مصر والجزائر والعراق.. خبير يرسم عبر "الاستقلال" خريطة النشاط الزلزالي بالعالم العربي

الاستقلال | منذ ٧ أشهر

12

طباعة

مشاركة

قال خبير الزلازل الأردني البروفيسور نجيب أبو كركي، إن الزلازل الأخيرة التي ضربت تركيا تكافئ بعد حسبة بسيطة ما لا يقل عن 30 ضعف ما حصل في المغرب.

وأضاف أبو كركي وهو رئيس سابق لجامعة الحسين بن طلال الأردنية، في حوار مع الاستقلال، أنه لا يوجد ارتباط مباشر بين ما حصل في زلزال تركيا وما حصل في المغرب.

وفي 8 سبتمبر/ أيلول 2023، ضرب زلزال بقوة 7 درجات عدة مدن مغربية كبرى مثل العاصمة الرباط والدار البيضاء ومكناس وفاس (شمال)، ومراكش وأغادير وتارودانت (وسط).

ووفقا لأحدث بيانات وزارة الداخلية المغربية، أسفر الزلزال عن 2946 وفاة و6125 إصابة، إضافة إلى دمار مادي كبير.

وفي 6 فبراير/ شباط 2023، ضرب جنوبي تركيا وشمالي سوريا زلزال بقوة 7.7 درجات أعقبه آخر بقوة 7.6 درجات وآلاف الهزات الارتدادية العنيفة، ما أودى بحياة عشرات الآلاف من الأشخاص وخلَّف دمارا ماديا ضخما.

واستبعد البروفيسور أبو كركي القدرة على التنبؤ بحدوث الزلازل، مؤكدا أنه لا يمكن الادعاء أن هناك توقعا بقرب حدوث الزلازل لا في المنطقة العربية ولا في غيرها في أي مكان بالعالم.

ومضى يقول: "لا يوجد حل سحري لمنع حدوث الكوارث الطبيعية ولابد من التوعية دون كلل أو ملل للتخفيف من وقعها".

وأكد أن وقوع زلازل في سوريا وتركيا والمغرب يجب أن تكون مُحفزة للأنظمة العربية لإعادة الاهتمام بجدية الاستعداد الحقيقي لمواجهة أية كوارث طبيعية من زلازل أو سيول وفيضانات أو حرائق.

كما تناول العديد من الأمور المتعلقة بالزلازل في منطقتنا خلال هذا الحوار.

زلزال المغرب

ما تفسيرك للزلزال الذي ضرب المغرب بهذه القوة؟

المغرب بلد زلزالي في الواقع ونتذكر سلسلة من الزلازل المؤثرة التي حصلت فيه بداية من عام 1960 حين وقع زلزال أغادير الشهير.

حيث تميز بأنه كان زلزالا صغيراً سبيا من حيث الطاقة ولكن تأثيره التدميري كان كبيرا للغاية على مدينة أغادير، حيث خلف 15 ألف قتيل، كما كان هناك زلازل أخرى في عام 1969 ثم في 2004.

والزلزال الأخير يقع في نطاق تصادم الصفائح التكتونية، وبتحليل بياناته وما رشح منها تم التأكد بأنه ناتج عن صدع عكسي في سياق- نوعا ما تصادمي- يثبت ذلك أيضا التشوهات الموجودة هناك وسلسلة جبال الأطلس التي تميز المغرب.

فالأسباب واضحة تماما وعادة البيئات الزلزالية لا تختلف خلال ملايين السنين.

ولا يمكن أن نقارن زلزال المغرب بزلزال تركيا، ولا أتوقع أن تكون الهزات الارتدادية بنفس الزخم الذي حصل في تركيا، وقد تحصل لكنها ستكون أقل من حيث القوة وأقل أيضا من حيث العدد وأقل من حيث استمرار المدة الزمنية لتلك الهزات. 

هل هناك أسباب كامنة تتسبب في حدوث زلازل كهذه.. بمعنى وجود أي تدخلات بشرية؟

أستبعد جدا أن يكون هناك أي تدخل بشري في حدوث الزلازل في أي مكان بالعالم، ورغم انتشار الشائعات التي تملأ الأجواء، إلا أنني أرى هذا في الواقع أمرا مستبعدا بشكل كبير.

هل هناك وجه شبه بين هذا الزلزال الذي ضرب المغرب والزلزال الذي دمر عشر محافظات في تركيا؟

من المعلوم أن الزلازل الأخيرة التي ضربت تركيا تكافئ بعد حسبة بسيطة ما لا يقل عن 30 ضعف ما حصل في المغرب، فما حصل في المغرب متواضع جدا مقارنة بما حصل في تركيا.

