئي الذي طرأ على النظام في الجزائر، أطلق يد القضاء والأجهزة الأمنية لفتح ملفات الفساد المتراكمة في بلد اختلطت فيه السياسة بالمال الفاسد لعقود، ونمت تحت جناح السلطة ثروات لعائلات ورؤوس أموال لازال الشعب يتساءل عن مصادرها.

وتسارعت الخطوات في مكافحة الفساد بين رموز نظام الرئيس المستقيل عبد العزيز بوتفليقة، حيث  أوقفت المصالح الأمنية الجزائرية أغنى رجال الجزائر يسعد ربراب، وعلي علي حداد الصديق المقرب من السعيد بوتفليقة شقيق الرئيس المخلوع، والإخوة كونيناف، وأودعتهم داخل سجن الحراش الذي تحوّل  إلى مأوى لهؤلاء في انتظار محاكمتهم.

"الحراش" بين الثوار والفاسدين

في العام 1915 ، شيد  الاستعمار الفرنسي سجن الحراش، حيث جعلته السلطات الاستعمارية مركزا لاعتقال الجزائريين من سجناء الحق العام ومن زعماء ومناضلي الحركة الوطنية قبل اندلاع ثورة التحرير في 01 نوفمبر/ تشرين الثاني 1954.

الحراش ضمن قائمة أكبر وأشهر السجون الجزائرية، ويقع على بُعد عشرة كيلومترات جنوب العاصمة، ومرّ على زنازينه، زعيم الحركة الوطنية مصالي الحاج في عام 1937، وشاعر الثورة ومؤلف النشيد الوطني الجزائري مفدي زكريا في 1937 والقيادي في الثورة محمد خيضر بين 1938 و1941.

وبعد اندلاع ثورة التحرير صعّدت السلطات الاستعمارية من عمليات القمع والسجن، وكان سجن الحراش شاهدا على جرائم فرنسا ضد الجزائريين، بعد اندلاع ثورة التحرير، حيث دخله قادة الثورة منهم العربي بن مهيدي وعبان رمضان سنة 1957، وكذلك أيقونة الثورة جميلة بوحيرد بين 1957 و1962.

لم ينته دور السجن وعذاباته بعد استقلال البلاد في العام 1962، حيث  تحول إلى مأوى لمعارضي النظام في مختلف حقباته، ومن أبرزهم حسين آيت أحمد، مؤسس حزب "جبهة القوى الاشتراكية" المعارض، الذي اعتقل سنة 1964 وحكم عليه بالإعدام، قبل تخفيفها إلى المؤبّد وبعد انقلاب هواري بومدين انقلابا في 19 يونيو/حزيران 1965، اقتيد الرئيس بن بلة، من قصره إلى سجن الحراش.

وفي بداية التسعينيات سُجن الرجل الثاني في الجبهة الإسلامية للإنقاذ علي بلحاج في نفس السجن، كما قضى الصحفي محمد بن شيكو مدير يومية "لوماتان" المستقلة سنتين (2004 و2006) في سجن الحراش، وكتب خلالهما يومياته التي صدرت في كتاب تحت عنوان "زنزانات الجزائر".

ليدشّن السجن مرحلة جديدة في تاريخه باستقال أثرى أثرياء الجزائر، ممن كانوا في السلطة ومحيطها، مخلّفين وراءهم ثروات بمئات مليارات الدنانير الجزائرية، ليتحوّل الموضوع إلى مادّة دسمة لوسائل الإعلام الجزائرية وتعليقات الجزائريين على مواقع التواصل الاجتماعي.

مليارديرات وراء القضبان

أعلن التلفزيون الجزائري الرسمي يوم 24 نيسان/أبريل 2019، توقيف خمسة أثرياء جزائريين في إطار تحقيقات بقضايا فساد. وأضاف أن الخمسة هم: يسعد ربراب الذي يعتبر أغنى رجل أعمال في الجزائر، وأربعة أشقاء من عائلة كونيناف التي يقال إنها مقربة من الرئيس الجزائري السابق عبد العزيز بوتفليقة.

وكان التلفزيون الجزائري، قد أعلن قبل أيام من اعتقال مجموعة الأثرياء، أن محكمة جزائرية استدعت رئيس الوزراء السابق أحمد أويحيى ووزير المالية الحالي محمد لوكال، وهما من المحيط المقرب من الرئيس المستقيل عبد العزيز بوتفليقة، في إطار تحقيق بشأن تبديد المال العام.

ويحتل ربراب المرتبة السادسة إفريقيا والمرتبة الأولى مغاربيا ويعد الملياردير الجزائري الوحيد الذي يوجد رسميا في قائمة "فوربس"، وتقدر ثروته بـ 3.7 مليار دولار، وفق آخر تصنيف للمجلة الأمريكية الشهيرة "فوربس" التي تتطرق إلى ترتيب مليارديرات إفريقيا للعام 2019.

