فقد البرلمان والحكومة.. كيف حرق التيار الصدري "أوراق قوته" في العراق؟

يوسف العلي | منذ ٣ أعوام

12

طباعة

مشاركة

لأول مرة منذ 17 عاما يقف التيار الصدري خارج السلطتين التشريعية والتنفيذية في العراق، وذلك بعد قرارات زعيمه رجل الدين الشيعي مقتدى الصدر الانسحاب من البرلمان وعدم المشاركة في الحكومة التي تشكلها قوى الإطار التنسيقي القريبة من إيران.

رغم حلول التيار أولا بـ73 مقعدا في انتخابات 2021، فقد استقال من البرلمان بعد 8 أشهر من محاولة تشكيل حكومة أغلبية وطنية، ما فسح المجال أمام القوى المناوئة لتشكيل حكومة توافقية، دعا الصدر في 15 أكتوبر/تشرين الأول 2022 للمشاركة بها.

وجود التيار الصدري خارج البرلمان والحكومة للمرة الأولى منذ دخوله العملية السياسية عام 2005، فتح باب التساؤل واسعا عن تداعيات قرارات الصدر على مستقبل التيار في ظل تولي القوى الحليفة لإيران إدارة الحكم لمدة قد تصل إلى أربعة أعوام.

تراجع كبير

وبخصوص تداعيات قراراته، رأى الكاتب العراقي رائد الحامد، أن "استقالة التيار الصدري ورفض المشاركة بحكومة (محمد شياع) السوداني، إضافة إلى اعتزال الصدر العمل السياسي نهائيا في 30 أغسطس/آب 2022، كلها عوامل التقت على حقيقة أن أداءه تراجع كثيرا".

وأضاف الحامد خلال مقال نشرته وكالة "الأناضول" في 18 أكتوبر 2022 أن "قدرته (التيار الصدري) على توظيف الشارع السلمي وأجنحته العسكرية في فرض الأمر الواقع ومنع الإطار التنسيقي من تشكيل الحكومة لم يأت بنتائج ضمن سقف توقعات أتباع التيار".

ورأى الكاتب أنه "لا تبدو هناك أي احتمالات لعودة التيار إلى خيار الشارع لإسقاط حكومة السوداني بعد أن استنفد الصدر معظم أوراقه، وأهمها ورقة تحالف (إنقاذ وطن) الذي ضم نواب كتلته ونواب تحالف السيادة (سني) والحزب الديمقراطي الكردستاني".

ولفت إلى أن "هذه الورقة كان يمكنه أن يستخدمها لحل البرلمان والدعوة إلى انتخابات مبكرة، بدلا من دعوة نواب كتلته إلى الاستقالة وخسارتهم حق التصويت وتقديم مشاريع قرارات في مجلس النواب".

وأردف: "كما أن موقف الصدر من الحوار الوطني ووضعه شروطا تراها القوى الأخرى تعجيزية أو غير عملية، أبعد التيار شيئا فشيئا عن المشهد، ما ينذر بفقدانه التأثير في رسم مسار النظام السياسي في العراق".

وأكد الكاتب أن "قدرة التيار على تحريك الشارع لا تزال الورقة الأهم بيده لانتزاع مكاسب من خصومه أو فرض إرادته على القوى السياسية الأخرى".

وهي ورقة لم تعد بالتأثير نفسه بعد أن أثبتت عمليات الاقتحام السلمي للبرلمان والاقتحام المسلح للمنطقة الخضراء في أغسطس 2022 أنها غير مدروسة وأفقدت التيار الكثير، بحسب تقديره.

وشدد على أن التيار الصدري لا يزال يحتفظ بمناصب سيادية في مؤسسات الدولة يديرها موظفون من "الدرجات الخاصة" في السلم الوظيفي.

