كثرة الأدوية تقضي عليه.. لماذا لا يكشف قيس سعيد حقيقة مرضه للشعب التونسي؟

منذ 23 مارس/ آذار 2023، غاب الرئيس قيس سعيد عن جميع الأنشطة العلنية، سواء ما تعلق بالاجتماعات الحكومية أو اللقاءات الدبلوماسية، أو الزيارات الميدانية، وسط تكهنات واسعة بخصوص وضعه الصحي.
هذا الغياب دفع الكثيرين على مواقع التواصل الاجتماعي للقول إن سعيد يعاني انتكاسة صحية دخل على أثرها المستشفى العسكري في العاصمة تونس، دون أن يؤكد أو ينفي أي مصدر حكومي هذه الأنباء.
كما قام وزير الخارجية، نبيل عمّار باستلام نسخة من أوراق اعتماد السفير البرازيلي الجديد، فرناندو جوزيه دي آبرو، في 29 مارس 2023، رغم أن البروتوكول يقتضي أن يقوم سعيّد بهذه المهمة.
ومع تزايد ضغط الشعب والمعارضة لمعرفة الحقيقة، ظهر سعيد أخيرا في 3 أبريل/ نيسان 2023، خلال لقاء مع رئيسة الحكومة نجلاء بودن، بالقصر الرئاسي، لكن صورته الهزيلة زادت من المخاوف حول صحته.
وينفرد سعيد (65 سنة) بجميع السلطات في تونس منذ 25 يوليو/تموز 2021، عندما أقال رئيس الحكومة وجمد نشاط البرلمان قبل أن يحله بمرسوم، ويعلن عن خارطة طريق جديدة، شملت تغيير دستور 2014 الذي انتخب على ضوئه رئيسا للبلاد، وانتخاب مجلس نواب جديد بصلاحيات محدودة.
انتكاسة مزدوجة
وذكر موقع "موند أفريك" في 4 أبريل/نيسان 2023، نقلا عن مصادر خاصة لم يوضحها، أن قيس سعيد نُقل إلى وحدة العناية المركزة بالمستشفى العسكري بتونس العاصمة لمدة خمسة أيام.
وقال الموقع الفرنسي إنه "منذ ذلك الحين عاد الرئيس إلى قصر قرطاج برفقة حرس الرئاسة"، وأنه "تتم مراقبته عن كثب في جناح مقر إقامته الذي تم تجهيزه طبيا".
وأورد "موند أفريك" أن الرئيس التونسي كان سيقع ضحية لمشاكل في القلب بسبب الأدوية الثقيلة التي يخضع لها لعلاج الاضطرابات المزاجية الحادة والمتكررة.
وفي هذا الصدد، رأى الإعلامي والمحلل السياسي التونسي نصر الدين السويلمي، أن التستر عن الحالة الصحية لقيس سعيد، وعدم إطلاع المواطنين بخصوصها، أمر غير مستغرب، لكون الرئيس شخصية نرجسية ومنخورة بالدونية، ولديه عقدة نقص كبيرة.
وأضاف لـ"الاستقلال"، كما أن قراءة الرجل لصورة وهيبة القيادي أو الرئيس أو الزعيم قراءة خاطئة تماما، لأنه دخيل على المجال السياسي.
وتابع، ولذلك يعتقد سعيد أن أي اشارة للمرض هي إشارة ضعف، ولأنه مريض بالبارانويا أو جنون الارتياب، يَعتقد أن الجميع يستهدفه، وأن إعلان المرض يسهل هذا الاستهداف، لذلك كان هناك تكتم كبير جدا على هذا الأمر.

وفي 2 أبريل، كشف موقع "الجمهورية" المحلي، أن وزير الصحة علي مرابط، رفض الإجابة عن سؤال وجّهه له صحفيون يتعلق بما يروج حول صحة قيس سعيّد، والتزم بالصمت رغم إلحاح الصحفيين.
وذكر المصدر ذاته أن وكالة "نوفا" الإيطالية، أثارت جدلا بعدما تحدّثت عن "إلغاء" الرئيس سعيد لقاء مبرمجا مع المفوض الأوروبي للاقتصاد باولو جينتيلوني، دون ذكر الأسباب.
