هل انتهت أزمة إيران؟ تقييم للمشهد السياسي بعد تراجع ترامب عن الضربة العسكرية

ترامب رغم تراجعه عن ضرب إيران لكنه أكد أن البلاد بحاجة إلى قيادة جديدة
أثار تراجع الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن توجيه ضربة عسكرية لإيران بهدف إسقاط نظام ولاية الفقيه تساؤلات ملحة حول مدى تجاوز النظام الإيراني لمرحلة الإطاحة، خصوصًا في ظل تراجع الاحتجاجات في المدن الإيرانية بعد أقل من شهر على اندلاعها.
ففي يوم 13 يناير/كانون الثاني 2026، أعلن ترامب عبر منصته "تروث سوشيال" إلغاء جميع الاجتماعات مع قادة إيران، ودعا المحتجين إلى إسقاط النظام مع الحفاظ على مؤسسات الدولة وتوثيق أسماء القتلة، معلنا أن "المساعدة في الطريق إليكم".

تراجع مفاجئ
وبشأن كواليس تراجعه عن توجيه الضربة، كشفت تقارير غربية أن ترامب تلقى تحذيرات من حلفاء في منطقة الشرق الأوسط، لا سيما إسرائيل والسعودية، بأن توجيه ضربة عسكرية غير مضمونة لإسقاط النظام قد تجر تداعيات خطيرة تؤثر على استقرار المنطقة.
ونقلت صحيفة "وول ستريت جورنال" في 17 يناير عن مسؤولين أميركيين قولهم: إن الولايات المتحدة لا تستطيع الجزم بأن إسقاط النظام في طهران سيتم عبر سلسلة سريعة من الغارات الجوية لوحدها، ولم يكن واضحا ما إذا كان قصف المواقع العسكرية والمدنية سيسهم في دعم الاحتجاجات أو إضعاف الحكومة.
وأوضحت الصحيفة أن مساعدي الرئيس أوضحوا أن الولايات المتحدة تفتقر إلى القدرات العسكرية اللازمة لشن هجوم واسع النطاق ومستمر يجبر النظام على التراجع، وفي الوقت ذاته يحمي القوات الأميركية وحلفاءها في الشرق الأوسط.
كما نقلت الصحيفة عن مسؤولين أميركيين لم تُذكر أسماؤهم قولهم: إن مسؤولين من إسرائيل ودول عربية أبلغوا واشنطن بأن الوقت غير مناسب لشن ضربات عسكرية. مضيفين أن الوضع في إيران كان متقلبا للغاية، وأن الاحتجاجات قد تمّ قمعها بعنف من قبل النظام.
ولم يكن واضحًا أيضاً من سيقود المعارضة في حال انهيار حكومة طهران تحت وطأة الضربات الجوية.
من جهته، أشار موقع "أكسيوس" الأميركي إلى أن ترامب كان يميل لتوجيه ضربة عسكرية ضد النظام الإيراني بسبب قمعه العنيف للمتظاهرين، لكنه تراجع بسبب نقص العتاد العسكري الكافي في المنطقة، وتحذيرات من حلفاء مثل إسرائيل والسعودية، وقلق مستشاريه من تداعيات ذلك، بالإضافة إلى محادثات سرية مع الإيرانيين.
وأضاف التقرير أن الأمر استغرق عدة أيام قبل أن ترى الإدارة الأميركية في التظاهرات لحظة مفصلية في إيران؛ إذ قدرت الاستخبارات الأميركية في البداية أن الاحتجاجات تفتقر إلى الزخم الكافي لتهديد النظام بشكل جدي، لكن هذا التقييم تغير مع تصاعد الاحتجاجات ابتداء من 8 يناير.
وذكر التقرير أنه في مساء الثلاثاء 13 يناير، وبعد عودته من ديترويت، ترأس ترامب اجتماعًا في غرفة العمليات خصص لبحث الاحتجاجات، حيث عُرضت عليه عدة خيارات عسكرية لتنفيذ ضربات واسعة، إلا أن النقاش انتهى دون اتخاذ قرار بسبب تراجع نسبي في الاحتجاجات وتصاعد القلق الإقليمي.