حيث إن تركيا وضعها أكثر تعقيدا لوجود شبكة هائلة من الصدوع الطويلة والقادرة على إنتاج زلازل أيضا أكبر من ذلك مثلما حصل في زلزال سنة 1939 المعروف بزلزال أرزينجان الذي وصلت قوته إلى 8 درجات على مقياس ريختر.

كما أنه لا يوجد ارتباط مباشر بين ما حصل في زلزال تركيا وما حصل في المغرب من زلزال، فالمسافة بعيدة جدا وهنالك الكثير من الظواهر ما بين المنطقتين.

فبالنسبة للمغرب التصادم الأساسي هو تصادم صفيحة إفريقيا مع أوروبا وآسيا، أما الوضع بالنسبة لتركيا فهو تصادم الصفيحة العربية مع الصفيحة التكتونية لأوروبا وآسيا وهذه الفروقات مهمة فيما بين الحالتين.

المنطقة العربية 

هل المنطقة العربية التي نعيش فيها منطقة زلازل؟ ولماذا؟

لا شك أنه في العالم العربي يوجد بعض المناطق الزلزالية التي تتميز جميعها بأنها نسبيا من النوع المتوسط.

بمعنى أنه ممكن أن يحصل بها زلازل كبيرة أحيانا بحيث لا تتجاوز قوته 7 درجات بمقياس ريختر، والذي إذا حدث قريباً من مناطق مأهولة بالسكان قد يكون تأثيره التدميري كبيرا.

ولكن هذا لا يقارن في علم الزلازل مع مناطق أكثر زلزالية بشكل كبير كأطراف المحيط الهادي التي استأثرت جميعها بكل الزلازل التي فاقت قوتها التدميرية 9 ريختر.

مما يعني أن كل زلزال من هذه الزلازل هو أكبر بألف مرة من زلزال الـ7 درجات وهذا يبين نسبية الأشياء في هذا المجال.

كما أن أهم المناطق الزلزالية في العالم العربي هي شمال العراق نتيجة ارتباط تصادمي، وشمال سوريا.

ثم بعد ذلك شمال الجزائر أيضا التي ربما تكون هي الأنشط بينها؛ لأن حدود تلك الصفائح تمر بالفعل صدوعها من شمال الجزائر.

بينما في كثير من المناطق الأخرى الحدود التصادمية ما بين صفيحة إفريقيا والصفيحة الأوروبية الآسيوية التي توجد إما في البحر المتوسط أو في جبال الابنين شمال إيطاليا.

أو في التشوهات التي أنتجتها هذه الجبال بفعل التصادم بين إفريقيا مع أوروبا وآسيا والمستمر بنفس الاتجاه عملياً التقاربي ما بين الصفيحتين منذ 70 مليون عام على الأقل.

وثمة مناطق يمكن أن تشعر بهزات زلزالية مسرحها إيران وأعني بهذا دول الخليج العربي؛ لكن غالبا هذه تكون بلا تأثير على دول الخليج؛ لأن مسرحها الأساسي يكون إيران وقوتها التدميرية تتركز هناك عمليا.

ثم بقي الصدع التحويلي الأردني وهو في الواقع من النوع الذي يمكن أن يحصل عليه زلازل متوسطة التدمير تقريباً والذي يحصل بمعدل مرة كل 100 عام.

وبالمعدل لا تعني أن هذا منتظم بمعنى أنه قد يمر 300 عام بدون زلازل، وقد يحصل في سنة واحدة زلزالين مثلاً بالمعنى الإحصائي كما ذكرت.

أما بالنسبة للبحر الأحمر فهو ملتقى حدود صفائح تكتونية متباعدة غير تصادمية، أي أنها تتباعد عن بعضها ولذلك لا نسمع كثيرا بمشاكل كبرى في ذلك الموقع؛ فيما بقيت الزلازل هناك إلى حد ما زلازل أليفة.

أما ما تبقى يعني قد يحصل بعض الحالات الشاذة الناتجة عن ظروف موضوعية كمثال ما حصل في القاهرة سنة 1992 أو ما يمكن أن ينتج عن السدود الكبرى من هزات وزلازل نسميها زلازل تأثيرية والتي تكون أقل قوة بكثير من الزلازل التكتونية التي يعني في سياقها تحصل المشاكل والدمار بشكل كبير.