وأكد الموقع أن هذه المعطيات جعلت المواطنين يلحون في طلب المعلومة الدقيقة من الإعلام، خاصة في ظل عدم نشر أي معلومة رسمية عن الأسباب، وإن كان الغياب خيارا بالتقليص من الأنشطة أو لموانع أخرى.
ورأى المصدر ذاته أن هذا الصمت ترك المجال واسعا للإشاعات والسيناريوهات أمام غياب التفاعل الرسمي من مؤسّسات الدولة لوضع حدّ للمخاوف والتوقعات آخرها رفض وزير الصحة الرد عن سؤال الصحفيين حول ما يروج عن صحة الرئيس.
وفي تحليله لردة فعل وزير الصحة، رأى الإعلامي والمحلل السياسي نصر الدين السويلمي، أن تفاعل الوزير مرده أن سعيد أثبت منذ وصوله للسلطة واستحواذه عليها، أنه شخص لا يُفهم وليست له بوصلة يمكن النظر لها، أو محرار يمكن قياس ردة فعله عليه.
وأردف، فمحيط سعيد لا يعرف ما هي الأشياء التي تغضبه أو لا تغضبه، لذلك ارتبك وزير الصحة وغادر مباشرة بعد السؤال ولم يعقب.
وأوضح السويلمي أن هذا الارتباك يرجع أيضا، إلى أن الوزير يَعرف أن كلمة واحدة يمكن أن يقال بسببها، بل يمكن أن يحاسَب ويُتهم بأنه يستهدف الأمن العام، كما وقع مع معارضين.
وزاد، فالمحيط الدائر بسعيد يعرفون أنه خطير جدا، وأن ليس له قاعدة واضحة يمكن التعامل معه على ضوئها، أو البناء عليها، نظرا لتقلبه ومزاجيته.
تدخل المعارضة
غياب سعيد دفع المعارضة التونسية إلى التدخل على الخط، حيث شدد رئيس جبهة الخلاص الوطني أحمد نجيب الشابي خلال ندوة إعلامية عقدتها الجبهة في 3 أبريل، على ضرورة أن توضح الحكومة الوضع الصحي لرئيس الجمهورية.
وقال الشابي، وفق موقع "موزاييك إم إف"، "بلغنا خبر تعرض رئيس الجمهورية إلى وعكة صحية منذ اليوم الأول، ولكن قررنا التريث لأن معركتنا معه سياسية وليست شخصية".
واستدرك قائلا: "ولكن اليوم بعد أن تناولت وسائل الاعلام الخبر ومع ردة فعل وزير الصحة عند سؤاله عن الموضوع التي زادت الغموض قررنا الحديث".
وتابع: ''رئاسة الدولة هي مركز مهم للسلطة، لذلك نطالب الحكومة بتوضيح الوضع الصحي لرئيس الجمهورية..''، مردفا: "إذا كان غيابه وقتيا على رئيسة الحكومة أن تأخذ مقاليد السلطة وهذا من شأنه أن يبعث الطمأنينة للشعب..''
كما قال إنه ''في حال كان الشغور دائما فإن هناك فراغا دستوريا خطيرا باعتبار أنه لم يتم تركيز المحكمة الدستورية''، مضيفا "نرفض أن يكون هناك قرار مسقط ولابد أن تكون هناك مشاورات جدية للقوى المدنية السياسية المختلفة للاتفاق على مخرج لإنقاذ تونس والانتقال السلس للسلطة''.
وفي وقت لاحق خلال اليوم نفسه، اضطر سعيّد للظهور في لقاء مع رئيسة الحكومة نجلاء بودن، في القصر الرئاسي، في أول نشاط رئاسي علني له منذ أسبوعين.
وبثت الصفحة الرسمية لرئاسة الجمهورية، على موقع فيسبوك، اللقاء في مقطع فيديو ظهر فيه الرئيس بوجه مرهق، ولكنه قال إن التنسيق ظل مستمرا مع رئاسة الحكومة وبين مؤسسات الدولة.
كما كانت علامات الإرهاق بادية أيضا في صوت الرئيس سعيّد، الذي نفى حالة الشغور في المنصب أو "التعذر الوقتي" لأداء المهام كما وصف الترويج لمرضه بالدعوة إلى الانقلاب على السلطة.