في اليوم التالي، الأربعاء 14 يناير، كان الاعتقاد سائداً داخل الإدارة الأميركية وفي عواصم إقليمية، من بينها طهران، بأن ترامب سيوافق على الضربة، مما دفع القوات الأميركية إلى إخلاء قواعد في قطر والبحرين، وأغلقت إيران مجالها الجوي في مؤشر على جدية التهديد.
لكن ترامب قرر التريث، وأُجل الاجتماع الحاسم مع كبار فريق الأمن القومي دون إعلان رسمي من البيت الأبيض.
وفي اتصال مفاجئ، حذر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ترامب من أن الضربة قد تكون غير مضمونة، مؤكدا عدم جاهزية إسرائيل للرد على ردود فعل إيرانية محتملة. كما عبّر ولي العهد السعودي محمد بن سلمان عن قلقه من تداعيات الضربة على استقرار المنطقة.
وفي 16 يناير، صرح ترامب للصحفيين أمام البيت الأبيض أن قراره بعدم توجيه الضربة جاء بناء على اقتناع شخصي، نافيا تعرضه لأي ضغوط من قادة آخرين، واصفاً تطورات داخل إيران بأنها مهمة.
وأضاف: "لم يقنعني أحد، أنا أقنعت نفسي. كانت هناك أكثر من 800 عملية إعدام مقررة، ولكنهم ألغوا تنفيذها، وهذا أمر يستحق التقدير".

تجاوز المحنة
وحول ما إذا كان تراجع ترامب يشير إلى عبور النظام الإيراني مرحلة التهديد بالإطاحة، قال أستاذ العلوم السياسية في جامعة قطر علي الهيل: إن طهران تمكنت من تجاوز المحنة الحالية، لكن التهديد الإسرائيلي الأميركي لا يزال قائما.
وأوضح الهيل لـ “الاستقلال” أن إيران دولة كبيرة بسكان يصل عددهم إلى 110 ملايين نسمة، وأن المظاهرات التي خرجت كانت بحجم يقارب ثلاثة ملايين شخص، تنوعت دوافعهم بين مطالب مشروعة وأخرى تهدف للعنف والتدمير.
وأشار إلى وجود اختراقات من قبل أجهزة مخابرات إسرائيلية وأميركية، عبر تجنيد مواطنين إيرانيين لقتل عناصر الأمن، وذكر أن هناك مظاهرات مضادة مناصرة للنظام خرجت أيضًا بأعداد مليونية.
وأكد أن دول الخليج لا ترغب في سقوط النظام الإيراني؛ لأنه يشكل حاجزًا أمام إسرائيل ويعوق محاولاتها إعادة تشكيل المنطقة.
وأضاف أن إيران دولة قوية وليست من دول "جمهوريات الموز"، رغم الحصار الاقتصادي المستمر لأكثر من 40 عامًا.
ولفت إلى أن العداء الإيراني مع إسرائيل والغرب حقيقي، وهو ما يفسر الحصار المستمر، كما أن تنفيذ ضربات عسكرية على إيران ليس أمرًا سهلاً حتى بالنسبة للولايات المتحدة.
ورغم سيطرة القوات الأميركية والإسرائيلية على الأجواء الإيرانية بحسب تصريحاتهم، تحدث الهيل عن وقوع طائرات أميركية في مصيدة رادارات إيرانية دفعت الطيارين إلى الهروب.
ورأى أن حرب الـ12 يومًا التي شنتها إسرائيل على إيران في يونيو 2025 أثرت على إسرائيل أكثر مما أثرت على إيران، مؤكداً أن الإيرانيين لم يضحوا بتجاربهم النووية بسهولة، حيث نقلوا المواد المتعلقة بالتصنيع النووي من المناطق التي أعلن ترامب استهدافها.