وليس من المؤكد أن الصدر سيأمر بإقالة نحو 300 موظف من المحسوبين على سلم "الدرجات الخاصة"، بينهم وزراء ومحافظون وسفراء ووكلاء وزراء.

وخلص الحامد إلى أنه "من المؤكد أن نظام التوافق السياسي لن ينهار، وأن محاولات التيار الصدري لتقويضه كانت تفتقر إلى رؤية ناضجة تنطلق من فهم سليم لواقع المجتمع العراقي وتركيبته السكانية".

تحجيم وتضييق

من جهته، قال المحلل السياسي العراقي، يحيى الكبيسي خلال مقابلة تلفزيونية في 18 أكتوبر 2022، إن "تحجيم التيار الصدري واحد من أهداف الإطار التنسيقي خلال المرحلة المقبلة".

وأضاف الكبيسي أن "ذلك لن يجري إلا من خلال تغيير قانون الانتخابات الحالي الذي صاغه التيار الصدري مع رئيس البرلمان محمد الحلبوسي ووضعوا مصالهم فيه وحققوا نتائجهم التي حصوا عليها بالانتخابات المبكرة في أكتوبر 2021".

وتابع: "الأمر الآخر هو المفوضية العليا للانتخابات، والتي تعد في العراق ممثلية للأحزاب السياسية حتى وإن كان أعضاؤها من القضاة، وبالتالي عندما نكون أمام برلمان لا يوجد فيه التيار الصدري، فهذا يعني أنه لن يكون لهم تمثيل في مفوضية الانتخابات المقبلة".

وأوضح الكبيسي أن "الإطار التنسيقي يعتزم تشكيل حكومة برئاسة محمد شياع السوداني لتستمر أربع سنوات، وهذا ما يتحدث به نواب في البرلمان عن الإطار بشكل علني، وحجتهم بذلك أن خيار حل المجلس والذهاب لانتخابات مبكرة بيد البرلمان، وهم بالتالي يمثلون الأغلبية البرلمانية".

وأعرب الكبيسي عن اعتقاده بأن "التيار الصدري لن يبقى جالسا طيلة ثلاث سنوات ويشاهد الإطار التنسيقي يخنقه، وأن هناك جناحا داخل الإطار، مهيمن على حكومة السوداني، إستراتيجيته خنق الصدريين".

ولفت إلى أن "الإطار التنسيقي سيستخدم أموال خزينة الدولة التي تصل إلى 200 مليار دولار في التضييق على التيار الصدري كما فعل نوري المالكي إبان فترة حكمه عام 2012، عن طريق إحداث انشقاقات لدى الصدريين وشراء الجمهور، وهذه الآليات واضحة".

وعلى الوتيرة ذاتها، قال المحلل السياسي وأستاذ الإعلام غالب الدعمي إن "الرؤية التي تذهب باتجاه أن الإطار التنسيقي سيسعى إلى تحجيم دور التيار الصدري بوسيلة أو أخرى، أنا أتفق معها، وهذا صراع طبيعي بين الأحزاب السياسية سواء في العراق أو خارجه".

وتساءل الدعمي، وهو قريب من التيار الصدري في حديث لصحيفة "عربي 21" في 18 أكتوبر 2022، قائلا: "هل هذا التحجيم الذي يعتزم الإطار التنسيقي اتخاذه سيخضع لضوابط أخلاقية أو غير أخلاقية؟ هذا ما ننتظره في المرحلة المقبلة".

ولفت المحلل السياسي إلى أن "التيار الصدري ينتظره مستقبل آخر، فإذا نجحت الحكومة التي يشكلها الإطار التنسيقي، فإن مستقبل التيار السياسي سيكون محفوفا بالمخاطر، وإذا فشلت فسيكون له دور كبير بالمستقبل".

وأكد الدعمي أن "المشهد السياسي في العراق ما زال غامضا حتى اللحظة ولا يمكن التكهن به، وربما يكون خاضعا للمفاجآت المحلية وكذلك الوضع الدولي، فضلا عن طريقة تعامل الحكومة مع الملفات الداخلية والخارجية وملفات المواطنين العراقيين".