وهل لدينا في بلادنا العربية والإسلامية مراكز للتنبؤ بالزلازل؟

لا يمكن الادعاء بأن هناك تنبؤا بوقوع الزلازل لا في المنطقة العربية ولا في غيرها في أي مكان في العالم في الوقت الحاضر، وما ينطبق على العالم العربي ينطبق على المناطق الأخرى في هذا المجال.

فالتنبؤ بالزلازل إذا حصل يجب أن يكون وفق قواعد واضحة وقابلة للتكرار كي يستفاد منها بشكل ما في جهود كبيرة في هذا المجال في العالم كله.

ولكن هذا التنبؤ يكون بعيدا عن تحقيق الهدف على ما يبدو، ولم ينجح حتى الآن رغم استمرار جهود المحاولات في هذا المضمار.

الاستعداد للكارثة

وكيف يمكن الاستعداد لكارثة الزلازل في منطقتنا العربية؟

في الواقع هناك تفاوت شديد بين أساليب استعداد بعض الدول العربية لوقوع زلازل من حيث أخذ هذا الموضوع على محمل الجد، ومن حيث إمكانياتها، وإن بدا لي التراخي في التعامل مع هذا الأمر حيث لا يُعرف زمان وقوع الزلزال ولا قوته التدميرية ولا مكانه.

ولكن أستطيع القول إنه في الأردن بدأت الأمور تُعطي انطباعا بوجود اهتمام بهذه الظاهرة والاحتراز لها بالاستعداد، وسيكون هناك تمرين قريب على مقياس حقيقي عمليا وتدريبيا يحاول أن يمتحن إمكانية توافق وزارات عديدة في أداء واجباتها في حالة وجود ما يشبه الزلزال.

وقد حصل هذا التمرين أكثر من مرة، ففي عام 2000 حصل التمرين ولكن على مقياس أصغر، وسوف يحصل خلال الأسبوعين القادمين كنموذج يمكن أيضا أن يُحتذى في هذا المجال، وبلا شك يوجد خلفه تخطيط واستعداد ومشاركة من جميع الجهات المعنية في الأردن طوال عام منصرم.

كيف ترى إستراتيجيات حكوماتنا العربية في التعامل مع هذه الكارثة الطبيعية.. وكيفية تعويض الخسائر التي يمكن أن تنجم عنها؟ 

أعتقد أن إستراتيجيات الدول العربية في الواقع متفاوتة تماما من دولة لأخرى ويصعب الحكم عليها؛ لأن بعضها ضمن دوائر مغلقة وحسب ما أتوقع فإن معظمها لا يتسم بالجدية الكافية في هذا المجال.

ولكن ربما زلازل سوريا وتركيا والمغرب تكون محفزة لإعادة الاهتمام بهذا بشكل جاد والاستعداد بشكل تام.

كما إنني لست على دراية كافيه بكل إستراتيجيات الدول العربية في هذا المجال وأرجو أن تكون بقدر الإمكان متقدمة وأن تسعى إلى حماية بلادهم.

أما بالنسبة لمسألة تعويض الخسائر فهو شيء لا يسهل أبدا التعامل معه ضمن اقتصاديات إلى حد ما محدودة أو ضعيفة.

ربما يحتاج الأمر إلى تضامن في هذا المجال؛ بخلق صناديق لمواجهة هذا عبر التضامنية التكافلية ما بين الدول العربية على سبيل المثال وإن كنا مثاليين في هذا المجال.

ولكن في الواقع عندما تحصل الكارثة تكون أكبر من قدرات أي دولة تقريبا، ونرى أنه يوجد على مستوى العالم نوع من التضامن والتكافل والمساعدات في هذا المجال، لكن هذا يبقى دون المستوى بشكل عام حتى الآن.

وهل هناك زلازل أخرى من المنتظر حدوثها؟ وماذا حول زلزال إسطنبول الكبير؟ 

أما بالنسبة موضوع زلزال إسطنبول الكبير الذي يتكرر الحديث عنه بشكل ممل فهل إسطنبول مهددة بوقوعه أم لا؟

في الواقع منطقيا يُعتقد ذلك، ولكنني لا أؤيد فكرة أنه سيحصل خلال الفترة من الآن وحتى 70 سنة هذا الزلزال؛ فهذا لا يمكن لأحد أن يضمنه.

وبالتأكيد من يطلق هذا الكلام سيخلق حالة من القلق بشكل كبير تمتد لمدة 70 عاما بدون أي تأكيد لإمكانيات أن يكون هذا حقيقيا أو لا.