وقال سعيّد "المس بالسلم الأهلية في تونس غير مقبول".
بدوره، قال إبراهيم بودربالة رئيس مجلس نواب الشعب في تونس، إن ظهور الرئيس قيس سعيّد طمأن الشعب على صحته، كما أكد أن مؤسسات الدولة مستقرة، مشيرا إلى أن الرئيس يمارس الرياضة يوميا.
وأضاف بودربالة لقناة "الجزيرة مباشر" القطرية، في 4 أبريل، إن "الطبقة السياسية من المعارضة تعيش في أوهام"، لافتا إلى أنها "صارت خارج التاريخ".
وتابع بودربالة "الشائعات بشأن صحة الرئيس أظهرت النيات السيئة والأفكار الشيطانية لمن لا يريدون الخير لتونس".
وأوضح "دعايات فيسبوك ومواقع التواصل الاجتماعي لم تنطلِ على الشعب التونسي".
وأضاف أن المعارضة عليها الاهتمام بمشكلات الشعب خاصة أن البلاد في طريقها إلى استكمال الخريطة التشريعية، مؤكدا أن تونس امتطت الركب نحو محطة السلامة.
في هذا السياق، قال السويملي، إن صورة الرئيس التي تم تداولها خلال لقائه مع رئيسة الحكومة تؤكد أنه مريض، لكن النظم الديكتاتورية أو الشمولية، ترى في مسألة صحة الرئيس كسر من أسرار الدولة، وأن وصول خبر مرض الرئيس يهدد الأمن القومي.
وأضاف السويلمي لـ"الاستقلال"، أنه رغم محاولات سعيد إخفاء مرضه، إلا أن تحليلات وقراءات متعددة، ومن متخصصين، تؤكد أنه مثخن بالأمراض، وأن المرض مسه بشكل كبير.
وتابع، كما أن مرضه ليس عضويا فقط، وخاصة في القلب وغيره، بل إن الرجل مصاب بأمراض نفسية، ولذلك فهو يعاني من الجهتين، العضوية والنفسية.
تفاعلات افتراضية
التفاعل عبر وسائل التواصل الاجتماعي مع مرض الرئيس كان واسعا، وأيضا بعد لقائه برئيسة الحكومة.
وفي هذا الصدد، قال وزير الخارجية التونسي الأسبق رفيق عبد السلام، إن سعيّد مر بأزمة صحية استوجبت نقله للمستشفى العسكري، مؤكدا أن "هذه حقيقة صلبة وثابتة لم ينفها سعيد نفسه، ولا أنكرتها أوضاعه وأحواله عند الظهور التلفزي".
وأضاف في تدوينة عبر فيسبوك، في 4 أبريل، "فقد خضع الرجل للعلاج في المستشفى العسكري، واحتجب عن الأنظار ما يزيد عن عشرة أيام متتالية، وهو الذي وضع مفتاح البلد بكامله في جيبه، بعدما اختطف كل الصلاحيات وجمع كل السلط بين يديه".
وأردف عبد السلام، "وهذا يعني أن تونس يراد لها أن تنام وتصحو مع الرئيس، وتحيا وتموت بحياته وموته، وما هكذا تدار شؤون الدول والأمم".
وشدد على أن "أمر الرئاسة شأن عام ومن حق للتونسيين الحصول على المعلومة بشأن صحة الرئيس"، ضاربا المثال بما فعله الرئيس الراحل الباجي قائد السبسي، مؤكدا أن هذا ما تفعله كل الدول التي تحترم نفسها وتحترم شعبها.
ورأى أن السلطات التونسية هي المسؤولة أولا وآخرا عن كل التأويلات والتكهنات بشأن صحة الرئيس، لأنها امتنعت عن الحديث في الموضوع أو إشاعة المعطيات في شأن عام يهم كل المواطنين، وبقي مصدر التلقي الوحيد وكالات الأنباء الأجنبية.
بدوره، قال هشام العجبوني، القيادي في حزب التيار الديمقراطي، "في الدول التي تحترم نفسها ومواطنيها من حقّ الرأي العام معرفة سبب "اختفاء" أو "غياب" رئيس جمهوريتها لمدّة طويلة (راحة أو عطلة أو مرض....إلخ)".