خطر الاضمحلال

على ضوء ذلك، يرى الباحث في الشأن السياسي العراقي لطيف المهداوي لـ"الاستقلال" أن "الإطار التنسيقي بالعموم يعيش اليوم أفضل حالاته، وهي حالة قد تكون مؤقتة فيما لو لم يتعظ بدروس أزمة الانسداد السياسي، وهو ما ستكشفه، دون شك، كابينة السوداني الحكومية ومسار عمله".

وأضاف المهداوي أن "التيار الصدري سيواجه خطر (الاضمحلال)؛ فالقرارات غير المدروسة، والمغامرات المتواصلة ستلقي بظلالها عليه".

لذلك فإن البعض من قادة الإطار التنسيقي يضعون معاقبته هدفا إستراتيجيا، ولكن هناك من يمانع ذلك داخل الإطار وفي مقدمتهم هادي العامري زعيم تحالف الفتح، والذي يمثل المنطقة الرخوة فيه، كما قال.

وعن موقف إيران التي تعد الفاعل الخارجي الأكبر بالعراق، رأى الباحث أن "طهران والقوى الولائية (موالية لها) بشكل عام ترى في التيار الصدري عنصر تخريب للمشروع الشيعي في البلاد وأداة في مشروع الفوضى، ولكن ربما التحديات الدولية ستؤخر المواجهة معه".

وأردف المهداوي، قائلا: "على الرغم من إصرار التيار الصدري على مواقفه وسياساته، فإن الدعم الدولي المطلق لحكومة السوداني والإطار التنسيقي سيمنعانه من المضي كثيرا في مشروعه، ولا سيما أنه بات قريبا من تصنيف القوة الخارجة على القانون".

كما يذكرنا ذلك بمواجهات صولة الفرسان التي جرت وسط سكوت شيعي، بل وترحيب ضمني، وفق قوله.

وفي مارس/آذار 2008، قاد رئيس الحكومة الأسبق نوري المالكي عملية عسكرية ضارية سميت "صولة الفرسان" استهدفت جيش المهدي بقيادة الصدر، وتحولت خلالها مدينة البصرة العراقية لساحة حرب حقيقية.

وبعد الانتخابات البرلمانية التي أجريت في مارس 2010، عارض الصدر بشدة التجديد للمالكي لولاية ثانية.

إلا أن الضغوط الإيرانية على الصدر (الذي كان موجودا في إيران) وعلى قوى سياسية أخرى، أدت إلى تمرير حكومة المالكي الثانية التي استمر خلالها الشد والجذب بينهما.

وعام 2011 عاد الصدر إلى منزله في منطقة الحنانة بالنجف جنوبي العراق، بعد أربع سنوات قضاها في إيران لدراسة العلوم الدينية.

وتجددت الخلافات بين الطرفين بعد مشاركة نواب من كتلة "الأحرار" الصدرية في حراك لاستجواب وإقالة المالكي عام 2012 على خلفية اتهامات بالفساد وسوء استخدام السلطة.

وبعد سقوط الموصل ومدن عراقية أخرى بيد تنظيم الدولة عام 2014 وجه الصدريون اتهامات للمالكي بالتسبب بسيطرة التنظيم على ثلث الأراضي العراقية.

وكان مقتدى الصدر من المؤيدين لتولي حيدر العبادي رئاسة الحكومة التي تشكلت عام 2014، ما أثار غضب المالكي الذي كان يبحث عن ولاية ثالثة.

ووضع الصدر الذي تصدرت كتلته "سائرون" (54 مقعدا) نتائج انتخابات 2018 شروطا وصفت بـ "التعجيزية" على المالكي للمشاركة في الحكومة التي تشكلت من دون "ائتلاف دولة القانون".