فالأفضل هو الاستعداد بهدوء والانتباه إلى أن تكون المباني معتنى بها بشكل جيد ومقاومة للزلازل، وأن يستفاد من الخبرات الزلزالية والكوارث التي حصلت بتركيا سابقا لتجنب شبيهاتها في المستقبل.

ومن المعلوم أن إسطنبول واقعة بالقرب مما يسمى بصدع الأناضول الشمالي، وهو صدع هائل بدأ عليه نشاط علمي حديث عمليا في سنة 1939؛ بحدوث زلزال كان هو الأكبر على حدود الصفيحة العربية كلها بقوة 8 درجات في منطقة ارزينجان شرق تركيا.

ثم بعد ذلك حصل ما يقارب 10 زلازل كلها قوية وبقوة أكبر من 7 درجات على مقياس ريختر، وبعضها وصل مرتين متتاليتين إلى 7.6 درجات، وهو صدع زلزالي يمتد مئات الكيلومترات من أرزينجان حتى مشارف إسطنبول.

كما شهد هذا الصدع 10 زلازل مزقته على طوله حتى وقفت عمليا على عتبة إسطنبول وعلى بعد حوالي 200 كلم منها، وآخر هذه الهزات كانت في منطقة زلزال إزميت عام 1999 وفي كل هذه الزلازل سقط آلاف القتلى وهذا هو نصيب تركيا من هذا الموضوع.

طرق المواجهة

كيف يمكن نشر ثقافة التعامل مع الكوارث الطبيعية من زلازل وسيول بين أبناء شعوب منطقتنا العربية؟ 

في الواقع لا يوجد حل سحري لذلك ولابد من التوعية ودون كلل أو ملل من خلال تضافر الجهود الحكومية الإعلامية من جميع الجهات المعنية لرفع الجاهزية التوعوية لأن هذا في الواقع من أهم أركان مكافحة الكوارث.

وأن نكون مستعدين لها حتى تقلل من الخسائر بقدر المستطاع ويكون التأثير التدميري بهذه الأخطار أقل بكثير، وأيضا يكون الضرر الذي يمكن أن يحصل له أقل بكثير.

وهناك تجارب لدول متقدمة في هذا المجال تجرى التمارين المنتظمة والمتكررة وتبقى عمليا على أهبة الاستعداد حيث يجب التفكير بهذا الموضوع من جميع نواحيه في حال حصول الكارثة ويتطلب الأمر تضافر جميع الجهود لأنه تصبح مناطق النقص يعني كبيرة..

فقد لا يكون هناك ماء للشرب ولا كهرباء ولا اتصالات كل هذا يجب الاحتراز له وتجربته عمليا ضمن جهود حديثة لإجراء التمرينات وتحفيز الناس على محاولة التثقف في هذا المجال والاطلاع على التجارب الناجحة به لتحقيق أكبر قدر ممكن من إمكانيات مكافحة الكوارث والتقليل من أخطارها.

حيث لا نستطيع أن نمنع حدوث تلك الكوارث الطبيعية لكن نستطيع ان نخفف من آثارها بالوعي والتدريب كما ذكرنا والتضامن.

هل هناك علاقة للزلازل بالبيئة والمناخ عموما وارتفاع درجة حرارة الأرض وذوبان الجليد بالقطبين؟ 

من وجهة نظري لا يوجد علاقة مباشرة ما بين الزلازل وارتفاع درجة حرارة الأرض على مدى زمني قصير، فظواهر الزلازل ظواهر تحصل على أعماق عشرات الكيلومترات بمعزل تام عن ما يحصل على سطحها من تغيرات عملية من هذا النوع.

 وإذا كان هنالك تغيرات في الواقع تحتاج إلى زمن طويل جدا كي يتراكم ما يلزم بشكل يغير في أماكن الكتل على سطح الأرض وهي المياه التي تذوب مثلا في الجليد حتى يبدأ لها اثار أساساً مشكوك بها عمليا، فقد تستغرق ملايين السنين لكي يحدث زلازل بهذا السبب.

ما تقييمكم لحجم التضامن العربي والإسلامي في مثل هكذا كوارث بين شعوب المنطقة؟ 

الطموح أن يصبح التنسيق والتكافل أكثر، ففي الواقع أعتقد أن هناك نقصا كبيرا بسبب تعامل الدول بشكل سياسي وحذر، وبالتالي يعني هناك حاجة إلى مزيد من أنسنة هذا الموضوع خاصة في زمن الكوارث وخاصة ما بين الدول الإسلامية والعربية.