يذكر أن إسرائيل شنت، بدعم أميركي، عدوانًا على إيران استمر 12 يومًا في يونيو 2025، استهدف مواقع عسكرية ونووية وعلماء، وردت إيران بضربات صاروخية داخل تل أبيب.
وأكد الهيل أن إيران لا تزال مهددة من إسرائيل وأميركا، اللتين تنسقان مصالحهما ضد طهران، في حين تدعم إيران حلفاء مثل الصين وروسيا وكوريا الشمالية.
وشدد على أن ضغوطًا من دول خليجية، أبرزها السعودية وقطر، مورست على الإدارة الأميركية لمنع توجيه ضربة عسكرية لإيران، خشية زعزعة استقرار الخليج الذي يصدّر النفط والغاز.
وأضاف أن دول الخليج مهتمة بالاستثمار، خصوصًا السعودية وقطر والإمارات، وتأثر الاستقرار السياسي والاقتصادي في المنطقة قد ينعكس سلبًا على هذه الاستثمارات.
وفي هذا السياق، أشار تقرير "أكسيوس" إلى أن الخيار العسكري ضد إيران لا يزال مطروحًا بقوة، وقد يُعاد النظر فيه خلال أسابيع.

رغبة مستمرة
من جهته، قال الباحث في الشأن السياسي مهند الأعظمي: إن رغبة ترامب في تغيير النظام الإيراني لم تتغير رغم تراجعه عن الضربة العسكرية. مؤكدا تقلب قراراته وعدم إمكانية التكهن بها.
وأضاف لـ “الاستقلال” أن النظام الإيراني لن يعيش استقرارًا مع وجود ترامب في البيت الأبيض، بسبب عدم استقرار قراراته.
وفي 17 يناير، أعرب ترامب عن تأييده لتغيير القيادة في طهران، واصفًا إيران بأنها "أسوأ مكان للعيش بسبب سوء القيادة"، وشن هجومًا على المرشد الأعلى علي خامنئي، متهمًا إياه باستخدام العنف بشكل غير مسبوق.
وكان المرشد الإيراني علي خامنئي قد وصف ترامب بـ"المجرم" بسبب دعمه للاحتجاجات، وحمل الولايات المتحدة مسؤولية الخسائر والأضرار التي لحقت بالبلاد.
وأضاف خامنئي أنه يجب "محاسبة" الولايات المتحدة على أفعالها. مؤكدًا أن إيران لا تسعى للحرب لكنها لن تسمح للإرهابيين المحليين بالإفلات من العقاب.
وأقر خامنئي، بحسب وكالة أنباء "فارس" شبه الرسمية، بصعوبة الوضع الاقتصادي الذي يعد سببًا رئيسا للاحتجاجات، داعيًا المسؤولين إلى مضاعفة جهودهم لضمان توفير السلع الأساسية وأعلاف الماشية وغيرها من الضروريات.
واندلعت الاحتجاجات في 28 ديسمبر 2025 نتيجة أزمة اقتصادية حادة، لكنها تطورت إلى مظاهرات واسعة تطالب بإنهاء نظام ولاية الفقيه بقيادة خامنئي، بينما هدد ترامب مرارًا بالتدخل واتخذ موقفًا حازمًا إزاء إعدامات المحتجين.
المصادر
- "الأمر الذي لم يصدر": كواليس ومعطيات إضافية حول تراجع ترامب عن ضرب إيران
- "وول ستريت جورنال": هكذا جمد ترامب شن ضربات على إيران
- ترامب: لم يقنعني أحد بشأن إيران وأنا من أقنعت نفسي
- ترامب للإيرانيين: واصلوا الاحتجاج.. المساعدة في الطريق إليكم
- ترامب: حان الوقت للبحث عن قيادة جديدة في إيران
- احتجاجات إيران.. خامنئي: ترامب "مجرم" ويجب محاسبة أمريكا















