الصين في قلب الشرق الأوسط بلا جيش.. لماذا تعيد واشنطن حساباتها؟

"النفوذ في الشرق الأوسط لا يتطلّب وجودا عسكريا"
تتحدث واشنطن عن "النفوذ" وكأنه بخار غامض يتسرّب مع إغلاق كل قاعدة عسكرية، لكن صعود الصين السريع في الشرق الأوسط يكشف أن النفوذ يتخذ أشكالا شتى، وأن منافستها ربما تتطلب تقليص القواعد لا توسيعها.
هكذا رأى المحلل في مجال السياسة الخارجية بمنظمة "أميركيون من أجل الازدهار"، ماثيو ماكنزي، في مقال بمجلة "ريسبونسبل ستيتكرافت" الأميركية، أن الوضع العسكري الأميركي يحمّل واشنطن مخاطر ومسؤوليات هائلة، ويخفف العبء عن بكين في المنطقة.
وأوضح ماكنزي أن بكين وسّعت نفوذها المتنامي في الشرق الأوسط دون نشر جندي واحد فيه، بينما يناقش البنتاغون ما إذا كان عليه إعادة بناء القواعد التي تضررت بفعل الهجمات الإيرانية، وأين ينبغي أن يفعل ذلك.
ورأى أن تجربة الصين تبيّن أن النفوذ يُبنى بكلفة أقل بكثير مما تفترضه واشنطن، ومن دون شبكة ممتدة من المنشآت العسكرية المعرّضة للخطر.

قواعد مكشوفة
وأشار ماكنزي إلى أن منظومة القواعد الثابتة الأميركية المنتشرة في الشرق الأوسط مكشوفة ومكلفة الحماية، كما أظهرت عملية "الغضب الملحمي".
وأضاف أن الولايات المتحدة كانت تحتفظ قبل الحرب بما لا يقل عن 19 منشأة عسكرية في المنطقة، 8 منها دائمة، وأن الهجمات الإيرانية عطّلت فعليا مقر الأسطول الخامس في البحرين ومركز القيادة في قطر.
ومن هذا المركز، نسّقت الولايات المتحدة عملياتها الجوية في المنطقة لأكثر من عقدين، قبل أن يصبح خارج الخدمة.
ولفت ماكنزي إلى أن المدافعين عن الوضع القائم يرون أن هذه الكلفة تستحق العناء، بحجة أن الوجود الدائم يحافظ على الحضور السياسي لواشنطن.
وأضاف أن هؤلاء يرون أن تقليص هذا الوجود سيخلق فراغا تملؤه بكين، ويقوّض النفوذ الأميركي، ويترك الصين قوة خارجية مهيمنة على المنطقة.
لكنه رأى أن تجربة الصين نفسها تبطل هذا الخوف، وتكشف مدى خلط واشنطن بين القوة العسكرية والنفوذ.
وذكر المحلل السياسي أن الشرق الأوسط أقل أهمية إستراتيجية للولايات المتحدة مما كان عليه خلال الحرب الباردة، وأن مصالحها الإقليمية محدودة تبعًا لذلك.
وأوضح أن واشنطن تحتاج إلى استمرار وصول نفط الخليج إلى الأسواق العالمية، ومنع أي قوة منفردة من الهيمنة على المنطقة ومواردها، وإلى تعطيل الجماعات القادرة على ضرب الداخل الأميركي.
وعلى هذا، أكد المحلل أن “مصالح بكين تشبه فعليا مصالح واشنطن، فهي تعتمد على طاقة الشرق الأوسط بدرجة أكبر، وتستفيد من توازن قوى مستقر، ولديها مخاوفها من الإرهاب”.
وأضاف أنه رغم هذا التداخل في المصالح، سعى البلدان إليها بوسائل شديدة الاختلاف.
نفوذ بلا قواعد
ولفت ماكنزي إلى أنه باستثناء قاعدة صينية وحيدة في الخارج بجيبوتي، وهي دولة تحتفظ فيها الولايات المتحدة أيضا بقاعدة أكبر بنحو ست مرات، لا تملك بكين ما يشبه البنية العسكرية الأميركية في الشرق الأوسط.
واستدرك: “مع ذلك وسّعت بكين نفوذها بسرعة في منطقة كرّست لها واشنطن تريليونات الدولارات وعقودا من الالتزام العسكري للغاية ذاتها”.
وذكر أن الصين تحظى بقبول دبلوماسي شبه شامل عبر المعسكرات المتنافسة في المنطقة، بينما يقوّض تاريخ واشنطن وتشابكاتها العسكرية قدرتها على القيام بدور الوسيط المحايد.
وبيّن ماكنزي أن الصين أكبر شريك تجاري للدول العربية، وأن الشرق الأوسط من أكبر المستفيدين من استثمارات مبادرة الحزام والطريق، وأن دورها الدبلوماسي بات أكثر مأسسة مع انعقاد أول قمة صينية عربية عام 2022.
وأضاف أنه وسط الصراع الحالي بين الولايات المتحدة وإيران، لجأت حكومات خليجية مرارا إلى بكين للضغط على طهران، أولا بشأن مضيق هرمز والرد الإيراني، وأخيرا لكبح الحوثيين.
ورأى أن واشنطن تبقى القوة العسكرية الأبرز في المنطقة، لكن هذه المكانة لم تمنحها القدرة على فرض اصطفاف جيوسياسي يخدم مصالحها.
وأوضح ماكنزي أن “ممالك الخليج قاومت باستمرار الجهود الأميركية لتنظيم المنطقة حول تنافس القوى الكبرى، محافظة على روابط أمنية وثيقة مع واشنطن، مع تعميق علاقاتها بالصين في الوقت ذاته”.
ورأى أنه مع أن القوة العسكرية لن تفقد أهميتها أبدا، فإن أطرافا في واشنطن اعتادت ممارسة النفوذ عبر الجيش إلى حد صارت تخلط فيه بينه وبين القوة ذاتها.
وأضاف أن نفوذ الصين ارتفع مع نموها الاقتصادي السريع وتقدّمها التكنولوجي وقدرتها العسكرية المتنامية، وهي التركيبة التي بنت مكانة القوى الكبرى عبر قرون.
ولفت ماكنزي إلى أن دول الخليج تبيع الصين الطاقة التي يعتمد عليها اقتصادها، وتستقطب الاستثمار الصيني؛ لأن الشركات الصينية تملك أموالا جاهزة للضخّ.
وأشار إلى أن الولايات المتحدة يُفترض أن تكون بارعة في هذه اللعبة، فدول الخليج لا تحتاج إلى عشرات الآلاف من الجنود الأميركيين على أرضها لتدرك قيمة التعامل مع أكبر اقتصاد في العالم.
وأردف بأن علاقات أميركا الممتدة منذ عقود لن تتبخّر لمجرد مغادرة آخر مروحية للسعودية، وأنها حين لا تحاول إعادة تشكيل الشرق الأوسط على صورتها، تظل قادرة على تقديم أكثر ممّا تقدّمه بكين.
ونبّه ماكنزي إلى أن تقليص القواعد الأميركية سيكلّف واشنطن حتما بعض النفوذ لدى الدول المضيفة، لكن النفوذ وحده لا يجعل الوجود العسكري ذا قيمة، خصوصا مع محدودية المصالح المطروحة.
وأشار إلى أن بإمكان الولايات المتحدة الحفاظ على أشكال أخرى من النفوذ الأمني، مثل مبيعات السلاح وبناء القدرات وتبادل المعلومات الاستخباراتية.
ورأى أن بعض حكومات الخليج قد تكون أكثر حماسا للتعاون مع واشنطن حين تعلم أنها لن تكون ضمن بنك أهداف محتمل في صراع إقليمي.
وبيّن ماكنزي أن اتفاق التطبيع السعودي-الإيراني الذي توسّطت فيه الصين عام 2023 يوضّح الفارق بين النفوذ العسكري والدبلوماسي.
فبكين، وفق تعبيره، تمكّنت من وضع نفسها في قلب واحدة من أشدّ الخصومات الإقليمية، رغم افتقارها إلى أي شيء يقارب البصمة العسكرية الأميركية، معتمدة بدل ذلك على الدبلوماسية والثقل السياسي المتراكم من علاقتها الأوسع بالبلدين.
وخلص المقال إلى أن النفوذ في الشرق الأوسط لا يتطلّب وجودا عسكريا، وبالتأكيد ليس بحجم الوجود الأميركي.