وأضاف العجبوني في تدوينة على فيسبوك: "حتى لا يقع إطلاق العنان للإشاعات والتخمينات، وحتى لا يقع المسّ من استقرار البلاد وسلمها الأهلي".
وأردف، "في الدول التي تحترم نفسها ومواطنيها، نشر التقرير الطبي لرئيس جمهوريتها بطريقة دورية مسألة طبيعية ولا تثير جدلا".
واسترسل العجبوني في انتقاده لتدبير سلطات بلاده لمرض الرئيس: "في الدول التي تحترم نفسها ومواطنيها لا يمكن أن يقع فراغ في السلطة إذا حصل مكروه لأعلى هرم في السلطة، لا قدّر الله، وكل السيناريوهات الممكنة يقع الاستعداد لها، ويقع تطبيق بروتوكولاتها حرفيا، ويتم انتقال السلطة بسلاسة وبدون أيّ إشكال".
وأضاف: "طبعا أنا أتحدّث عن الدول الذي تحترم نفسها ومواطنيها.. أما في تونس، وحسب دستور قيس سعيّد الذي صدر منذ حوالي 7 أشهر (أغسطس 2022)، الذي يتولّى رئاسة البلاد في حالة العجز أو الشغور الدّائم هو رئيس المحكمة الدستورية".
وأوضح، "طبعا، رئيس الدولة يرفض إرساء المحكمة الدستورية حتى يواصل احتكار صلاحيّة تأويل الدستور، رغم أنّه جرّدها من عديد الصلاحيّات (مثل إبداء الرأي في حالة الخطر الداهم أو في إقرار حالة العجز المؤقت أو الدائم)".
وبالتالي، يقول العجبوني، "إذا حصل مكروه لرئيس الدولة، لا قدّر اللّه، فسيرمي ذلك بالبلاد إلى المجهول ويعرّض استقرارها وأمنها إلى مخاطر لا أحد يتوقع تبعاتها ومداها".
وخلص للقول: "أرجو السلامة لقيس سعيّد وأرجو أن يتم التعاطي معنا كمواطنين وليس كرعايا، وأن ننتقل في أقرب وقت إلى مصاف الدول التي تحترم نفسها ومواطنيها".
أما الكاتب والباحث الأكاديمي عادل لطيفي، فكتب قائلا: "نحن لا نتساءل عن صحة قيس سعيد لشخصه. فمن البديهي إنسانيا أن نتمنى الشفاء لكل إنسان مرض مهما كان وخاصة إذا كان على رأس الدولة".
وأضاف لطيفي في تدوينة على فيسبوك: "بل نحن كمواطنين نتساءل عن الدولة لأنها سبب وجودنا وهي مصيرنا. نتساءل عن سبب غياب رمز الدولة لأنه في غيابه، المؤكد وغير المعلن، خطر على الدولة في ظل غياب أي مخرج دستوري واضح...".
وشدد الأكاديمي التونسي أن "تواصل التعتيم الرسمي على أبسط حق من حقوق المواطنين يعد ضربا من ضروب العبث بالدولة واحتقارا للشعب".
وأوضح، "لا نسأل عن الرئيس كي نعرف فقط أنه موجود أو غير موجود، قادر أو غير قادر. ولا يكفي لقاؤه اليوم مع رئيسة الحكومة لإلغاء تساؤلاتنا. نسأل عن الرئيس كي نعرف أيضا حقيقة سبب الغياب. إن صحت أخبار سوء الوضع الصحي، فمن حقنا أن نعرف حقيقة هذا الوضع وتاريخه منذ وصوله للحكم".
ونبه لطيفي إلى أن "ترك البلاد في حالة فراغ دستوري يعيق تواصلها من خلال إلغاء دستور 2014 وعدم تركيز المحكمة الدستورية مع المخاطر التي قد تترتب عنها، يعد جريمة في حق الشعب والدولة إذا كانت حالة الرئيس الصحية معروفة سلفا".
وخلص للقول: "الدولة التونسية نتاج أجيال وتاريخ يمتد لأكثر من قرنين، وهي ملك الشعب وليست ملكا لأي شخص"، وتابع: "أن تمثّل الدولة لا يعني أنك الدولة".
