وبحسب المصدر ذاته، فإن ثروة ربراب تكون قد تراجعت بـ300 مليون دولار مقارنة بالعام الماضي، عندما بلغت 4 مليار دولار، ومع ذلك لا يزال فوق الثروة المقدرة في عام 2017 بمبلغ 3.1 مليار دولار.

ويأتي في المرتبة الثانية من حيث الثراء في الجزائر رجل الأعمال علي حداد الذي ألقي عليه القبض على الحدود الجزائرية التونسية أثناء محاولته الفرار من البلاد  يوم 31 مارس /آذار 2019، وتناهز حجم ثروته 1.8 مليار دولار.

أمّا الملياردير الشاب كريم كونيناف (44 عاما)، فحلّ في المرتبة الرابعة بثروة قدرت بنحو 323 مليون دولار، ويعمل في مجالات متعددة، غير أن كثيرا من الخبراء والمختصين، بحسب وسائل إعلام محلية جزائرية، يؤكدون أن الثروة الحقيقية أكثر من ذلك بكثير بالنسبة لعائلة كونيناف التي كان الجزائريون يجهلونها إلى وقت قريب جدا.

وجاءت هذه الموجة من الاعتقالات بعد إعلان قائد الجيش أحمد قايد صالح الأسبوع الماضي، إمكانية محاكمة أفراد من كبار النخبة الحاكمة بالجزائر، في ظل تواصل الاحتجاجات والمطالب التي يرفعها المتظاهرون في الجزائر في كل جمعة لأجل إبعاد مجموعة من الأسماء المحسوبة على النظام من المسؤولية في الدولة و محاكمة الفاسدين.

البحث عن كبش فداء

ومع انطلاق حملة الاعتقالات في صفوف أثرى أثرياء الجزائر ، خرج قائد أركان الجيش الجزائري الفريق أحمد قايد صالح بتصريح جديد عبّر فيه عن أن "قيادة المؤسسة العسكرية ستقدم كل الضمانات الكافية للجهات القضائية لكي تتابع بكل حزم، وبكل حرية ودون قيود ولا ضغوطات، محاسبة المفسدين وهي الإجراءات التي من شأنها تطمين الشعب بأن أمواله المنهوبة ستسترجع بقوة القانون وبالصرامة اللازمة".

وأضاف  قايد صالح: "سيتم العمل على استرجاع الشعب أمواله المنهوبة "، كما ثمن استجابة جهاز العدالة إلى النداء الذي أطلقه حول تسريع وتيرة متابعة قضايا الفساد ونهب المال العام ومحاسبة كل من امتدت يده إلى أموال الشعب قائلا "أثمّن استجابة جهاز العدالة لهذا النداء الذي جسّد جانباً مهماً من المطالب المشروعة للجزائريين".

وعلى الرغم من أن هذه الخطوة لقيت ترحيبا من عدد من الأطراف السياسية والشعبية في داخل الجزائر ، حيث اعتبر تحريرا للسلطة القضائيّة من قيود السلطة التنفيذية والمال الفاسد الذي كان يؤثّر على استقلاليتها، لكن البعض الآخر أثار تخوّفات من توظيف هذا الجهاز لتصفية الحسابات بين أجنحة النظام أو البحث عن كبش فداء للتغطية على المطالب السياسية للحراك وانقاذ أركان النظام من المحاسبة.

وقال رئيس حزب "التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية" محسن بلعباس: "أردناها مرحلة انتقالية بعدالة انتقالية، جعلوها مرحلة تضليلية بعدالة انتقامية". وأضاف بلعباس في تدوينة على صفحته في "فيسبوك"، أن  "التحقيقات لابد أن تشمل تشمل بوتفليقة والجنرال توفيق".

وكتب الإعلامي الجزائري الشهير حفيظ دراجي، في صفحته بـ"فيسبوك"، معلقا على اعتقال ربراب وبداية فتح تحقيقات قضائية معه، قائلا: "نعم للعدل والعدالة كل وقت مع كل المشتبه فيهم وليس البعض. لا للعدالة الانتقائية والانتقامية التي تهدف إلى امتصاص غضب الشعب والتحايل على مطلبه الأساسي وهو رحيل العصابة وبقايا نظام بوتفليقة"، خاتما منشوره بالقول: "الشعب خرج للشارع منددا بالظلم وليس من أجل إعادة توزيع الظلم".

من جهته، ربط الجنرال المتقاعد علي غديري بين حقيقة الحرب على الفساد و اعتقال شقيق الرئيس المستقيل السعيد بوتفليقة قائلا: "كي يطمئن الجزائريون للعدالة ولهذه التحقيقات".

ولازال الغموض يكتنف المشهد العام في الجزائر مع استمرار الحراك الشعبي، وتمسك السلطة الانتقالية بخارطة الطريق التي رسمتها للانتقال السياسي في البلاد.


تحميل

المصادر:

1

THE RICHEST PEOPLE IN THE WORLD

كلمات مفتاحية :

الاحتجاجات الجزائر العسكر الفساد بوتفليقة رجال الأعمال سجن الحراش