إعادة التموضع
ولفت ماكنزي إلى مفارقة أغرب في استحضار الصين لتبرير الوضع العسكري الأميركي؛ إذ تعتمد بكين على طاقة الشرق الأوسط أكثر من الولايات المتحدة، ومع ذلك نصّبت واشنطن نفسها حارسا للنظام الإقليمي الذي يعتمد عليه اقتصاد الصين.
وأضاف أنه لو تعرّضت تدفقات نفط الخليج لتهديد جدي، لكان لدى بكين كل الحافز للمساعدة في استعادتها، لكن واشنطن أراحتها من العناء، متحمّلة كل كلف الأمن الإقليمي ومخاطره.
ورأى أن الصين تمتّعت بترتيب مريح على نحو لافت؛ إذ يحمي منافسها الجيوسياسي الأول شريان طاقتها.
ودعا البنتاغون، وهو ينظر في الخطوة التالية، إلى إعطاء الأولوية للحفاظ على النفاذ الإقليمي بدل الهيمنة الإقليمية، مقدرا أنه لا يحتاج إلى إعادة بناء كل مدرج محفور أو مركز قيادة محطّم لمجرد أنه كان قائما قبل الحرب.
وشدّد ماكنزي على إغلاق أكثر القواعد انكشافا، وتقليص البصمة العسكرية الأميركية عموما، وتجميع ما يتبقّى حول بضعة مواقع إستراتيجية على الأكثر، أبعد من إيران.
ورأى أن الأردن أو غرب السعودية أو القرن الإفريقي، أو حتى أجزاء من أوروبا، يمكن أن توفّر النفاذ اللازم لحماية مصالح أميركا الإقليمية المحدودة، دون تكرار البنية الضخمة لما قبل الحرب.
وأوضح أن أوضاعا عسكرية بهذا الحجم يستحيل تفكيكها تقريبا في الأوقات العادية، وأن عملية "الغضب الملحمي" أتاحت فرصة نادرة لكسر الجمود الذي يُبقي انتشارات عتيقة حية بعد زوال مبرّرها الإستراتيجي بزمن طويل.
وختم ماكنزي بأن على البنتاغون اغتنام هذه الفرصة، فالصين التي يُفترض أنها سبب عجز أميركا عن المغادرة، تقدّم في الواقع مثالا واضحا على كيفية حماية الولايات المتحدة مصالحها وصون نفوذها بكلفة أقل بكثير.
















